آراء ومقالات

Recent Posts

Tags

Community

Email Notifications

Archives

April 2014 - Posts

نافع علي نافع

بقلم: إسماعيل آدم محمد زين   "الإنسان عدو ما يجهل" و في أثر آخر "الما بتعرفوا بتجهاوا"

قبل أن يبرق نجم نافع في سماء الإنقاذ المظلمة ، قرأتُ كتاباً عن الأسماء العربية  و قد ورد إسم نافع ضمن أربعة أسماء نهي الإسلام عن التسمي بها – فرجعتُ إلي الكتاب للتأكد فوجدته كذلك! في حديث أورده سُمرة أنه نُهي أن يُسمي أرقاؤنا أربعة أسماء: أفلح و نافع و رباح و نجاح. و عن عمر بن الخطاب قال، قال رسول الله (ص) " لئن عشتُ –إنشالله – لأنهين أن يُسمي رباح،و نجيح و أفلح و نافع و يسار"

ترجعُ علة منع التسمي بهذه الأسماء" لأنهم إنما كانوا يقصدون بهذه الأسماء، و بما في معانيها إما التبرك بها، أو التفاؤل بحسن ألفاظها ، فحذرهم أن يفعلوه، لءلا ينقلب عليهم ما قصدوه في هذه التسميات إلي الضد، و ذلك إذا سألوا فقالوا: أثم فلاح؟ أثم يسار؟ أثم رباح؟ فإذا قيل لا، تطيروا بذلك و تشاءموا بهو أضمروا الإياس من اليسر و الرباح، فنهاهم عن السبب الذي يجلب سؤ الظن بالله سبحانه و يورثهم الإياس من خيره" كنتُ بذلك الإكتشاف فرحاً- خطلٌ في الفكر و سقمٌ ! مال الفتي نافع و إسمه ؟ هل إختاره؟ و هل كان له خيار في أن يولد في تلك الأرض اليباب؟ الجافة القاسية؟ ليس له من الأمر شئ ! هل كان له خيار بأن يولد بهيئته تلك؟ و في زمانه ؟ أمرٌ يسري علي الجميع ، لو كان لنا خيار لتسمينا بأجمل الأسماء و أخترنا أفضل الهيئآت و أجمل الأماكن في العالم للعيش و السكن و أفضل زمان ! ربما زمان النبي الأعظم !

و لكن ما بال القادرين علي التمام يعجز عن إختيار إسم لإبنه أو إبنته؟ ما بال الصادق وهو إمام يسمي بالمكروه من الأسماء؟

خلال الأسابيع الماضية ضجت الأسافير بإخوان لنافع أُتهموا في جريمة قتل – سُلطت الأقلام علي نافع كذلك ! أمرٌ لا منطق فيه و لا عقلٌ ! مال نافع و إخوانه ؟ 

ثم إلتقيتُ بقريب لنافع له به شبهُ شديد، كأنه شقيق أو توأم ! و كانت سانحة لأعرف حقيقة الأمر، خاصة كِبار الفِريات ! و قد أوشك البعض علي إخراج نافع عن حاضنتة و عُصبته التي بها يفقر و يرجز- رغم بعد ذلك عما جاء به الإسلام و ما جاءت الإنقاذ لتجدد منه: من تعاليم و قيم ! و علي كل حال فهذا واقعنا في بلاد السودان ، لا فكاك منه ! فقد صبغت الإسلام بشئ من الفرعونية و بكثير من الوثنية الضاربة جذورها مع كل قيم القبائل العربية و شبه العربية التي تاهت في صحاري السودان و براريه الواسعات و نسيت من الإسلام تسامحه و زهده و نهيه عن التفاخر بالأنساب و الأمجاد. و لعل الجميع يذكر فخر الفنان وردي بجدوده، بتهراقا و برماة الحدق ! فهاجمه متعصبي الإنقاذ و أتعبوه !

سألتُ الرجل عن حقيقة ما حدث و لخص الأمر في أن إخوة نافع متهمين بالتحريض علي القتل !و ليس القتل !

عن الإبل التي تربو عن ال 30000 ألف سألتُ، فتبسم الرجل و ضحك و قال إنها لا تبلغ ذلك العدد ! و لكنه أكد علي أن الضأن يسد الأفق و هو كثير! و هنا تدخلتُ أن يوصل رسالة إلي نافع و لا أخالها عنه تغيب و لكن لنذكر – و هي تتلخص في الإستفادة من لبن الإبل كما فعل القوم في موريتانيا حيث يتم حلبها و تجميع ألبانها بالعربات المبرده إلي مصنع ينتج الزبد و الجبن مع السمن و الزبادي و اللبن المبستر. لبن الإبل يقولون يعالج الكروش الكبيرة، فيزيل شحمها المسبب للسكري و الجلطات !لعل هذا الإستغلال يوفر فرصاً للعمل و يساعد في إستمرارها و نموها و ربما يجلب عملةً صعبة للبلاد!

و قد أمنتُ علي أن الإبل من أفضل  أنواع الإستثمار في مثل تلك البيئات القاسية- البطانة، شمال كردفان و دارفور! كما أثبتت الدراسات – قامت الدولة أخيراً بإنشاء مركز لأبحاث الإبل بالبطانة. يُرجي أن يُعزز من هذه الفوائد و يزيد من فرص إستخدام الأراضي الهشة و يساعد علي إستدامة التنمية.

و أستدركتُ لعل نافع يقدم علي عمل أكثر فائدة له و للناس في مشروع يتم فيه توزيع الإبل و الضان علي الفقراء بالبطانة لترفد من بعد المصانع باللبن والصادر باللحوم الطيبة ! و تذكرتُ السيدة البريطانية التي جاءت إلي السودان لزيارة إبنها الذي يعمل بإحدي المنظمات الطوعية ، فقامت بإنشاء منظمة لتوزيع الماعز علي الفقراء و المساكين في مشروع دوار يتم فيه تقديم عدد من الماعز للأسرة و التي تتبرع من بعد بالناتج من التوالد لأسر أخري و هكذا يتم توزيع الثروة و الخير علي المجتمع – أسمت المشروع كدز فور كدز--

Kids for Kids لعل نافع و غيره يحذو حذو فاعلي الخير في العالم و الذين تضامن بعضهم بدعوة من بيل قيتز للتبرع بجزء كبير من ثرواتهم! و قد تبرع بيل قيتز بمبلغ هائل و هو 25 بليون دولار أميركي و لحقه صديقه وارن بوفيت فتبرع بمبلغ كبير و تذهب غالب هذه الأموال لإفريقيا لمعالجة أسقامها و محاربة فقرها و مساعدة أهلها بشكل ذكي و مبتكر! تحت إدارة منظمة بيل قيتز و ميرندا قيتز !

سيترك بذلك نافع مأثرة عظيمة، ستبقي علي مر الزمن و تنسي ما حاق بإسمه من أقوال و تمحق بها و ليظل نافع ، نافعاً لأهله و بلده .

سألتُ الرجل عن حقيقة سكن نافع مع ناظر البطاحين خالد ، فنفي ذلك و أكد علي أن الدراسة في ذلك الوقت في نهاية الأربعينيات و اوائل الخمسينيات و ظلت إلي زمن قريب مجاناً مع توفر السكن بالداخليات ، بدءاً بمرحلة الأساس و حتي الجامعة و هو ما مررتُ به حتي التخرج في جامعة الخرطوم في أواسط السبعينات من القرن الماضي.

وُلد نافع بتميد النافعاب إلي الشرق من شندي موغلاً في البطانة بمسافة قد تبلغ الخمسمائة كيلومتراً و كان خاله عُمدة للنافعاب و كان يقضي جل و قته في البطانة .النافعاب فرع من الجعليين – التميد هو البئر و كذلك التمد و لا يحفر البئر إلا الرجل الهميم صاحب المال و الطولِ- لذلك يظلم الناس نافع في محاولة إخراجه من عُصبته بني جعل ! 

ذهبتُ يوماً لعذاء فوجدتُ صيواناً يغلق الطريق للبيت الذي أقصد و كان الوقتُ صباحاً و لما جاء وقت الإفطار ، جاءت الصواني مليئة بألوان الطعام و لذيذه- صينية عُرس! و لما غادرنا سألتُ زميلي د.يحي وأختنا د.شادية ، كيف جهز أهل الدار هذا الأكل الطيب الوفير و بهذه السرعة ؟ فكان ردهم " الأكل جاء من بيت العرس المجاور!" فرددتُ بأن صاحب العرس لازم يكون جعلي ! و قد كان كذلك! كان د. يحي و د. شادية من الجعليين و كانا بذلك فخورين ! كأن الصواني تلك جاءت من بيوتهم ! و بمثل هذا فليتنافس المتنافسون و إلي المكارم فليقدم الناس و ليتداعوا لفعل الخيرات.

و من هنا دعوتي لنافع ليوزع ثروته من الإبل و الضان علي الفقراء بالبطانة في شكل مشروع للتنمية مستدام ، لإنتاج اللحوم و الألبان و منتجاتهما. و ليصنع مأثرةً باقية و إرثاً و ذكراً – لا شئ يدوم و المال يا صاحِ غادٍ و رائح!

و دعوة لكل من صنع ثروة في الزراعة و الصناعة و غيرهما من مجالات الإنتاج و العمل أن يقدم علي التبرع و الإنفاق ! خاصة و البلاد مقدمة علي مرحلة جديدة في التعافي و المصالحة و العدالة .و دعوة لأن نعرف بعضنا حتي لا نظلم أنفسنا و نظلم الآخرين و من الخير لنا ترك هذه الديار كما جئنا إليها! و لا شئ يدوم ! سيفعل الزمن بالناس فعلته و كذلك بالدول و الحكومات و قد شهدنا نهاية إمبراطوريات و دول عظيمة مثل إنجلترا و روسيا و توقعنا إفلاس أميركا و ما تمنيناه ففي إفلاس أميركا خسارة للعالم كله! لقد فرح البعض لإنهيار روسيا و سرعان ما أدرك خطله ! ستمر علينا ذكري الإنقاذ و قد لا يتذكرها أحد ! تماماً كما تمر ذكري مايو و عهد الأزهري و المهدية التي كثيراً ما تُذكر بالجهادية و أفعالهم الماكرات! 

دعوة للإنفاق كما دعا الإسلام و قد عددتُ من الآيات القرانية ما زاد عن السبعين آية تدعو كلها للإنفاق .وهنا أُذكرُ فقط و لا شئ غير ذلك و دعوة للتصافي و التصالح و تحقيق العدالة !

متي نبني السودان؟

بقلم: نعماء فيصل المهدي

يقول الكاتب الكندي مالكوم غلادويل في كتابه الشهير حالات فردية، والذي يحكي فيه عن الظروف والفرص التي ادت الي نجاح البعض المذهل علي مستوي العالم، امثال رائد البرمجة الالكترونية ومؤسس شركة تشغيل الحاسوب مايكروسوفت -بيل غيتس، ورائد الموسيقي الكلاسكيه -بيتهوفن، يقول؛ بان ما يحتاجه الشخص للتمكن من امر ما واتقانه-الي درجة ينافس بها غيره علي مستوي العالم، هو ان يقضي مدة مجموعها ١٠,٠٠٠ ساعة، في الدراسة والتدريب الجاد علي هذا الامر -قضاء مجموع ١٠,٠٠٠ في التدرب علي اتقان وتجويد امرً ما -هي المعادلة للوصول الي المقدرة علي الاداء الممتاز علي المستوي العالمي.

اثبت مايكل هاو في كتابه شرح العبقرية ان نظرية الفيلسوف ايمانويل كانت التي افترضت بان الموهبة اوالعبقرية هبة ربانية تمنح لأشخاص دون غيرهم خاطئة- وبان مدة التدريب والدراسة المطلوبة من شخصً ما ليصل الي مستوي العبقرية في عملاً ما او هواية ما او لكي يحصل درجة عالمية مرموقة في اداء عمل-هي عشرة سنوات يجتهد فيها بمعدل بمعدل ثلاث ساعات في اليوم تقريباً. اي مجمل ١٠,٠٠٠ ساعة .

يقول هاو ان تحصيل درجة العبقرية في امرً ما يحتاج لبذل الجهد والاجتهاد الجاد فيه بهذا المستوي، وما يحفز شخصً ما او مجتمعً ما لبذل هذا النوع وهذا المستوي من الجهد هو توقعات من يفعل ذلك بمكافأة مرضية ينالها لذلك. تساهم نظرية العمل من اجل المكأفاه في في اعادة وتكرار المجهود يساهم تكرار العمل في برمجة العقل الباطن للالتزام بتنفيذ العمل والتدريب اليومي عليه حتى يصبح العمل والاجتهاد عادة وجزءً من تكوين شخصية الشخص - وببذل ثلاث ساعات يومياً في التدريب علي واتقان العمل والالمام بكل جديداً عنه-يحصل درجة العبقرية.

لذلك فان العبقرية لا توهب -بل هي نوعاً من انواع برمجة العقل لاداء مهام محددة حتى يتمكن من اتقانها علي مستوي يتفوق به علي من حوله.

