آراء ومقالات

Recent Posts

Tags

Community

Email Notifications

Archives

November 2013 - Posts

ونسة حول مكافحة الفقر في حوش وزارة الرعاية الاجتماعية - 1

إعداد: إسماعيل آدم محمد زين

كان مدخلي للزراعة عبر السيدة د.رضا علي فقد تكلمت في مؤتمر المسئولية الاجتماعية للمصارف والمؤسسات المالية حول دور الوزارة وذكرت عددا من الانشطة وجلها من صميم اهداف الوزارة ولعل الوزارة بدءا جاءت لتقدم اعمال الحكومة في مجال الرعاية الاجتماعية,قابلت د.رضا وقدمت لها ورقة لاطار حول مقترح قانون المسئولية الاجتماعية – فثمة اجماع علي اهمية القانون لتحديد مساهمات الاعمال والمؤسسات ومجالات الصرف واولوياته حتي لاتترك هكذا وفقاً لرؤية الافراد ومزاجهم وحتي تتعززالفائدة و  لتفادي التكرار.

عمل مشابه لديوان الزكاة مع اختلاف طفيف وهو اشراف الدولة تنسيقاً وتفيذا، خاصة مع ضعف الاعلام.وجدتُ ترحيبا من د.رضا ووجهت بتقديم المقترح للسيد/وكيل الوزارة.

ومن بعد مررتُ علي مركز تنسبق مشاريع مكافحة الفقر ومررت بعدد من المكاتب المتداخلة حتي مكتب مدير المركز وفي طريقي تم تبادل الحديث والدردشة مع الانسات والسيدات اللائي يشكلن نسبة عالية من القوي العاملة بالوزارة - ولعلهن الاقدر علي تقديم مثل هذه الخدمات,الدعم المساندة والرعاية. في اول سنوات الانقاذ كان يشرف علي هذه الوزارة علي عثمان ولعلها سميت بالوزارة الكبيرة لانها كانت تجمع عددا من الوزارات او المجالات.الرياضة,الشباب,الشئون الدينية وشئون المرأة والطفل و للوهم الكبير لإعادة صياغة الإنسان السوداني! وهم تبدد مع مرور الأيام و السنوات! تغيرت الإنقاذ و ما زال السوداني كما هو و يا له من زول فطن! و لعل ذات الفهم كان يحمله نظام مايو عندما تحالف مع الحزب الشيوعي و كانت له أوهام مماثلة لإعادة تشكيل السودان و أهله عبر هذه الوزارة !

ومازالت  الوزارة تقوم علي انشطة عديدة ، ولإبراز انشطتها عبر وسائل الاعلام  تحتاج لمزيد من التفاعل مع المستفيدين ومع الجهات الاخري مثل الاحصاء,المالية,الاراضي والاسكان والبرلمان.وقد يقول احدهم بأن المرأة قد لاتستطيع الحركة للقيام بدوركبير في هذه الوزارة والتي تتطلب التزاما بقضايا المرأة العديدة و مكافحة الفقر، مع دأب ومثابرة وتواصل قد تحد منه واجبات الاسرة  والمنزل.وعلي كل حال أضحت المرأة اليوم تستحوذ علي نسبة عالية في كثير من الزارات و المؤسسات و بعضها كان حكراً علي الرجال!

هنالك خلاف حول الفقر و تعريفه و لأجل المقارنة تم وضع معايير دولية بتحديد دخل يومي فيفي حدود دولار أميركي واحد للفرد ليعد ضمن الفقراء.و في الونسة مع جمال النيل إقترحتُ إدراج فقر القيم كمعيار آخر أكثر خطورة من مستوي دخل الفرد- إذ ان فقر القيم يضر بعدد كبير من الناس و أمامنا أمثلة لا حصر لها كإستيراد تقاوي فاسدة، فهي لا تُضيع موسم إنتاج و لكنها تضيع الأمل الأخضر! و تُفقر بعدد كبير من البشر و ربما تؤدي بحياتهم و حياة مواشيهم! و كذلك الأمر فيمن تنعدم لديه قيم النزاهة، ا لأمانة و الإستقامة- هنا الفقر يُفقر و يدمر، أما فقر العفيف فلا يضر إلا صاحبه!