العقول العبقرية الجادة تساهم في بناء ورفعة شعوبها وذلك بتقديم مبادرات ومشاريع رائدة وملائمة للفرص العالمية المتاحة وموارد الدولة من عمالة ذات كفاءة تساهم نتائجها في نهضة الدولة - الثورة الصناعية نموذجاً لافكار ساهمت في نهضة دول اوربا وتوفقها الصناعي علي العالم ومؤخراً العصر الرقمي وما اتاحه من فرص لدولة الهند والصين وسنغافورة من ازدهار-ولكن من اجل الوصول الي هذه الدرجة من الاداء لبناء امة رائدة تنافس نظيراتها من الامم لا بد من بذل الكثير من الجهد والاجتهاد.

تلك العقول الموهوبة نادرة في المجتمعات العشائرية مثل المجتمعات القبلية الافريقيه وتكثر في المجتمعات الفردية الغربية وذلك لان المجتمعات العشائرية لا تشجع الفرد علي التفرد او التميز بل تحارب التفرد بشراسة مفرطة حتى وان عاد المتفرد المتميز للمجتمع بالنفع وتشجع النشاطات الجماعية والتي توطد نسبة التعاضد الاجتماعي ولو كان ذلك علي باطلاً يسبب لها الاذي - اجتماعيات الاحتفال بالختان نموذجاً.

المجتمعات التي تقضي جل وقتها في النشاطات الجماعية والاجتماعيات لا تتيح لأفرادها الفرصة لبذل ١٠,٠٠٠ ساعة في دراسة او تجويد عملاً ما بل في اغلب الاحيان ان اراد ذلك تنبذه وتطلق حوله الشائعات المغرضة - لانه بالنسبة لعقلية مبرمجة علي الاجتماعيات ... شخص غريب الاطوار..

السودان مجتمع قبلي شعائري ساهمت عاداته وتقاليده وشعائره حتى الأن في رعاية وحماية انسانه في ظل القبيلة. حينما نزحت القبائل الي المدن ظلت في وحدات قبلية داخل مظلة المدينة الجامعة -تحمي ابنائها وبناتها وترعاهم من خلال نظام الاسرة الممتدة، التي تتقاسم العيش والعمل في نظام سكن " الحوش" فتجد في مدينة امدرمان العريقة حي الرباطاب والهاشماب والمسالمة وفي بحري الدناقلة وفي بري المحس ...جلها مجتمعات راعية لبعضهم البعض، متكافلة اجتماعياً، متعاضدة لحماية مجتمعها من الاذي، ولذلك يقضي الفرد جل وقته في توطيد علاقته بهذا المجتمع-ذلك قد يكون السبب في وجود وبقاء مراسم العزاء الممتدة ومراسم الزواج الممتدة ومراسم الوضوع الممتدة وغيرها من العادات السودانية الطاغية والتي اصبح بقائها يمثل تكلفة باهظة الثمن لاصحابها في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

مع نزوح افراد هذه المجتمعات الي العمل في المدن في منتصف القرن الفائت، وتكوينهم لأسر نوييه تفككت شبكة الحماية هذه وبعدت الأسر عن بعضها البعض للمساهمة في تكوين دولة مدنية ترعاهم.

تلك العملية- عملية بناء الدولة المدنية لم تتم بسبب انحراف الحكم لايدي شمولية والشمولية الغير واعية بميحطها وشعبها تهدم ما قبلها من تراكمات من تقدم في مجال صناعة الدولو والتراكمات معرفية والخدمية دون هوادة- بذلك اصبحت الدولة كيان افقي لا صلة له بالمجتمع الذي يحكمها الا لفرض السيطرة والتسلط وتحصيل الجبايات -فارتد المجتمع الي جذوره القبلية.

اذا افترضنا ان افراد الحكومة والمعارضة سوا يقضون ساعتين يومياً في الايفاء بواجبهم تجاه عادات قبلتهم الممتدة من زيارات ومجاملات....واذا افترضنا بانهم يقضون ساعة يومياً في اجتماعاتهم ولقائاتهم المتلفزة وساعة الخ ...متي يتسني لهم متسع من الوقت للقيام بالدراسة والعمل من اجل بناء دولة ترتقي لمستوي دول العالم؟؟

تلك هي الثلاث ساعات التي ان استثمرت في مشروع دراسة وبناء الدولة ساهمت في صناعة دولة ترتقي لمستوي نجاح دول العالم- لكن قد تم اسثمارها في تمتين العلاقات العامة ....لذلك تستحق الحكومة والاحزاب بان تلقب بمؤسسات زيارات ومجاملات وعلاقات عامة بناءً علي اولويات اعمالها.

اذا افترضنا ان افراد الحكومة برئيسهم ونوابه ومساعديه يقضون ساعة يومياً في افتتاح كل مبنيً جديد او شارع او جسر او ....لم يتبقي لهم سوي افتتاح علب الصلصة واللبن من فرط انشغالهم بالافتتاحات ...و٣ ساعات يوميا في تدشين وحضور المهرجانات ...

في الاونة الاخيرة بث تلفزيون السودان حلقات متتالية من مهرجانات اعلان شهادة الأساس!..وفي كلمة احد اعيان الحكومة في مدينة كسلا نادي سيادته بقومية اعلان شهادة الأساس السودانية ...لم يتبقي لهم سوي عقد مهرجان مسواك الصباح تحت شعار المسواك قبل الشاي برعاية سيجنال تو...

تلك اربعة ساعات يومياً -اي ١,٤٢٤ ساعة سنوياً يقضيها كل فرد من افراد الحكومة في الاحتفالات والمهرجانات ولذلك تستحق وبجدارة لقب تنسيقية الحفلات والاحتفالات ...وليس من المستغرب في حكومة الاحتفالات هذه ان يستحق قائدها لقب الرئيس الراقص بجدارة.

متي نبني السودان وحكوماته تضيع اثمن موارد الكون علي الاطلاق وهي الوقت في العلاقات العامة والاحتفالات البائسة ؟؟

ليتها كانت تدرس اخر ما توصل له العالم في مجال العلاقات العامة والاحتفالات لاصبح السودان مركز عالمي لذلك ولكنها لا تفعل بل هي معادلة مكررة لا جديد او تجديد -تجمع الحضور وتلقي كلمات تمدح فيها ذاتها والحضور المميز يتوسطها فاصل غناء او نشيد مكرر.

متي نبني السودان؟ وكيف؟ ومن سيبني السودان؟ومتي؟

سيستم بنك الخرطوم ! سيستم البنوك

بقلم: إسماعيل آدم محمد زين

ذهبتُ اليوم 20 إبريل لعملية توريد بسيطه لم أكن أتوقع أن تستغرق أكثر من 5 دقائق و لكنها زادت عن الساعة ! لذلك لم تكتمل سعادتي بالتجديد و عمليات الصيانة و الخدمات التي تم إدخالها لأول مرة ! مثل دورات المياه النظيفة و التي تجد فيها منظفات و مناديل لتجفيف الأيادي ! و هو أمر نفتقده في غالب البنوك و في كل المؤسسات.

تجلت الصيانة في المقاعد المريحة بديلاً للمقاعد الحديدية الزلقة و التي تعذب من يجلس عليها و هي مكتملة الأرجل ! وليست مثل الكرسي الذي أُجلس عليه الحبيب الإمام! ذي الشُعب الثلاث ! مع تكييف جيد و ماكينة تذاكر جيدة ، تخرج تذاكر جيدة و عليها الوقت مسجلاً ـ مما مكنني بسهولة من إثبات الوقت الذي أضعته في إنتظار دوري! و قد زاد عن الساعة ! أمرٌ أفسد الفرحة بالتغيير و الذي أغفل أهم عنصر و هو البشر! لم يطاله التغيير و لم يستجب له !

مكتب المدير شفاف و منه يمكنه متابعة ما يجري و لكنه للأسف لا يتمكن من معرفة ما يجري مع السيستم ! فهو يسمع صوتاً ناعماً و لكنه لن يعرف الوقت الذي يقضيه العميل في الإنتظار – خاصة مع شعبنا الصبور الذي يحترم السيستم!

أخذتُ تذكرةً و جلستُ أتابع الصوت العذب و هو ينادي علي التذاكر للتوجه إلي نوافذ الخدمة مع وجود شاشة توضح ذات العملية- مما هو متعارف عليه في هذا النظام الجيد و الذي تم إفساده ! فقد لاحظتُ تلكؤاً من غالب النوافذ مع تظاهر بالإنشغال بعمل ما، بالرغم من معرفتنا بأن غالب الأعمال تنتهي مع مغادرة العميل للنافذة! فإذا ما وردت مبلغاً فإن الموظف يقوم بحسابه و وضع ديباجة علي كل رزمة و وضع الختم و توقيعه و من بعد يسلمك الإيصال الذي قمت بملئه – لا يوجد عمل آخر يجعله يتبأطأ أو يتلكأ أو يتوان !

كما لاحظتُ بأن المنادية كثيراً ما تنادي أرقام لا يظهر أصحابها ! لعلهم زهجوا و غادروا ! أو لعل بعضهم جاء ليستمتع بالجلوس في تلك القاعة المكيفة !لا أحد يدري ! و لا أحد يهتم ! و لما طال إنتظاري ذهبت إلي نافذة خالية من أي عميل و تتظاهر الموظفة بالعمل فأخبرتني بأن العمل بالتذاكر ! أخبرتها بأنني أحمل تذكرة و لكنها زادت في صدودها قائلةً " أنا بأعمل في العملة الحرة ،الدولارات!"  تركتها و ذهبتُ لأتابع السيستم ! و أخيراً قررتُ مخاطبة مشرفة الصالة و كانت تداعب الماوس و جاءت بعد لأي و أخبرتها بطول إنتظاري و لمعاملة لا تستغرق في العادة 5 دقائق! فأخبرتني بأنه السيستم ! و أنه آلي ! كنت أظن بأنه ثمة حسناء في مكان ما تراقب أو بعد أن يضغط الموظف بعد إنتهاء خدمته للعميل الذي أمامه علي زر! لكن السيستم آلي ! بالطبع لا بد من تغذية السيستم بالمعلومات و هي قد تكون ضغطه بسيطه علي زر متصل بالسيستم و من ثم يتم النداء الآلي ! و لكن تغلب الموظفون المتلكئون و الكسالي علي السيستم – فهم ينكبون علي أوراق أو يداعبون الكمبيوتر أو ...! و للأسف يحتاج السيستم لبشر ذي همة ، يحترمون الوقت و يقدرون العملاء – فهم مصدر رزقهم و حوافزهم. 

في تقديري كان السيستم القديم – وهو الصف أفضل و أكثر كفاءة و لا سبيل للموظف لإضاعة الوقت و التلكؤ!

هذا الأمر لا يقتصر علي بنك الخرطوم و لكنه سلوك عام في غالب البنوك. و أؤكد بأن السيستم ممتاز و لكنه لا يعمل في السودان و مع نوعية الموظفين قليلي الهمة ! لذلك علي إدارات البنوك المراقبة و المتابعة ،خاصة و التذاكر يوجد عليها الزمن ! بمراجعة بسيطة للتذاكر الموجودة مع كل موظف و بالنظر لكافة معاملاته – من صرف لشيك أو توريد لمبلغ أو لبيع عملة أو تحويل لمال و غيرذلك يمكن تحديد زمن معياري لأي معاملة و من بعد يمكن معرفة آداء كل موظف و فقاً للتذاكر التي بحوزته ! لذلك نجد الموظفين غير حريصين علي المطالبة بالتذاكر و يهملونها ! و لكن أعتقد بمراجعة السيستم يمكن معرفة كل شئ عن آداء الموظفين و الوقت الذي يستغرقه كل واحد منهم في أي عملية ! بالطبع هنالك موظفين أكفاء و سريعين و ذوي همة و يقدرون عملهم.

أثناء إنتظاري تعثر أحدهم بالكرسي الذي كنت أجلس عليه و قد إعتزر و شاهدتُ العصا التي يحملها المكفوفين – لقد كان شاباً مكفوفاً وقد شاهدتُ موظفة تخدمه بشكل جيد و لكنه للأسف كان واقفاً و هي تعبئ إستمارة ما ! جاء أحد شباب الهدف و أخذه لشباك و سرعان ما سمع كثير من المنتظرين الشكلة مع الشاب الكفيف .و هو يصيح أنا ما بشوف ، قلت ليك ما بشوف و ما داير أشوف وشك ده! و لو أن الموظفة الأولي أجلسته لما حدث ما حدث مع الموظفة الثانية و هو أمر يدركه علماء النفس و أطبائها ! 

لذلك أدعو للنظر في السيستم مع الإهتمام بالعملاء و تدريب الموظفين علي هذا السيستم حتي يدركوا أبعاده و إمكانياته و علي إدارات البنوك أن تهتم و تراقب و تتابع و تجود الآداء بالإستخدام الفعال للسيستم ، خاصة و السوداني صبور و لا يحتج أو  يشتكي و دائماً تضيع حقوقه و أحياناً و قته و ربما حياته.

دعوة للتدريب و التجويد و ليكن الشعار " الزبون أولاً " حقيقةً تتجسد حيثما و و قتما و لجنا أبواب المؤسسات و البنوك ! و ليعلموا بأن المال الكثير يأتي من المال القليل و أن النظام المصرفي كله يعتمد علي تراكم الأموال الصغيرة، فلا تُحقرنها !

إذا ما أردنا إحداث نهضة أو وثبة علينا الإعتناء بالبشر تدريباً و تهذيباً و عقاباً مع الثواب و لا بُد من إستخدام نظمنا القديمة إذا ما فشلت النظم الجديدة و هو أمرٌ معروف في دنيا الإبتكار و الرفض لأي جديد !

على عثمان ودروس الولاء الوطني

بقلم: بابكر فيصل بابكر

يستغرب المرء كثيراً عندما يقرأ أو يستمع لتصريحات يُدلي بها مسؤول تسنَّم أرفع الوزارات و المناصب الدستورية لسنوات طويلة, وكان ضمن أفراد الحلقة الضيقة من المتنفذين الذين انفردوا باتخاذ القرار وتحكموا في مصير البلاد والعباد لربع قرن من الزمان حتى إذا ما غادر مقعد السلطة وسُحِبَ منهُ القلم "الأخضر" تحوَّل لمرشد ناصح وكأنه لم يكن مسئولاً عن صناعة الأوضاع البائسة التي آلت إليها البلاد.

في هذا الأطار إنتقد الأستاذ على عثمان محمد طه الأسبوع الماضي في مداخلة له بالبرلمان "تحكم شخصين أو ثلاث في مؤسسات الدولة", وقال إنَّ المواطن عندما يذهب ليقضي حاجة في تلك المؤسسات لا يعرف من أين يبدأ وأين ينتهي وهو الأمر الذي يجعله يسبُّ البلاد بسبب "ضعف الولاء الوطني".

يعلمُ الأستاذ على عثمان علم اليقين أنَّ الأوضاع والممارسات داخل بيروقراطية الدولة تعكس بدرجة كبيرة طبيعة الأدواء التي يعاني منها نظام الحكم, حيث لا يتوقع المرء أن تتسِّم الخدمة المدنية بطابع "ديموقراطي" غير تحكمي في إطار دولة "شمولية" تتحكم في قرارها السياسي "فئة محدودة", ولذا كان من الأجدى له أن ينتقد طبيعة النظام السياسي الذي كان هو أحد رموزه وركائزه الأساسية منذ الإنقلاب العسكري في 1989.

لقد كنت يا أستاذ على المسئول الأول عن ملف الحُكم في البلاد عندما ذهب الدكتور الترابي للسجن "حبيساً", و تحت سمعك وبصرك وربما بتوجيه منك وقعت مجاذر الخدمة المدنية حيث فصلتم آلاف المواطنين من وظائفهم بحجة "الصالح العام", حينها لم تكن تتحدث عن "الولاء الوطني" بل كان همُّك مُنصباً في "الولاء الحزبي" وهو ولاءٌ عابرٌ لجغرافيا "الوطن" ومتماهٍ مع حدود "العقيدة" وأخوَّة الدين.

أنتم ولا أحد سواكم من تسببَّ في إضعاف الولاء الوطني عندما جعلتم من الولاء لتنظيمكم وسلطتكم معياراً لقياس الإنتماء للوطن واستبحتم جهاز الدولة ومواردها بالكامل لمنسوبي حزبكم وأبعدتم جميع الكفاءات الوطنية تحت شعار "التمكين" البغيض, حتى مات بالحسرة من مات وهاجر مئات الآلاف لأنَّهم أصبحوا غرباء في بلدهم لا لشىء سوى عدم إنتماءهم لسلطتكم.

كيف يقوى الإنتماء الوطني عند الناس – يا أستاذ علي - وفي كل حيٍ و قريةٍ ومدينةٍ تسمعُ قصةً عن "فلان" الذي أثرى وأضحى من أصحاب الحظوة و الأموال في لمح البصر لا لكفاءةٍ أو علمٍ أو مؤهلات ولكن فقط لكونه منتمياً "للجماعة", بينما أقرانه الذين كانوا يفوقونه علماً و موهبة وقدرة لا يجدون ما يستر حالهم ؟

قد توليت أنت شخصياً – يا أستاذ على - أخطر الوزارات التي أنشأتها حكومة الإنقاذ في سنواتها الأولى لتصبح أداتها الرئيسية لتطبيق الشعار الغريب "إعادة صياغة الإنسان السوداني", وكأنَّ هذا الإنسان مُجرَّد صفحة بيضاء بلا تاريخ أو تراث أو هويَّة, وهى وزارة التخطيط الإجتماعي, ولم يكن تقوية "الولاء الوطني" هو شعار الوزارة, بل كان هدفها الأول ضمان ولاء الناس للمشروع الآيديلوجي للجماعة.

لقد عمدت وزارتكم إلى فرض رؤية "أحادية" في بلد سِمتهُ الأساسية "التنوَّع", رؤية محورها "المشروع الحضاري" ذلك الكائن المُبهم الذي لا يعرف حقيقتهُ أحد وكأنهُ زعيم الشياطين الثلاثة عشر رقم صفر, وتحوَّلت برامجها – مع سياسات حكومية أخرى - لوسيلة إستمالة وأداة إستقطاب لقيادات القبائل وشيوخ الطُرق الصوفيَّة لصفوف الحكومة, فأنتهى الحال إلى إضعاف الشعور الوطني بصورة غير مسبوقة.

كما أنك - يا أستاذ على - توليت حقيبة الخارجية التي تحوَّلت شأنها شأن بقية وزارات الدولة وأجهزتها وخدمتها المدنيَّة لمملكة خاصة بأعضاء "الجماعة" وتابعي النظام, ممنوع الإقتراب منها لكل من لا ينتمي للإنقاذ وتوجهاتها الآيديولوجية, وكانت التعيينات تتمُّ فيها عن طريق القوائم التي يُعدَّها التنظيم, وليس المؤهلات الأكاديمية والإختبارات المهنيَّة والمُعاينات الشفافة.

لقد رأينا رأي العين في العديد من اللقاءات التلفزيونية والندوات العامة والحوارات دبلوماسيين في سفارات السودان بالخارج يدعو حالهم للأسى, مظهرهم يثير الرثاء, منطقهم ضعيف, و لغتهم الإنجليزية في غاية الركاكة, في الوقت الذي يتمُّ فيه إستبعاد أبناء الوطن الأكفاء المؤهلون لا لشىء سوى أنهم غير موالين للنظام.
أليس هذا وحدهُ كافياً لإضعاف الولاء الوطني ؟

حين يتم إقصاء المواطن بصورة ممنهجة من الوظيفة العامة بسبب توجهه الفكري أو إنتماءه السياسي, بينما يستولي أعضاء "الجماعة" على وظائف الحكومة, و يحتكرون موارد الدولة ومصادر التمويل, وهى العملية التي وصفها أخوكم الوزير والقيادي السابق بالمؤتمر الوطني حسن عثمان رزق ب "الرضاعة من ثدي الدولة".

قال الأستاذ على كذلك : ( ينبغي ألا نسُبَّ الوطن لأنَّ البلاد احتوت المواطن ومنحته شهادات جامعية ليشق بها طريقه في الحياة ).

ما فائدة البلد الذي يُعطي أبناؤه شهاداتٍ جامعية ثم يحرمهم من الوظائف ؟ الولاء الوطني يتطلب توفر تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن الواحد, ولكن عندما يُصبح الإنتماء للحكومة وحزبها هو المعيار الذي يتم من خلاله منح الإمتيازات فإنَّ ذلك يؤدي بالضرورة للغضب والغبن وسيادة شعور عام بأنَّ الوطن ليس ملكاً لجميع أبناءه.

كيف تفسِّر - يا أستاذ على - إنتقال الآلاف من أعضاء حزبكم والموالين له من خانة "الفقر المدقع" لخانة "الثراء الفاحش" في زمن وجيز ؟ أرجو أن لا تكون إجابتك أنهم "دقشو السوق" كما قال أخوكم "نافع" من قبل, فأيُّ سوقٍ هذا الذي يؤدي لإفلاس الناس و يُدخلهم "السجون" ويرهن "منازلهم" للبنوك بينما يجعل من أبناء جماعتكم "مليارديرات" بين عشيَّة وضحاها ؟

و ما الذي يجعل صغار الكوادر في حزبكم من أعضاء "إتحادات الشباب والطلاب" يمتلكون "قصوراً" فارهة في أحياء الخرطوم الجديدة, ويمتطون أفخر السيارات, بينما رصفائهم يتزاحمون في طوابير الهجرة " ولو لبلاد الواق واق" بحثاً عن لقمة العيش الكريم ؟

إنَّ السبب الرئيسي الكامن وراء هذه السياسات والمُمارسات الخاطئة – يا أستاذ علي - نابعٌ من أنَّ فكرة "الوطن" نفسها ملتبسة لديكم, فمنهجكم لا يعترف بها, فهو يُعلي من شأن "أخوة العقيدة" و "أخوة الجماعة", ولذا فإنَّ "الولاء الوطني" الذي تتحدث عنه لم يك في يومٍ من الأيام مُحرِّكاً لبرامجكم و سياساتكم.

وإلا فما الذي جعلكم تفتحون أبواب البلد على مصراعيها لجميع الحركات المتطرفة في تسعينيات القرن الفائت ؟ وهو الأمر الذي أدخل السودان في دوامة من الصراعات مع دول الإقليم والمجتمع الدولي ما زال يدفع ثمنها حتى اليوم.

وما الذي جعلكم تفتعلون المشاكل مع دول الجوار الإفريقي – كما إعترف أخوكم صلاح قوش مؤخراً – دون أنْ يخاصمونكم أو يبادرونكم بالعداء ؟

واليوم ما يزال السودان "الوطن" مُهدداً بالمزيد من الحصار والعزلة الإقليمية طالما أنهُ غير قادر على إتخاذ موقف واضح مما يجري في المنطقة, وطالما أنه لا يرغب في إختيار حُلفائه بناءاً على مصالحه العليا وليس مصلحة "الجماعة".

إنَّ عدم إكتراثكم لقضية الولاء الوطني – يا أستاذ على - يتبدى بوضوح في "المناهج التعليمية" وهى حجر الأساس في ترسيخ مفهوم الوطنية, فمناهجكم الحالية تثبت في أذهان الطلاب أنَّ "وطن المسلم هو دينه", بل أنها في كثير من جوانبها تضم مواداً ونصوصاً تتناقض مع مبدأ "المواطنة" الذي يمثل حجر الزاوية في بنيان الدولة الحديثة.

لقد إفتقدت المناهج والمناشط المدرسية لقيم التربية الوطنية, حيث إختفت حصَّة "التربية الوطنية", وغابت الأنشطة الفنيَّة والمسرحية والأدبية التي تمجِّد التاريخ الوطني, وتحكي سيرة الأجداد, وتغرس الروح الوطنية وحلت محلها مفاهيم آيديولوجية تخص فكر "الجماعة" ومن دار في فلكها من تنظيمات "الإسلام السياسي".

قال الأستاذ علي كذلك : (عزونا فشل مسيرتنا الماضية للحصار، لكن الكثير منها يحتاج للمراجعة ). إنتهى
ومن جانبنا نقول أنَّ الحصار الخارجي لم يكن سبباً في "فشل المسيرة" بل كان نتيجة للبرامج و السياسات الخاطئة التي تبنتها الحكومة, وهذه الاخيرة تمثل إنعكاساً للأفكار الأساسية والمنهج الذي تتبناه "الجماعة", وهو منهج ينبني على أفكار أممية عابرة لحدود الوطن هدفها الغائي هو بلوغ مرحلة "استاذية" العالم.

إنَّ حديث الأستاذ علي الخجول عن "المراجعة" ليس كافياً لأنَّ "الوطن" بلغ درجة من السوء لا يُجدي معها شىء سوى مُخاطبة الأسباب الحقيقية للمشاكل, وهو الأمر الذي بدا واضحاً في حديث الرئيس البشير مؤخراً في تكريم البروفيسورغندورعندما تعهد بإبعاد الخدمة المدنية عن التسييس والتمكين وأي شعارات أخرى وقال إنَّ الكفاءة ستكون هى المعيار الوحيد للتفاضل بين المواطنين وأنه ( مافي أي معيار آخر للترقي في الهياكل الوظيفية وانتهى تماماً عهد التمكين والتسييس ).

إنَّ أية مراجعة لتجربة الحكم – يا أستاذ على – يجب أن تطال المنظومة الفكرية والمنطلقات الأساسية ومناهج التربية الداخلية "للجماعة" وإلا فإنها لن تؤدي لشىء سوى "إعادة إنتاج الفشل", وإنَّ أية إتجاه لتحميل المُجتمع الدولي مسئولية الإخفاق الذي أصاب مشروعكم لن تكون إلا محاولة للهروب إلى الأمام.

هل الفقر مأثرةً ؟ بروفسير محمد هاشم عوض

بقلم: إسماعيل آدم محمد زين

أول ما دعا إليه الإسلام القراءة و هي تعني في شمولها الأرفع العلم و المعرفة و هي جميعها من مقومات العمل و الكسب و هو أيضاً مما حض عليه الإسلام و قد ورد في كثير من الأدبيات " لأن تتركوا أبناءكم أغنياء أفضل من تركهم فقراء يتكففون الناس، أعطوهم أو منعوهم" و مما هو قريب من هذه المعاني – قيم للإسلام و تعاليم للأديان الأُخري !