تكلم جمال النيل- مدير مركز تنسيق مشاريع التخفيف من حدة الفقرحول أهدافهم الرئيسية و المتمثلة في السياسات و المعلومات التي يبثونها سنوياً في تقاريرهم تحديداُ لأبعاد الفقر و لجهودهم لحلحلة المسائل الإجتماعية المتعلقة به و لجهود شركائهم من داخل البلاد و من خارجها في بناء القدرات مثل بنك التنمية الإفريقي.إضافى للأنشطة و المشاريع و التنسيق مع وزارة المالية و بنك السودان فيما يلي التمويل و السياسات و مسائل المال و الإقتصاد.

عند سؤالي لجمال حول آلية الوصول إلي المستجدات في مجال الرعاية الإجتماعية و الإبتكار، أجاب بأنهم يستعينون بمركز المعلومات ، حيث يناقشون إسبوعياً ما يقدمونه من معلومات.

نبهتُ إلي ضرورة الإهتمام بالسياسات، خاصة لدي الجهات التي يمكنها تقديم خدمات ملموسة قد تساهم في التخفيف من حدة الفقر أو إزالته ، مثل إدارة الأراضي- كأن تنص في سياساتها علي منح كل شاب و شابة في سن الثامنة عشر قطعة أرض سكنية و أُخري زراعية، مثل هذه السياسة ، إذا ما تم الإلتزام بها ستكون ذات أثر و خطر ليس فقط في مكافحة الفقر  عبر الإستثمار أو الرهن أو البيع و لكن في تعزيز الوعي القومي و تمتين الرابطة و الآصرة بالوطن و الإستماتة في الدفاع عنه و التغني بمآثره و ليس في كيل السباب له ، من شاكلة " ملعون أبوكي بلد" و قد نجد عُزراً للشاعر و لكن!... سيصبح الوطن حُلماً للكثيرين من أماكن أُخري تماماً كما أصبحت أميركا حلماً للعالم أجمع ! بما في ذلك صبية الإنقاذ و شيوخهم  من حملة جوازاتها! و لعبد الله علي إبراهيم التجلة و الإحترام ! و أعجبُ لمن يطلق عليها الشيطان الأكبر!

ذكرتُ السيد جمال و هو سليل أُسرة متصوفة ترجع في جذورها إلي الأشراف في صعيد مصر أهمية وضع المعلومات علي خرائط مع الإستعانة بالعلوم و التقنية الحديثة مثل نظم المعلومات الجغرافية كوسيلة لإتخاذ القرار فيما يلي التدخلات و المعالجات أو المشاريع المطلوبة و لتنفيذ السياسات الإجتماعية و للحد من الفقر و آثاره المختلفة ، من أمراض أو العلل مثل التشرد و المخدرات! أو حتي في تحديد مواقع مؤسسات التمويل الأصغر، الصراف الآلي أو مراكز تنمية المجتمع- نموذج تم تطبيقه في جنوب إفريقيا، و يمكن الرجوع إليه عبر الإنترنيت !

ذكر جمال النيل أنهم بصدد تنفيذ مشروع مماثل ، ليتهم ينجزونه بالإستعانة بالمؤسسات الداخلية قبل اللجؤ لأي جهات أجنبية! خاصة مع نسبة الفقر التي تُقدر بحوالي 46% و ليس كما سمعتُ قبل سنوات من وزير التجارة الأسبق/محمد هاشم عوض في مؤتمر لقضايا الفقر ، حيث قدر نسبة الفقر في السودان بحوالي 90% و أدرج الزراء في عدادهم ! و قد أكد الوزير علي ذلك عملياً بموته فقيراً ، لا يملك منزلاً في هذه الأرض الرحبة ! و يا له من نموذج ! و كما قال أحد الفقراء " في السودان أبو الدنان يمتلك منزلاً غير أنني لا أجد أرضاً أُشيد عليها منزلاً" و أبو الدنان حشرة تبني منزلاً من الطين يناسب جو السودان ! و يا للمفارقات!