درج بعض الكتاب و الصحفيين التحدث عن بعض المسؤلين و مدحهم بأنهم ماتوا فقراء أو تركوا دنيانا هذه و هم لا يمتلكون بيتاً أو مأواً ، و غير ذلك مما يعني أنهم كانوا فقراء زاهدين ! و يحسبون هذا في عِداد المآثر التي خلفوها ! أي مأثرةً في الفقر ؟ لقد إستعاذ منه نبينا الأعظم !

آخر ما قرأت في هذا الشأن ما سطره الطاهر ساتي عن بروفسير / محمد هاشم عوض و عاب علي جامعة الخرطوم إخراج أُسرته من المنزل ! كما طالب إستثنائه و أورد بقاء الزبير بشير طه في منزل الجامعة لأكثر من خمسة عشر من الأعوام ! و هو الآن والي !

لذلك سأتناول هذا الموضوع و هو ذو طابع عام رغم ما به من خصوصية لشخص الأستاذ و الوزير الأسبق محمد هاشم عوض عليه من الله رحمةً واسعة ، و ليكن بموضوعية و عقلانية و بطريقة علمية ، دونما عاطفة ! و لنبدأ بالبروفسير / محمد هاشم عوض ، فقد مات فقيرا لا يملك بيتاً كما أورد الطاهر و غيره من الصحفيين.لقد سمعت بروفسير / حمحد هاشم عوض و هو يخاطب ندوةً بقاعة الشارقة وهي تبحث في الفقر و مشاكله بالسودان قبل أعوام خلت. أكد البروفسير/ محمد علي أن  حوالي 90% من سكان السودان فقراء ، بما في ذلك الوزراء ! مما يعني بأنه في عداد الفقراء. و لعل البروفسير أو غيره ذكر الحد الأدني للدخل و هو لا يتوافر لغالب الناس !و ما زال الحال كذلك ! و السؤال هو ماذا قدم بروفسير / محمد هاشم لمحاربة الفقر؟ و هو أستاذ جامعي ، له رسالة ؟ و ماذا قدم و قد كان وزيراً للحد من الفقر ؟ نعني ماذا قدم من أفكار و سياسات ؟ و ماذا نفذ منها عندما كان وزيراً ؟ 

وهنا قد يكون مناسباً التذكير بما قدمه أُستاذ جامعي آخر و في بلد مشابه للسودان و هو بروفسير / محمد يونس في بنغلادش حيث أسس بنكاً لتمويل الفقراء و تحصل في نهاية المطاف علي أرفع جائزةً في العالم – مما هو معروف في مسيرة بنك قرامين للتمويل الأصغر!! مع العلم لم تتاح لمحمد يونس فرصة كرسي الوزارة!!

سمعتُ بروفسير / محمد هاشم في حوار و قد رفض أن يقدم حلولاً أو مقترحات لمشكلة الوقود و أسعاره قبل سنوات مضت ، متعلاً بأن أفكاره و مقترحاته سيسأ إستخدامها و قد تأتي بنتائج عكسية أو شئ منهذا القبيل! و قد فهمت بأن البروفسير يريد أن يُشرف علي أفكاره بنفسه لتنفيذها لضمان نجاحها ! وق عجبتُ لذلك! كان حديثه أقرب لحديث الرجل العادي – كأي ذي صنعة أو مهنة مثل السباك جو الذي إشتهر خلال حملة أوباما الأولي !

يتكلم الناس و يدلون بالآراء و الأفكار و يقدمون المقترحات في الشأن العام ، كما أفعل الآن و لا يهتمون كثيراً بإساءة إستخدام مقترحاتهم أو أرائهم ، بل قد يفرحون إذا ما أُخذ بها ! لذلك أسأل مرةً أُخري ماذا قدم بروفسير / محمد هاشم وهو أستاذ بالجامعة و هو وزير ؟ نأمل من تلاميذه و ممن عمل معه أن يعدوا ملفاً عن إنجازاته لتكريمه و السعي لبناء منزل لأسرته أو شراء منزل جاهز- عملٌ عام يتداعي إليه الناس! 

لقد درستُ يجامعة الخرطوم و أعتزُ بها كغيري من الناس و لن يوقفني هذا من نقدها و نقد أساتذتها. في بلد فقير مثل السودان كان يُرجي منها الكثير ! و لكن إذا ما نظرنا بموضوعية إلي كسبها و إنجازات غالب الأساتذة نجدها غير كبيرة و لا تتناسب مع ما يتوفر من موارد و مزايا مثل السكن الفاخر لكبار الأساتذة و الشقق للآخرين!

كم كتاباً ألفوا؟ و كم إختراعاً أجزوا؟ و كم من الجوائز العلمية قد حصلوا؟ و أين ترتيب الجامعة بين جامعات العالم؟

أما الأبحاث و الدراسات المنشورة فهم أدري بها و كذلك طلابهم ! حدثني أحد الأطباء عن أستاذه و هو به معجبٌ ،بأن له من الأبحاث ما يزيد عن الأربعمائة بحث ( 400 ) !لقد أذهلني ذلك الأمر تماماً و لم يزد في إعجابي بالأستاذ و هو الآن وزير يثير كثيراً من الضجة ! لو سألنا هذا الأستاذ عن أحد عناوين هذه الأبحاث لا أخاله ينجح في ذكر الطلاب الذين أشرف عليهم ،دعك من موضوع البحث و نتائجه ! أين له الوقت ليشرف و ليدرس و ليباشر العيادة و ليعاود المرضي؟ لقد كان أحد كبار الأساتذة بجامعة الخرطوم أكثر أمانة و هو يطلب من النميري أن ينظر في ترقيات أساتذة كليته- لأنه لا وقت لديهم بينما الآخرين في الكليات الأُخري يجدون الوقت للكتابة و الأبحاث و قد فعل نميري ! و هنا يمكن للصحافة أن تعمل و تنظر في السير الذاتية علي الإنترنيت و في مظانها الأُخري! 

كان عدد البروفسيرات خلال دراستنا بجامعة الخرطوم جد قليل و لا نذكر منهم خلاف عبد الله الطيب ! و كان في العادة يُنادي بدكتور عبدالله الطيب .

أما بروفسير / محمد هاشم عوض وقد ترك دنيانا و ليس له منزل ! فثمة أسئلة لا بُد من الإجابة عليها ، مثل حجم الأُسرة و مصادر دخله الأُخري ؟ و مما أعرفه فقد كان البروفسير متعاوناً مع المركز القومي للبحوث و لعله كان عضواً في مجلس إدارة أحد البنوك ! هل كان يعمل متبرعاً ؟ و مجاناً؟ لذلك أعجب من بروفسير في الإقتصاد و يفشل في توفير شئ من المال لبناء منزل في أي موقع بالعاصمة ! الإدخار من أهم أُسس الإقتصاد و إليه تُعزي نهضة كثير من الأُمم مثل اليابان . نجد كثيراً من العمال وصغار الموظفين يتدبرون أمر معاشهم و يدخرون لبناء منازل تأويهم ! فكيف يفشل أُستاذ جامعي؟

ويبقي سؤال مهم ، ماذا قدم بروفسير/ محمد هاشم عوض و قد كان وزيراً للتجارة لمحاربة الفقر أو الحد منه؟ ألم يكن في وسعه أن يضع من السياسات ما يمكن كثير من الناس علي التغلب علي الفقر ومصاعب الحياة ؟ ألم يكن في ومكنته وضع سياسات للتمويل الأصغر ؟ و أُخري لتحرير التجارة و سياسات لتعزيز دور التعاون و نشر ثقافته ؟ و من عجب فقد كان التمويل العقاري موقوفاً لأزمان طويلة و كان قاصراً علي البنك العقاري و الذي توقف لأسباب إقتصادية – فشل هو و غيره في معالجتها! التضخم !!

تدعو ثقافتنا الشعبية و الدينية للإدخار " القرش الأبيض لليوم الأسود" و كذلك علم الإقتصاد الحديث! لذلك نسأل ، أين يذهب دخل بروفسير / محمد هاشم عوض؟ لماذا عجز عن الإدخار و التوفير ؟ هل كان ينفق علي آخرين؟ هل كان يؤثر الآخرين علي نفسه  و أسرته؟ لا بد من الإجابة علي هذه الأسئلة حتي ننصف الرجل!

يقال بأن رجلاً من عامة الناس ذهب للجنة الأراضي و عندما سئل عن إمتلاكه لبيت ، أجاب" في السودان  حتي أبو الدنان لديه بيت و أنا ما عندي بيت!" إستجابت اللجنة للرجل و منح أرضاً ولعله أشاد منزلاً بالجالوص الجميل .

في العمارات بالخرطوم قام أحد الخواجات ببناء منزل جالوص و هو مما يناسب أجواء البلاد ! وهذه رسالة أساتذة الجامعات و مناط بحثهم و درسهم –في إقتصاديات البناء و في التقنية المناسبة و في الجماليات و لكم في بلاد النوبة نظر و كذلك في تمبكتو الجميلة في دولة مالي ! كنا ترتجي أساتذة الجامعات قدوة و مثالاً و للأسف فقد إفتقدناهم ! كلما أذكر أحاديث المسكن و البناء يرد إلي خاطري بابكر بدري، فقد كان رأئداً و معلماً و ملهماً و عليكم بمذكراته و هو يحكي عن ضرب الطوب و إقدامه علي بناء منزله بنفسه و بماله اليسير ! 

من المعروف بأن غالب المهنيين قد تحصلوا علي أراضي و بعضهم علي بيوت جاهزة و كذلك فعلت جامعة الخرطوم ! الم يمنح بروفسير / محمدهاشم عوض قطعة أرض كغيرهىمن أساتذة الجامعة؟ و قد كان في وسعه بيعها أو بنائها ! و قد فعلتُ – حيث بعتُ قطعة الأرض التي منحتها و أشتريت بقيمتها منزل جاهز بأم بدة ! أسكنوا بما يتيسر و وفقاً للظروف المتاحة . من مقاصد سياسات الأراضي التي كان من واجب بروفسير/ محمد هاشم و غيره ممن تولوا الأمر الدعوة إليها .ببيع الأرض و رهنا أو إستثمارها و تعميرها نحارب الفقر و نوفر السكن و سبل كسب العيش .لذلك ليس الفقر مأثرةً ليتم الثناء و المدح للفقراء ، خاصة أصحاب الرسالة من الأساتذة و الوزراء- قمينٌ بهم السعي بجد لمحاربة الفقر بكل السبل المتيسرة لهم !

لعل الرجل متصوف و آثر أن يترك دنيانا هذه دون أثر أو أطلال لمنزل سيخرب حتماً. أو لعله صاحب فلسفة أقنعته بالإيثار علي نفسه . و علي كل حال علينا دراسة الأمر بموضوعية و منطق و بطريقة علمية و دعوة لطلابه و معارفه لتكريمه و لتعداد مناقبه و السعي لبناء منزل أو شراء بيت جاهز لأسرته! للفقيد الرحمة و لأهله المعذرة لتناول سيرته – فهو رجل عام و الموضوع له طابع عام و سنجد دوماً من يغادرنا دونما جدار أو بيت منيف !  

إذا فشلت الاحزاب فشلت الدولة وإذا فشلت الدولة اصبح بقائيهما لاجدوي منه

بقلم: نعماء فيصل المهدي

الاحصائية الدولية التي وضعت دولة السودان في قائمة ثالث افشل دول العالم علي الاطلاق لم تعتمد فقط علي مؤشرات فشل قيادة الدولة، بل اعتمدت علي قياس معدلات الفشل في جميع قطاعات ومؤسسات المجتمع و الدولة، و التي تشمل وليست حصرياً علي :-

• قطاع الخدمة المدنية، 
• وقطاع الاعمال التجارية الخاصة، 
• وقطاع المجتمع المدني، 
• وقطاع المشاريع الكبيرة والمشاريع الصغيرة،
• وقطاعات الدراسات الاستراتجية والتخطيط ، وقطاعات التعليم بكل مراحله، 
• وقطاعات الصحة البدنية والصحة البيئية، 
• وقطاعات الصحافة والمطبوعات،
• قطاع الخدمة العسكرية والشرطة والأمن.

احزاب دولة السودان السياسية لا تختلف كثيراً عن مؤسسات الدولة في المساهمة الفعالة في احراز معدلات الفشل التي تحرزها دولة السودان بصورة مستمرة - بل باعتبارها المسئول الاول عن حال الدولة وشئونها فهي دون شك المسئول الاول عن فشل الدولة ومؤسساتها بذلك فهي قائدة الفشل دون منازع.

صرح السيد نائب رئيس الجمهورية حسبو عبدالرحمن في لقاء متلفز له عبر قناة تلفزيون السودان تم بثه في شهر ديسمبر الماضي بان التعديل الوزاري تم لاستبدال موظفي الدولة السابقين بمجموعة تقوم بتكثيف العمل!
لكنه لم يوضح ما هو هذا العمل الذي يريد طاقم الحكم الجديد تكثيفه ؟
ما جدوى تكثيف العمل ؟
ولماذا؟ 
ما هي النتائج والفوائد المرجوة من العمل الذي سيقوم الطاقم الوزاري بتكثيفه؟ 
وكيف سيكثف العمل؟ 
ولماذا؟

كما يبدو فان ما يقصده معالي النائب الاول هو تكثيف معالم الدوران في الدائرة المفرغة الحالي -ويا حبذا لو تبعته في دورانه هذا، كاميرا تلفزيونية لتوثيق مسيرة الدوران لكي يتم بثها في نشرة الاخبار اليومية وإعادة بثها في اليوم التالي ونشرها في شريط الاخبار الهامة، مع تكثيف التصريح بالعبارات الاستهلاكية التي لا تحمل شيئاً من معانيها.

في سياقً اخر صرح احد اعوان النظام بانطلاق العمل الصيفي والذي وصفه حسب قوله بالمتميز ..قال بالحرف 
" سيكون عملاً مميزاً وناجحاً...." 

من دون ان يوضح في تصريحه هذا فيما سيكون العمل الصيفي؟ -وما جدوى انطلاقة و ما هي الفوائد المرجوة منه بالنسبة للدولة والشعب والمواطن . 

فيما تعمل الحكومة؟ و لماذا؟ 
و ما هي اهداف اعمالها هذه؟ 
و كيف ستحقق اهدافها؟ ومتي؟ 
وما هي الموارد المتطلبه لذلك؟ ولما؟ 
وما هي الفوائد المرجوة من عملها هذا علي صعيد مستوي معيشة المواطن؟ والاسرة؟ والمجتمع؟ والشعب؟ والدوله؟

ما جدوى اعمال الحكومة المميزة هذه -وحال المواطن والوطن في حالة انزلاق متزايد الي الاسوأ ، ولا دليل على وجود هذا العمل سوي وصف اعيان الدولة له بالمميز او المكثف والتصريحات واللقاءات المتلقزة التي تحوم حوله.
عمل من دون ان يحقق أثرً واضح علي وضع مستوي ومعيشة المواطن ووضع الدولة- لا جدوى منها.

وفي ذات السياق فان مبادرة من دون ان توضح الفائدة المرجوة منها او معالمها او كيف تحسن وضع المواطن والشعب والدولة -لا جدوى منها.

العمل السياسي اليوم ليس سوي حزمة وظائف- توزع علي مجموعة اشخاص من دون موجهات او اهداف او فائدة مرجوة منه او جدوى.

مجموعة اشخاص تقوم بالدوران في حلقات مفرغة- اشخاص تقوم بلقاءات من دون توصيات وان وضعت توصيات لا تنفذ وان نفذت فهي لا تحقق شيئاً لان السبب الموضوعي والمقنع الذي تعقد من أجله اللقاءات غير موجود. 
تصريحات وتدشين مبادرات لا تعني شيئاً ولا تحمل شيئاً في محتوياتها سوي تسميات رنانة لتضليل البسطاء.

زوبعة وتبذير موارد وأموال في لا شيء سوي الرياء.

الحزب الحاكم وعد بانقاذ الدولة -ولكنه اهلكها - ذلك يجعله غير صالح للغرض الذي يعمل من اجله ولذلك فهو فاشل بكل المقاييس .

احزاب المعارضة تعترض علي مواقف الحكومة ولكنها لا تعارض بتقديم برنامج معارض -اي برنامج مختلف من برنامج الحكومة العبثي الحالي- ذلك يجعلها غير صالحة للغرض الذي تعمل من اجله وبذلك فهي فاشلة بكل المقاييس. 
هناك ١٠٠ حزب سياسي سوداني لا يعمل في السياسية -وإلا فأين هي سياساته؟ بل منابر للتعليق علي التحديات التي تتفجر امام الشعب والتعقيب علي وعود بعضهم البعض.

احزاب للتعقيب والتعليق علي الاوضاع الراهنة.

الاحزاب تعتبر مؤسسات ممثلة لجماهير انتخبتها، لتمثل مطالبها او مصالحها اما في المعارضة او في الحكومة - تمثيل الجماهير يتم من خلال عملية انتخاب تختار فيها عضوية الحزب رئيسها ولكن في السودان - رئاسة الاحزاب في الغالب تأتي بالتعيين وعليه فالأغلبية لا تمثل احداً؟

ليس ذلك وحسب، بل ان المؤسسية في اغلب الاحيان تعني توزيع ادوار زخرفية لا تعني شيئاً، ولا تحمل ادني مستوي لوصف وظيفي يحدد ويفعل دورها و يحدد مسئولياتها، بل تصبح في اغلب الاحيان اداه للتسلط والسيطرة علي الحزب.
يعرض المعهد الديمقراطي الوطني للشئون الدولية المعايير الدنيا لعمل الحزب الديمقراطي - والتي تحدد المعايير التي تجعل الحزب السياسي ديمقراطياً في دولة السودان او غيرها و هي:-

1- احترام حقوق الانسان 
2-احترام مبدأ شرعية الانتخابات أساساً للحكم
3- التقييد بإجراءات العملية الانتخابية 
4- احترام الأحزاب الأخرى ومبدأ المنافسة الحرة 
5-الالتزام بنبذ العنف 
6-نشر المبادئ والسياسات المقترحة والانجازات 
7-التشجيع علي المشاركة في الحياة السياسية 
8- ممارسة الحكم بمسؤولية

تنظيم الاحزاب 
1- تحديد العلامات الدالة علي الحزب وحمايتها
2- شروط الانتساب إلي الحزب
3-العلاقات القائمة بين وحدات الحزب 
4- آليات حل النزاعات 
5- اختيار قيادة الحزب ومرشحيه 
6-التقييد بالقواعد الداخلية 
7-وضع مالية الحزب موضع مساءلة 
8-التدابير اللازمة لمعالجة مشكلة الفساد السياسي

فهل تلتزم احزاب السودان اليوم بالمعايير المذكورة أعلاه وكيف يتم ذلك ؟
الاحزاب الحالية لا تحمل شيئاً من معاني الحزبية سوي ما يورد في تسميتها - فهي عبارة عن مجموعات متنافسة علي سلطان البلاد وتقوم بذلك بالهجوم بالقول او الفعل علي بعضهم البعض او علي الحكومة.

لكي يتم اصلاح حال الدولة لا بد من اصلاح الاحزاب حتي تصبح قادرة علي حكم وإدارة شئون الدولة الحديثة علي افضل وجه وليس كما هو الحال اليوم بادعاء العمل والتعليق والتعليق الاخر عليه كما هو الحال اليوم.

وإذا فشلت الاحزاب فشلت الدولة وإذا فشلت الدولة اصبح بقائيهما لا جدوي منه.

فضيحة اليوناميد في دارفور وتوسع سياسة العقاب الجماعي

بقلم: مبارك اردول

(1)

لقد تحدثت قبل أيام السيدة عائشة البصري المتحدثة السابقة بأسم البعثة والتي قدمت إستقالتها بسبب مواقف البعثة حد قولها، تحدثت بصراحة عن ما يدور من كذب وتستر للحقائق وإخفاء للجريمة داخل البعثة المشتركة للامم المتحدة والإتحاد الأفريقي في دارفور المعروفة باليوناميد، حيث يعتبر هذا كلام صادم للغاية وخاصة للضحايا المدنيين المفروض حمايتهم من قبل البعثة، ويبرر هذا الكلام حالة العجز والشلل التام الذي تعاني منه هذه البعثة من القيام بالدور الذي يفترض أن تقوم به (حسب ما توقعه الجميع منذ تكوينها)، يأتي ذلك والعالم كله يحتفل بمرور عشرين عاماً لأحداث الإبادة الجماعية التي في رواندا عام 1994 ويرددون (Never again).

ذكرت السيدة عائشة البصري " ان المشكلة الكبري الآن تتمثل في عمليات التستر على ما يجري في دارفور من قبل الأمم المتحدة وأمينها العام وإدارة حفظ السلام وبعض وكالات الامم المتحدة العاملة في السودان ورؤساء بعثة اليوناميد منذ بدء المهة في دارفور، وأكدت في هذا الخصوص ان التسترعلى الجريمة، واشارت في ذلك الى ما اعلنه ردولف ادادا رئيس بعثة اليوناميد الاسبق من ان الحرب انتهت في دارفور، في حين ان الحرب كانت مشتعلة ولم تنقطع في الاقليم، وقالت ان خلفه ابراهيم قمباري جاء وقال نفس الكلام وزاد عليه ان الاوضاع تحسنت والدارفورين يريدون الان التنمية والاموال، وان السلام في الطريق لدارفور، مشيرة الى ان كل تلك التصريحات كانت كاذبة لا تعكس الواقع الحقيقي في الميدان بدارفور. واكدت ان المشكلة تتمثل في ان البعثة وقادتها حتى الان لا يقولون ما يرون، ولا يقولون كذلك ان من وراء معظم جرائم دارفور: الحكومة وقواتها الممثلة في الجنجويد الذين تم ادماجهم في القوات الحكومية منذ العام 2005 على اقل تقدير، وتابعت عائشة وهي تقول (البعثة عارفة وشايفة ان القوات الحكومية تقصف القري بأكملها ولاتفرق بين المدني وغير المدني، و تقصف الجميع ولاتعتذر والبعثة صامتة وخائفة من ان تطرد من قبل الحكومة المكلفة بحمايتها من دارفور )، وكشفت عائشة الى انه و في خلال العام 2012 قصفت سلاح الجو السوداني ( 106 ) مرة في دارفور ، و(85) في سنة 2013 ، وهذه الحقيقة الخطيرة كما تقول عائشة لم تظهر في تقارير بان كيمون الكاذبة ولا مرة واحدة" إنتهى كلام السيدة عائشة.

هذا التصريح كفيل بمراجعة مهام أوالبحث عن جدوى وجود هذه البعثة في دارفور وكل بعثات الأمم المتحدة في العالم، حيث ورد في هذا الكلام عبارات خطيرة مثل التستر على الجريمة، والخوف من الحكومة السودانية بطرد البعثة حيث أصبح هذا الشغل الشاغل لموظفي البعثة وهو الحفاظ على الوجود والعمل والرواتب والإمتيازات فقط مهما كلف ذلك من سقوط وأذية للضحايا، وكذلك ورد أن هنالك تضليل متعمد تقوم به البعثة للامم المتحدة من جهة ويقوم به الأمين العام لمجلس الأمن من جهة أخرى ويقوم به مجلس الأمن كذلك للعالم والإنسانية جمعا، وذلك بعدم ظهور أحداث الإنتهاكات الحقيقية في تقارير البعثة وتقارير السيد كي مون الدورية المقدمة للمجلس، لا ندري كيف سيكون تقرير الربع الأول من عام 2014 هل سوف يتحدث عن فظائع قوات (حميدتي) المسماة بقوات الدعم السريع أم لا؟؟. كذلك يظهر هذا التصريح التواطئ البائن من قبل رؤساء البعثة وخاصة من تصريحات أدادا وقمباري ويؤكد أن هنالك إرتشأ من قبل الحكومة لتبني ذلك التوجه، والأخطر من ذلك صمت الجهات التي كلفت هذه البعثة وهي الإتحاد الأفريقي ومجلس الأمن وفقدانها لأبسط معايير المراجعة والتقييم الذي يفترض أن يكون معمولاً وبشكل دوري في هذه المؤسسة لمعالجة التحديات وتقوية الفرص، وبذلك تصبح التحدث عن القيم الإنسانية وحقوق الإنسان وحماية المدنيين مجرد قضايا تحركها دوافع ومصالح ذاتية ليس نابعة من قيم إنسانية نبيلة.

أضف الي كلام عائشة إن البعثة الأن تحمل المعارضة المسلحة في دارفور نتيجة هذه الإنتهاكات وتدعوها لتنضم الي وثيقة سلام ميتة قبل ميلادها لا تحقق أي سلام لتحفظه البعثة.

هذا الكلام يجب أن لا يمر سدى ويجب على كل الناشطين تصعيد حملة قوية تجعل الجهات المعنية تقوم بجهود حثيثة لتقوية وإعادة النظر في تفويض البعثة وتمكينها من أداة واجبها من حماية وتأمين المدنيين في دارفور، لا سيما وأن هنالك قصور حقيقي يواجه البعثة في التفويض والمعدات اللوجستية وكذلك الكادر، فهنالك بعثات قامة بدور جبار من قبل في العالم يجب أن يستفاد من تجاربها.

(2)

لقد تحدث وزير دفاع الانقاذ اليوم في حديث نقله تلفزيون الشروق محتفلاً ب إنتصارات (إنتهكات) قوات الجنجويد على المعارضة المسلحة (حد قولهم) في شمال منطقة الفاشر بدارفور قائلا (الصيف الحاسم مستمر ، الصيف الحاسم مستمر حتى نكنس (نزيل) أي متمرد، ولكن بعد دا كلوا (بعد هذا كله) نقول البجي داير(من يريد) السلام وبجينا مسالم نحن معه، والطريق مفتوح للبجبي داير (للذي يريد) أمان أهله)، من هذا التصريح الذي ذكره وزير الدفاع نستنتج منه كلام خطير للغاية وهو أن قوات حميدتي هذه ليست مكلفة بمحاربة قوات الجبهة الثورية فقط وإنما حتى بمحاربة عشائر وقبائل قوات الجبهة الثورية في سياسة عقاب جماعي علنية وواضحة (Collective) (Punishment) حيث قال بعضمة لسانه (أمان أهله)، أي بمعني من لم يأتي إليهم مسالماً لن يسلم هو ولا عشيرته وقبيلته من بأس قوات جنجويد حميدتي وسوف يحسمونهم في هذا الصيف الحاسم.

لاشك أن جميع الشعوب تعتبر إنتهاج سياسة العقاب الجماعي هو من الجرائم الأخلاقية البشعة التي تُعرّض مرتكبها للمحاكمة الجنائية كمجرم حرب وفقاً لإتفاقية جنيف، وتعتبر ظاهرة العقوبات الجماعية إبان الحروب والنزاعات حالة مرضية أقرب ما تكون إلى «الشذوذ» والانفلات من كل قيد، والخروج على مختلف الشرائع والقيم والأخلاقية والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان في الحياة الكريمة فسياسة العقاب الجماعي تعتبر جريمة حرب في حد ذاتها، حيث تقوم جهة بمعاقبة مجموعة معينة بسبب خلافاتها مع أفراد ينتمون لهذه المجموعة وفي الغالب تكون ليس للمجموعة يد في تصرفات الأفراد او الجماعات المنتمية إليها.

لذلك ليس من المستغرب أن تجد قوات حميدتي كل الدعم والسند والقوة للقيام بهذه الأفعال لأنها تجد السند والمؤازرة من أعلى شخصيات في الدولة تؤمن لها الغطأ للقيام بهذه الجرائم البشعة والإنتهاكات التي رصدت ولم ترصد من قبل العالم، إبتداءاً من جبال النوبة وشمال كردفان وقرى وحلال دارفور المختلفة، حيث دحرت هذه القوات في جبال النوبة عندما واجهت وقات حقيقية للجبهة الثورية، وطردت من شمال كردفان بسبب الحرج الذي يسببه هذه القوات للحكومة في مدينة الأبيض القريبة من الأضواء، فوجدت هذه القوات يدها في دارفور (الضيعة الطرفية) تعيث فيها فساداً تقتل وتقتصب وتنهب وتحرق ومع ذلك تكرم ويحتفل بها كل يوم وفي كل مدينة،،،، يا للعجب.

* مبارك اردول الناطق الرسمي لوفد الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال المفاوض

وديعة سريعة والا نموت

بقلم: بابكر فيصل بابكر

أشرتُ في مقالاتٍ عديدة سابقة إلى أنَّ إصرار المسؤولين الحكوميين على إعطاء معلومات غير صحيحة فيما يلي الأوضاع الإقتصاديَّة بالبلاد لن يؤدي إلا لتوسيع فجوة إنعدام الثقة القائمة أصلاً بين المواطنين والحكومة.

وقد أوردتُ في هذا الإطار الكثير من التصريحات المُضللة للمسؤولين في وزارة المالية وبنك السودان حول الآثار المتوقعة للأزمة المالية العالمية التي وقعت في عام 2008 على الإقتصاد السوداني، وكذلك أثر خروج بترول الجنوب، ومؤخراً التأثير السلبي لمقاطعة بعض البنوك السعودية للبنوك السودانيَّة.

وكانت فلسفة وزير المالية السابق على محمود في عدم كشف حقائق الوضع الإقتصادي للرأي العام هى أنه : ( ليس لدينا خيار آخر غير ما قلناهُ للناس فكان واجبنا أن نبث الطمأنينة في نفوس الشعب السوداني وليس تخويفهم )، وذلك بحسب رأيه لأنه : ( في عالم السياسة ليس كل ما يُعرف يُقال، مثلاً إذا كان الوضع المالي في المالية والبنك المركزي خطر لا يمكن أن نخرج إلى الجمهور لإعطائهم تفاصيل التفاصيل ).

وقد قلتُ حينها أنَّ وزير المالية لا يُدرك خطورة هذه المبررات لأنها تعني أنَّ الحكومة تخفي الحقائق عن الشعب، وهو أمرٌ يؤدي في الغالب للإطاحة بحكومات بأكملها في البلاد التي تحكم بالنظم الديموقراطيَّة لأنه ببساطة شديدة يُضلل الشعب بإخفاء حقائق يمكن أن تؤدي لإنهيار الإقتصاد. وأوضحتُ أنَّ وزير المالية يخلط بين ممارسة السياسة في إطارها العام ، وبين مسئولية رجال الدولة في الحكم والذين يتوجب عليهم مصارحة الشعب بالحقيقة المجرَّدة حول أوضاع الإقتصاد.

ما يزال المسؤلون في الوزارات و القطاع الإقتصادي يواصلون نهج "طمأنة" الناس الذي لا يستند للحقائق الإقتصادية على الأرض، فهاهو وزير المالية بدرالدين محمود يقول في ورقة حول تقييم البرنامج الثلاثي للاستقرار الاقتصادي إنَّ البرنامج ( حقق نتائج ايجابية واضحة للبلاد خلال العامين الماضيين)، وأضاف أنهُ ساهم في ( إستقرار سعر الصرف ومعدل التضخم).

تضمَّن البرنامج الإقتصادي الإسعافي الثُلاثي (2012 -2014) الذي أعلنته الحكومة تطبيق سياسات نقدية ومالية تهدف لاستعادة الاستقرار الاقتصادي باحتواء معدلات التضخم وتحقيق استقرار سعر الصرف والاستقرار الاقتصادي الذي يشكل الركيزة الأساسية لإحداث التنمية، فما الذي حققتهُ تلك السياسات ؟

هدفت السياسة المالية للبرنامج الثلاثي لخفض صرف العملات الأجنبيَّة من خلال "إحلال واردات" أربع سلع رئيسية هى دقيق القمح، والسكر، والدواء، وزيوت الطعام، و"زيادة صادرات" أربع سلع اخرى هى الصمغ العربي والقطن والماشية والذهب.

ولكن لم يتحقق من ذلك شىء حيث أن فاتورة إستيراد القمح ما تزال في حدود ال 900 مليون دولار، والسكر 500 مليون دولار، والزيوت 150 مليون دولار، بينما تفوق فاتورة إستيراد الدواء ال 400 مليون دولار.

أمّا بخصوص زيادة الصادرات في سلع الصمغ الغربي والقطن والماشية والذهب فيكفي أن نعلم أنَّ جميع صادرات القطاع الزراعي في العام الماضي لم تتجاوز ال 470 مليون دولار ( أقل من فاتورة واردات السكر لوحده) بينما كانت صادرات المواشي في حدود ال400 مليون دولار.

قد فشلت إستراتيجية النهضة الزراعيَّة التي سعت الحكومة من خلالها لزيادة صادرات الزراعة أو تحقيق الإكتفاء الذاتي من الحبوب، حيث عانت الزراعة من شح التمويل، وشكا وزير الزراعة في مطلع هذا العام من أنَّ إجمالي الأموال التي وفرتها البنوك للتمويل الزراعي لم تتعد 2.5 مليار جنيه، وهو ما يمثل 2% فقط من إجمالي الأموال التي قدمتها البنوك لتمويل الانشطة الإقتصادية المختلفة.

السياسة النقدية لم تستطع كذلك خلق الاستقرار المنشود في سعر صرف الجنيه مقابل الدولار حيث بلغ سعر الأخير 8.6 جنيهات في السوق الموازي هذا الأسبوع ( كان سعره في نفس السوق عند بداية البرنامج الثلاثي 4 جنيهات )، بينما إرتفع معدل التضخم بين عامي 2011 و2013 من 19% إلى 37% في نهاية العام 2013 وهو الأمر الذي يعني أنَّ القيمة الشرائية للعملة انهارت بنسبة 100%.

فأين هى إذاً نجاحات البرنامج الثلاثي التي يتحدث عنها وزير المالية ؟

إنَّ الفشل الذي أصاب البرنامج الثلاثي جاء نتيجة لتبني البرنامج للعديد من الإفتراضات الخاطئة و على رأسها الرهان على قدرة الحكومة على جذب الاستثمارات الخارجية في الوقت الذي ظلت فيه البلاد تعيش في حالة حصار وعزلة إقتصادية منذ أكثر من 15 عاماً. ليس هذا فحسب بل أنَّ من المعلوم بالضرورة أنَّ الإستثمارات لا تتدفق على بلدٍ يُعاني من عدم الإستقرار و الحروب الداخلية وهى قضايا سياسية في المقام الأول.

لم تتوقف تصريحات المسؤلين الحكوميين عند هذا الحد بل إمتدَّت مؤخراً لتوحي بأنَّ مشكلة الموارد المالية وتحريك القطاعات الإنتاجية ستحلُّ بمُجرَّد إستلام الوديعة القطرية البالغة مليار دولار، حيث هلل هؤلاء المسؤولون لتلك الوديعة وكأنها الحل السحري الذي هبط من السماء لإنقاذ الإقتصاد السوداني واعادة استقرار سعر الصرف في السوق الموازي، فأين هى الحقيقة في هذا الموضوع ؟

لقد سبق أن قدمت حكومة دولة قطر في عام 2012 ( عام الأساس للبرنامج الإقتصادي ) مبلغ ملياري دولار وديعةً لبنك السودان المركزي، فهل نجحت تلك الوديعة في إستعادة استقرار صرف الجنيه مقابل الدولار ؟ بالطبع لم تنجح لأنَّ الإقتصاد السوداني يعاني من مشاكل هيكلية لا يُمكن حلها بمثل هذه المبالغ، والدليل على ذلك أنَّ قيمة الدولار عادت للإرتفاع بعد فترة إستقرار وجيزة حتى تخطت حاجز ال 8 جنيهات هذا العام.

إنَّ المفارقة الكبيرة في هذا الأمر تتبدى بجلاء عندما نستحضر كلمات البيان الأول للإنقاذ الذي تلاهُ حينها العميد عمر حسن البشير مُعدداً الأسباب التي دعتهم للتحرُّك وإستلام السلطة، حيث قال :
( إنَّ الوضع الاقتصادى تدهور بصورة مُزرية وفشلت كل السياسات الرعناء فى إيقاف هذا التدهور ناهيك عن تحقيق أى قدر من التنمية فازدا دت حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم إما لانعدامها أو لإرتفاع أسعارها مما جعل كثيراً من أبناء الوطن يعيشون على حافة المجاعة وقد أدي هذا التدهور الاقتصادى الى خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطل الانتاج وبعد أن كنا نطمح أن تكون بلادنا سلة غذاء العالم أصبحنا أمة متسولة تستجدى غذاءها وضرورياتها من خارج الحدود ).

ليس هذا فحسب بل يمضي البيان الأول للإنقاذ في شرح الأوضاع السياسية والإجتماعية حينها ويقول : 
( وانشغل المسؤولين بجمع المال الحرام حتى عم الفساد كل مرافق الدولة وكل هذا مع إستشراء الفساد والتهريب والسوق الأسود مما جعل الطبقات الإجتماعية من الطفيليين تزداد ثراءً يوماً بعد يوم بسبب فساد المسؤولين وتهاونهم فى ضبط الحياة والنظام ).

وها هى "سلة غذاء العالم" بعد مرور خمس وعشرون سنة على بيان الإنقاذ الأول ما تزال تستورد غذائها من الخارج ( فاتورة إستيراد المواد الغذائية تفوق ال 2 مليار دولار) ، و قد تحطم فيها الإنتاج، و إزدادت حدة الفقر (إحصاءات الحكومة تقول أنَّ 46% من السكان يعيشون تحت خط الفقر) وإتسعت الفجوة بين الطبقات الإجتماعية، وتكاثرت الفئات الطفيلية الفاسدة بصورة غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث.

إنَّ أكثر ما يبعث الأسى في النفس هو أنّ الحكومة التي رفعت شعار "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" قبل ربع قرن من الزمان باتت تفرح و تحتفي بالقروض والودائع الإستثمارية وكأنها إنجازات إقتصادية، مع أنَّ هذه الأثقال لن تؤدي إلا للمزيد من التراكم في الديون الخارجية ( تبلغ حالياً 43 مليار دولار مع خدمة ديون مليار دولار تسدَّد سنوياً )، وهو ما يعني تحميل الإقتصاد و الأجيال القادمة مزيداً من الأعباء والمشاكل.

قلت في مقالة سابقة أنَّ أكبر أزمتين تواجهان الاقتصاد السوداني حالياً تتمثلان في أزمة الموارد المالية التي نتجت عن خروج موارد البترول من الاقتصاد بعد انفصال الجنوب، وأزمة تراجع نمو القطاعات الإنتاجية ( الزراعة والصناعة).

وأشرت إلى أنهُ إذا لم ينكسر طوق العزلة والحصار عن الاقتصاد السوداني وهو شأنٌ مرتبط بالسياسة أكثر من ارتباطه بالاقتصاد، ولم يتحقق نجاح كبير في تطوير هذه القطاعات الإنتاجيَّة وهو أمرٌ غير وارد في المدى القصير بسبب مشاكل هيكلية مرتبطة بتلك القطاعات إضافة لتعقيدات كثيرة مُتعلقة ببيئة الاستثمار، فإنَّ مشكلة الموارد المالية ستظل قائمة.

وبالتالي فإنَّ الوديعة القطرية لن يكون لها مساهمة حقيقية في تحقيق الإستقرار المنشود في سعر صرف الجنيه أو حل الأزمة الإقتصادية لأنَّ الأخيرة كما أكدنا مراراً محكومة في المقام الأول بعوامل سياسية وليست إقتصادية.

وبما أنَّ الحكومة شرعت في إيجاد حلول للأزمة السياسية عبر حوار وطني وأصدرت قرارات لتمهيد الأجواء لإجراء ذلك الحوار متمثلة في إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإتاحة الحريات السياسية والصحفية فإنَّ ذلك سيشكل المدخل الصحيح لحل مشكلة السودان الإقتصادية ولكن تبقى حقيقة واحدة مهمة وهى أن "تتطابق أقوال الحكومة مع أفعالها" لأنَّ سجلها التاريخي في هذا الخصوص لا يُبشر بنجاح مبادرة الحوار.

قبل الإقلاع للخرطوم .. رسالة للمكتب الصحفى للرئيس سلفاكير
أجوك عوض الله جابو YouTube

بحسب الأخبار فأن رئيس الجمهورية سيتوجه غدا الى الخرطوم لإستكمال المباحثات مع نظيره السودانى بشأن المواضيع المشتركة بين البلدين وقبل أن تقلع طائرة الرئيس قصدنا إسداء النصح للمكتب الصحفى الخاص بالرئيس سلفاكير ميارديت وقديما قيل لكل جواد كبوت غير ان الامر ذاد عن حده.

معلوم فى كل بلاد الدنيا ان وظيفة المكتب الصحفى للرئيس فيما يخص التواصل مع الصحافة تتمثل فى ترتيب لقاءاته الصحفية  وفقا لبرنامجه.

ولا يجرى الرئيس مقابلات صحفية مع اىَ صحيفة لمجرد أنها أبدت رغبة فى حوار الرئيس فتنظيم و تنسيق حورات الرئيس بحاجة الى مستشار صحفى يقظ  يعرف مهامه جيدا  يتحرى الدقة  من حيث تاريخ الصحيفة ،إنتمائها و مرجعيتها والسياسات الخاصة بالصحيفة المعنية و عراقتها فلا ترقى كل صحيفة لمستوى محاورة الرئيس ومن ثم الوقوف على الغرض الذى سيجرى من حوله الحوار ونوع و طبيعة الاسئلة.

لان رئيس الجمهورية فى الأساس لا يمثل نفسه بل يمثل شعب، سيادة وهيبة الدولة وكل كلمة يلفظها فى مقام الفحص والتمحيص لدى المتلقى لاسيما و ظروف البلد(ما ناقصه اصلا) ويؤخذ به إعتمادا لانه أعلى سلطة فى البلد ومن شأن تصريحاته توصيل رسالة إيجابية أو نشر رسالة قد تزيد من تأزم المواقف الداخلية كثيرا لاسيما وأن الغاية الاولى للصحفى من إجراء الحوار على المستوى الشخصى إظهار براعته فى إستنطاق المحاور بالحصول على سبق صحفى من طيات الإجابات.

غير أن الحال يبدو مختلفا تماما داخل مكتب السيد الرئيس  ميارديت مما يعكس قصورا كبيرا فى هذا الجانب لدرجة أن رئيس جمهورية جنوب السودان حتى هذه اللحظة يكاد يعروف باجراء الحوارات الصحفية اليوم ومن ثم الإسراع  بنفى الحوار جملة و تفصيلا عند ضحى الغد فور نشر الحوار وأيَما الله تلك منقصه لجهه ان تلك الحورات لا تجرى بإرغام أو إكراه.

ولكن نحسب أن نشوة وحماسة الإجابة تحمل بعيدا ولعل فى ذلك خطورة كبيرة لان تكرار مثل كذا مواقف مع صحف عديدة يفتح الباب على مسراعية واسعا للكثير من الثغرات فيما يخص نسب الاقوال وفقدان المصداقية الإعلامية بالوقوف على الشواهد والمواقف المتكررة.

والتجربة التى لا تورث (عبرا) لا تفتأ تكرر نفسها و لا تزال الزاكرة حبلى بتفاصيل قصة الحوار الذى أجرته الزميلة الصحفية رفيدة يس بصحيفة السودانى (السودانية) مع الرئيس سلفاكير ميارديت قبل ثلاثة اعوام تقريبا وما أعقبه من تراجيدية كانت غاية فى السخف و المنقصه فما أن نشرت جريدة السودانى الحوار ولان اجاباته كان بمثابة صب مزيدا من الزيت على النار بين الرئيس سلفا ونائبه السابق والمتمرد الان رياك مشار بجانب فتحها النار على الاحزاب السودانية إرتبكت جوبا يومها  وطفقت تبحث  شمالا و يمينا عما توارى به السوءات التى كشفها الرئيس لاسيما وأن الحريق كان منتشرا أنذاك كما الان بين جنبات البلاد ولان المكتب الصحفى الخاص بالرئيس متخصص أيضا فى منح النجومية لمن أراد من الصحفيين والصحف؛بل وزيادة فى ذلك منح الاوسمة والنياسين كتب رئيس تحرير صحيفة السودانى ضياء الدين بلال يومها ملحمة ثورية وتمجيدية عن الحوار والصحيفة التى أجرته معنونا بـ(ضجة حوار سلفاكير و شقاوة البت رفيدة) جاء اعلاه الاتى:( هذه الصحفية لا ينفع معها الترهيب والترغيب والتكذيب يا هؤلاء!

الصحفيون يحمون مصداقيتهم عبر سلاح الكاسيت!

إلى لصوص الأخبار وملوك الفبركات.. بيننا وبينكم يومٌ ما)!!.

وبالرغم من ان الزميل الاستاذ ضياء الدين بلال يومها رأى فى تراجيدية الحوار المشار اليه سببا و زريعة لاذابة كل الإعتبارات (الجواب باين من عنوانو) الا أن خطأ المكتب الصحفى الخاص بالرئيس أولا من حيث الموافقه على إجراء الحوار دون ايَة ضوابط أو محاذير أو حتى متابعة بالإضافة الى الموقف الصبيانى الذى بدر من وزراة الاعلام بجنوب السودان من حيث نفى الحوار جملة وتفصيلا قبل أن تصفع بمفاجأة الاحتفاظ بالكايست الخاص بالحوار .

كل ذلك لم يترك للمرافعة أو حتى التجميل سبيلا فاكتفت الأقلام الواعية يومها بالصمت النبيل وكثيرا من الخجل فقد كانت المهزله مكتملة الأركان والجوانب.

كل ما سبق فى كفه وما حدث لاحقا وحديثا فى كفه أخرى وبطلها هذه المرة المستشار الصحفى للرئيس أتيج وويك؛ ففى زيارته الرسمية للخرطوم منتصف مارس المنصرم وبعد المؤتمر الصحفى الذى عقدته سفارة جنوب السودان بالخرطوم نحسب أن السكرتير الصحفى  تحدث وتعرف الى عدد من الصحفيين السودانيين و ربما أقام الرجل صداقات شخصية مع بعضهم ونقول ذلك إستنتاجا من موقفه اللاحق.

المهم تم نشر حوار على صفحات جريدة الصيحة وهى – صحيفة سودانية وليدة -  لمالكها الباشمهندس الطيب مصطفى المعروف بمواقفه من جنوب السودان والحوار أجراه الزميل الصحفى خالد فرح مع رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت كما حملت الصحيفة يومها.

وما أن تم نشر الحوار حتى أسرع المكتب الصحفى للرئيس بنفى الحوار . وفى أتصال هاتفى لكاتبة المقال مع الزميل خالد فرح الذى أجرى الحوار ليلة الاربعاء 2 ابريل بصدد ملابسات الحوار نفسه روى لنا الأتى على لسانه:( اتصلت بالاستاذ أتينج ويك المستشار الصحفى للرئيس بصدد إجراء حوار مع السيد الرئيس سلفاكير ميارديت فطلب منى إرسال الأسئلة الخاصه بالحوار ففعلت وأجاب على الأسئلة على عجل برر عدم السماح فى الاسترسال بأن الرئيس مشغول بالتحضير لقمة الايقاد و عندما أخبرته بأننى أريد أجابات الرئيس سلفا على اسئلة الحوار أجابنى أتينج ويك بقوله”انا ياهو ذاتو سلفا”). وبعد ما نشر الحوار إتصل  اتينج وويك معاتبا وموضحا بأن الحوار سبب له الكثير من المشاكل مع الصحفيين فى جنوب السودان إستنكارا لاجراء حوار مع صحيفة يملكها لطيب مصطفى المعروف.وذكر بأنه لم يكن يدرى بأن الصحيفة ملكا لطيب مصطفى وأنه كان يحسب أن الحوار لصحيفة الشاهد و لو علم بالحقيقة لما أجرى الحوار). انتهي كلامه.

إذن..أتينج ويك أتى عدة محاذير وهو يتعدى صلاحياته جهلا كان أم علما ومنح لنفسه صلاحيات أكبر حينما فوض نفسه لإجابة أسئلة الحوار نيابة عن الرئيس والأكبر من ذلك نسب الحوار للرئيس شخصيا مع سبق الإصرار والقصد إخلالا لمعنى المصداقية ونظن أن بريق التفويض غفل ويك عن أهم سؤال وأبسطه بل أنه سؤال بديهى ويعد من الضرورة اذ لا يستقيم عقلا أن يستعيض المكتب الصحفى للرئيس بالظن والإعتقاد عن السؤال عن الجهة التى تريد محاورة الرئيس والا فعلى اى أساس اذن وافق على إجراء الحوار؟!.

والواضح من كلام السيد أتينج انه لم يحس بفداحة الخطأ الذى إرتكبه فلو لم تكن الجريدة ذات صلة بالطيب مصطفى لم تكن هناك مشكلة وعادى”سكرتير صحفى بدرجة رئيس”. لكن الرياح أتت بما لم تشتهى السفن حينما كشفت المستور وخطورة مثل هذا السلوك يكمن فى انه يقلل من هيبة السيادة لانه يترجم عشوائية وتخبط مريع داخل المكتب الصحفى الخاص بالرئيس وما حدث لا يحدث فى مكتب وزير ولائى نهايك عن رئيس دولة تنشر حوراته معلوله لدرجة الايحاء بأن الفكرة لا تأتى الا بعد وقوع الفأس فى الرأس.

وسفارة جنوب السودان بالخرطوم تصدر تعميما صحفيا  تأكيدا لنفى الحوار جاء فيه الاتى:(نشرت الصحف والمواقع الالكترونية المحلية السودانية اليوم الاثنين الموافق: 10/03/2014م حوارا صحفيا مع السيد الرئيس/سلفاكير ميارديت رئيس جمهورية جنوب السودان حوي الكثير من المعلومات (غير المؤكدة وصحيحة حول الراهن السياسي والصراع مع المتمردين) في جنوب السودان السفارة هنا تود سفارة جمهورية جنوب السودان بالخرطوم أن توضح الاتي:

1. لم يجري السيد الرئيس/سالفاكير ميارديت أي حوارا أو لقاءا صحفيا مع أي صحيفة سودانية ورقية او الألكترونية في الفترة الماضية.

2. السكرتير الصحفي للسيد الرئيس هو من (يقوم بتنظيم اللقاءات والحوارات الصحفية) والاعلامية لفخامة الرئيس وهو (غير موجود في جوبا) حيث يطوف الان علي دول الجوار الجنوب سوداني لشرح والتنوير بتطوارات الاوضاع السياسية الراهنة بجمهورية جنوب السودان.

3. بالحوار محاولة قبلنة الصراع بين الحكومة والمتمردين وتصويره بمظهر قبلي بين النوير والدينكا وهو الامر غير صحيح.

4. نؤكد مرة اخري بأن اللقاءات الصحفية والحوارات الاعلامية الصحف السودانية يتم التحضير له من مكتب الاعلام بالسفارة وبالتنسيق مع مكتب الاعلام بمكتب السيد الرئيس بجوبا. الخرطوم:11/مارس/2014م أعلام السفارة).

حاولت السفارة فى تعميمها دعم نفى إجراء الحوار جملة وعضضت ذلك بحجة أن المستشار الصحفى غير موجود بجوبا لانه فى مهمه للشرح والتنوير بما يحدث فى الدولة و لكن التبرير جاف الدقة قياسا للوقت الذى إجرى فيه الحوار ونشر فقد أوضح الزميل خالد فرح بأن طرح موضوع الحوار على السكرتير الصحفى للرئيس عند زيارة الاخيرة للسودان ضمن جولاته الماكوكية المُعبَر عنها  بالتنوير وشرح تطور الاوضاع الراهنة فى جنوب السودان – يوم أن إحتاج الشمس الى دليل- وفور عودته الى جوبا إستلف أتينج ويك قبعة الرئيس وتطوع بالاجابة على اسئلة الحوار قيد الطرق دون أن يتَبع الخطوات المفروضة بالرجوع والتنسيق مع مكتب الاعلام بالسفارة فى السودان.. ألم يقل الرجل بأنه (ياهو ذاتو سلفا).اذن انتهى الكلام.

ونكتب ذلك والرئيس متجها الى الخرطوم غدا ومعه بالطبع مكتبه الصحفى وحتى لا تتكرر الأخطاء وحتى لا تتصل القيادات البارزة للشفاعة والرجاءات كما اورد الزميل ضياء الدين بلال فى مقاله المشار اليه :(  قبل ذلك بيوم جرت مكالمة بيني وأحد القيادات البارزة بالحركة الشعبية كان إعتراض القيادي أن الوقت غير مناسب لمثل هذه الحوارات، وكان علينا في الصحيفة ألا ننشر ما يؤدي للشقاق والصراع).

وحتى نتجنب التكرار على المكتب الصحفى الرئاسى أن يعلم بأن العلاقات الشخصية فى عرف الصحافة فى كفه والمهنية فى كفه أخرى والأمر أكبر من فهم معاملات الاسواق فى شراء ورد البضائع فالكلمة اذا خرجت لن تعود وحينما يتعلق الامر بالمهنية وسمعه الصحفى فى سوق الصحافة فأنه يلقى كل ما عدا ذلك وراءه غير آسف لان هناك أشياء لا تقًيم إلا بقيمتها الحقيقة .

وما من مأخذ على الزميل خالد فرح لأنه لم يجودَ بنفى الحوار كما تكرم وويك بالاجابة لأنه بكل بساطة يدرى صميم ما يقوم به من العمل ولا يمكن ان يضع سمعته الصحيفة ومصداقيته وتأريخه الصحفى على المحك مهما كانت الإعتبارات.

وعلى المكتب الصحفى الرئاسى أن يعى بأن حوارات الرئيس ليست كمثل الحوارات الصحفية العادية ولا نقلل من شأن الزملاء او مكانتهم بالتأكيد ولكن لحوار الرئيس فى كل العالم أعراف يجب إتباعها والتشديد عليها من قبل مكتبه.لكونه رمزا لسيادة البلد ولا يمكن لسيادة البلد ان ينحدر لمستوى العامة للمحاججه مع الصحف .

حوار المؤتمر الوطني ... حوار المكياج

بقلم: مبارك أردول

قصة دعوة الحوار التي أطلقها المؤتمر الوطني وتبعه بعض الأحزاب التقليدية أشبه بقصة الكواكب والتوابع في علم الفيزياء وخاصة علم الكون (Cosmology)، ففي الكوزمولوجي نجد المجموعة الشمسية وهي عبارة عن مجموعة من الكواكب تدور حول الشمس بشكل منتظم وثابت، تبداء بكوكب عطارد والزهرة وتمر بالأرض والمريخ وزحل الي كوكبي أورانوس وبلوتوث، هذه الكواكب لها مدارات ثابتة تدور فيها، فعندما تدور حول نفسها يتغير الليل والنهار وعندما تدور حول الشمس يتغير الفصول في العام، ولكن المهم وموضوع حديثنا هو موضوع التوابع فنجد أن بعض الكواكب عندها توابع لا تفارقها أبداً في كل مراحل دورانها، فمثلا كوكب الأرض له تابع واحد وهو القمر وهنالك كواكب مثل المريخ لها أكثر من ثلاثة توابع يدورون حولها بانتظام، تابع كوكب الأرض يظهر بمراحل ويختفي بمراحل أيضا ولكن لا يعني أنه غير موجود في مداره حول الأرض ويؤدي دوره كتابع، هذه التوابع تدور وتدور طالما كان الكوكب موجود أصلاً، الا إذا حدث ارتطام كوني (لا قدر الله) بنجمة أو مجرة دمرت الكوكب الأساسي فحينها لا تجد التوابع كوكباً لتتبعه وتدور حوله وربما تدمر هذه التوابع أيضا من جراء تطاير شظايا الكوكب المدمر.

قصة المجموعة الشمسية هذه أقرب الي قصة دعوة الحوار الذي أطلقها ويريدها المؤتمر الوطني الآن فظهر له بعض التوابع من أحزاب وكيانات مختلفة، منها ما هو بدراً كاملاً ومنها ما هو نصف بدر ومنها مازال في طور الهلال، ولكنهم جميعا يدورون حول المؤتمر الوطني مهما اختلفت مدارات بعدهم وقربهم من الكوكب الأساسي (المؤتمر الوطني) فالدوران حوله موجود لن ينتهي ولن يسفر عن أي نتيجة متوقعة، فالمؤتمر الوطني يمر بفصل وموسم شديد الصعوبة عليه (ربما ربيع) لذلك يريد مجهوداً من بعض التوابع لتعمل له المكياج وتغطي له نواقصه دون أن يتلمسوا جوهر القضايا الأساسية، ومن المؤكد إنه لم ولن يتخلى عن مداره الأساسي (بأخوي وأخوك) وهي رؤيته عن كيفية إدارة الدولة والحكم وقضايا الحريات وغيرها طالما ظل يتعامل مع المعارضة المسلحة والسلمية بمجرد أنها توابع تدور حوله وقبل بعضهم بذلك.

وحتى لا ندور في مداره ونصبح تبع مع الأخرين وننشغل بقضايا غير أساسية وهي لقاء فلان مع فلان وسفر علان وعزومة فرتكان وهذا ما يريده النظام، علينا طرح هذه الأسئلة، كيف ومتى وأين سيقام هذا الحوار؟ وبأي طريقة وما هي الألية؟ من سيقوم بهذا الحوار أقصد المنفذون؟ هل سيكون مؤتمراً دستورياً يشارك فيه الكل وبصوت واحد دون إقصاء لأحد؟ أم سيجتمع المؤتمر الوطني مع أي حزب (هو راضي عنه) على حدة ليأخذ أفكاره ويبلورها حسب رؤيته وعبر لجانه المكونة؟ إذا أتفق الجميع على آلية الحوار فما هي قضايا وأجندة الحوار؟ وما هي درجة إلزامية مقرراته ومخرجاته؟ وكيف سيعمل بها أي تطبيقها على أرض الواقع؟ ومتي سيعمل بها؟ وأكبر سؤال ما هي الضمانات تنفيذ مخرجاته؟

أجزم صادقاً إنه لن يستقيم أي حوار ويأتي بنتائج حقيقية يعيشها المواطن السوداني وتنعكس في حياته اليومية مهما تعددت الأماكن من أم جرس غرباً الي كنانة وسطاً ونيروبي (المختلف حوله) جنوباً الي قاعة الصداقة شمالاً وحتى الدوحة شرقاً إلّا إذا تمت الإجابة على الأسئلة أعلاه وتمت فيها مخاطبة أمهات القضايا وتم الترتيب والإعداد بشكل يحقق غرضه، وتعامل المؤتمر الوطني تعامل الندية ورفض الأخرين دور التبعية، لأن المؤتمر الوطني سيكون مجرد حزب مشارك مثله كباقي الأحزاب الأخرى وليس حكومة وحزب ودولة إذا كان هنالك حوار حقيقي.

الكاتب هو الناطق الرسمي لوفد الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال المفاوض

منتهى السعادة : الأهل فى دار فور على قيد الحياة !!

بقلم: محمد بشير ابونمو

ربما يستغرب البعض من هذا العنوان وقد يضعه الاخرون فى "خانة " المبالغة ، ولكن خذوا هذه القصة الحقيقية والتى امثل شخصيا طرفا فيها حتى تحكموا على ما اقول .

قضيت معظم ايام الاسبوع الماضى فى اتصالات هاتفية صباحية ومسائية مع قريب لى يسكن العاصمة المثلثة ، الا ان اسرته المباشرة والممتدة تعيش فى احدى القرى النائية بشمال دار فور ، وسبب الاتصال المتكرر هو انى علمت ان الجنجويد بدءوا فى اكتساح المنطقة الممتدة من مليط الى المنطقة الشمالية من دار زغاوة واستهداف كل القرى ومصادر المياه بهذه المنطقة ، وان قراهم تقع فى هذه المناطق .

مصدر قلقنا المشترك هو انه لا توجد وسائل الاتصال الحديثة فى تلك المناطق حتى يعرف الشخص عن مصير اهله فى ظل حكومة تستخدم المرتزقة والمليشيات القبلية لممارسة القتل والاغتصاب والنهب على المواطنين العزل وتجريدهم من كل وسائل الحياة كأبلغ تعبير لجريمة التطهير العرقى ، ومن ثم الالتفات الى المتمردين والذين فى العادة لا يتواجدون فى القرى والفرقان ، فهم لهم معسكراتهم وثكناتهم فى مواقع بعيدة عن القرى يعرفها هؤلاء الاوباش ولكن توجيهات قادتهم المباشرين وأسياد قادتهم فى الخرطوم تقضى بمسح القرى اولا وقتل وتهجير السكان من قراهم قبل البحث عن المتمردين الذين يقاتلون الحكومة .

فى اتصالى بالأمس ، وعلى غير العادة وجدت قريبى سعيدا ومنشرحا وشعرت على الفور ان هنالك اخبار سارة ، وعاجلته سائلا : لعل هنالك اخبار سارة ؟ قال نعم وصلتنى اخبارهم اليوم من الفاشر وهم بخير ، قلت هل تجاوز الجنجويد القرية او لم يجدوها فى طريقهم ؟ قال لا والله فقد اجتاحت مليشيات الجنجويد القرية وأحرقتها بالكامل ، قلت مذهولا وأين الاخبار السارة اذن ؟ قال والله انت يا اخى متفائل اكثر من اللازم ، الاخبار السارة هى ان اهلى واهلك قد جاءتهم الاخبار بحركة الجنجويد فى وقت مبكر وجمعوا اطفالهم ونسائهم وعجزتهم وتركوا القرية قبل خمسة ايام من وصولهم . وسألته ولكن اين ذهبوا ؟ رد قائلا : بالطبع الى الجبال الوعرة والوديان النائية ، وسألته غاضبا ولما السعادة اذن ؟ قال ضاحكا (وشر البلية ما يضحك ) يا اخى احمد ربك فان هذه الخمسة ايام كانت كافية لنقل ضرورات الحياة من القرية من ماء وزاد الى حيث يقيمون حتى يقضى الله امرا كان مفعولا ، ولكنى اضحك لأمر آخر ، فقلت ما هو ؟ قال ان خالك فلان (وهو والد المتحدث ) كاد ان يجهض خطة الاخلاء من اساسها لولا لطف الله ، وسألته ما القصة ؟ اجاب : الحاج رفض رفضا قاطعا مغادرة القرية وطلب من الجميع الاسراع بالمغادرة اما هو فلا يبارح بيته حتى يلقى ربه ، وحجته فى ذلك انه يرى ان كل ذنبه فى هذه العملية ان رب العباد قد خلقه وجعله "زغاويا " عكس البشير ومرتزقته ، وهذا امر ليس بيده ولا بيد البشير او الغزاة القتلة القادمون ولا يستطيع احد فى هذا السودان ان يوجه له تهمة تستوجب قتله وحرق قريته وسبي نسائه ونهب امواله غير انه ينتمى الى قبيلة الزغاوة ، فاذا كان انتماءه القبلى يعتبر جريمة فهو يقبلها ، ولأنه قد تجاوز الثمانين من العمر فهو يعتقد انه قد لا يعيش بعد هذا العمر غير سنتين او ثلاثة على احسن تقدير وبالتالى فهو يفضل ان يموت شهيدا !

امام هذا الوضع الحرج ، فقد استعان احد ابنائه بأحد تجار الماشية بالمنطقة وهو يمتلك هاتف الثريا فتمكن من الاتصال بابن خاله الحاج "الرافض للرحيل " وهو يقيم بمدينة الفاشر وتمكن من اقناعه لترك القرية بعد يومين عصيبين ، وكانت الحجة الوحيدة التى اقنعه بها ، هى انه لو اصر على البقاء فى القرية فلا سبيل لابنيه غير البقاء معه بعد ترحيل الاسر بعيدا عن القرية ، فتكون النتيجة الحتمية بدل استشهاده لوحده يكون معه ايضا ابنيه الشابين ، فانهار الرجل الثمانينى امام هذه الحجة القوية فتبع اهله متأبطا ابريقه الفخارى وحاملا سجادة صلاته على كتفه والقهر يملأ جانبيه !

هذا هو حال اهلنا فى دار فور الان ، ولكن من المفارقات ، انه وعلى مسافة ساعات قليلة بالسيارة من هذه المنطقة وعلى الحدود السودانية التشادية اُختتم مؤتمر فى قرية "ام جرس " مسقط رأس الرئيس التشادى ، امه الرئيس السودانى والتشادى ورهط من مسئولى البلدين بالإضافة الى العشرات من ابناء قبيلة الزغاوة "ضحايا التطهير العرقى " ،وقيل ان المؤتمر يبحث عن السلام فى دار فور وخاصة فى منطقة دار زغاوة المنكوبة الان !