في آخر المطاف شاهدتُ الحوش الخلفي للوزارة حيث توجد أعداداً كبيرة من العربات المعطلة و من العربات الفارهة مثل الBMW و أوساخ متراكمة و مبني يبدو أنه ورشة لصيانة العربات! هذه العربات لو تمت صيانتها أو بيعها ستساهم في الحد من الفقر – وصولاً غلي الفقراء أو بإنشاء صندوق دوار للتمويل الأصغر يوزع علي البنوك الموجودة للإشراف عليه و ليس بإنشاء بنوك أو مؤسسات جديدة كمت جاء في السياسات التي وجدتها في تقرير المؤتمر الأخير للتمويل الأصغر ! سأعود إلي الوثائق في الحلقة الثانية إنشا الله.

من السياسات التي وددتُ أن يتم تبنيها هو إنشا آليات للوصول إلي الفقراء في مظانهم- خاصة في وقتنا الحالي حيث تتعزر الحركة مالياً للفقراء. و لا يفوتني أن أُذكر بإتهام جمال النيل  للصحفيين أو لبعضهم كما أصلح لاحقاً "بتلقي الرشاوي!" فما كان مني إلا أن ذكرته بحجم الفساد الحالي في قمة السلطة .و بجهود د. محمد فتحي إبراهيم لتعزيز الحكم الرشيد في إفريقيا بتشجيع رؤساء الدول الأكثر رشداً بجائزة هي الأكبر من نوعها في العالم و هي أكبر من جائزة نوبل. يعتقد د. مو كما يلقبه الخواجات بأن السمكة تفسد من رأسها ! لذلك فهو يسعي لإصلاح الرؤؤس. و لعله يتأسي بتعليم الإسلام " إن الله ليزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن".

من الأنشطة التي لم أستصوبها حجم الدعم الذي يقدم للأُسر الفقيرة في السودان و التي تزيد عن 2مليون أُسرة – حيث تمنح كل أُسرة مبلغ 150 جنيهاً شهرياً و هو أمر لا يكون !، خاصة إذا علمنا أن بعض ممن خدم لمدي 40 أربعين عاماً يتلقون الآن معاشا في حدود ال 300 جنيه! فيا لها من دولة رشيدة ! و هو أمر يدعو للتبطل و الزهد في العمل! راجعوا هذه السياسة! قدموا للفقراء مشاريع لينتجوا أو عملاً مباشراً في مختلف المؤسسات – قللوا من الأرباح و عظموا منالفوائد و التكافل ! بثوا نموذجاً جديداً خلاقاً و أنظروا لماذا يُعارض الأمريكان سياسة أوباما للتأمين الصحي ؟ ذات المنطق الذي ذكرتُ يسوقه أهل أميركا.

العمل المباشر أقصر طريق لمكافحة الفقر- سياسة آمل أن تتبناها الدولة بدلاً من إتباع الغرب في العمل و الإقتصاد! ما هو الفرق بين الإقتصاد الرأسمالي المتوحش و الإقتصاد الإسلامي؟
آمل من أهل الصحافة و الإعلام أن يقوموا بدور في إطار مسئوليتهم المجتمعية بالإعلان المجاني و بالكتابة و رفع الوعي حول المشاكل الإجتماعية و قضايا التنمية و الفقر.

كما آمل أن يري القانون المرتقب للمسئولية الإجتماعية طريقه للنقاش و التنفيذ.و أن يشجع ذلك القانون الإنفاق كقيمة إسلامية بخصم ما يُنفق في أعمال الخير و المجتمع من تقديرات الضرائب.سياسة نتبناها كما يتبناها الغرب المتوحش أو كما نتوهم!

أين الطيب سيخة و زياراته المفاجئه و التي تجسدت اليوم في ديوان المظالم و الحسبة وهو يحتاج لمن يزوره و يُصلح حاله حتي يقوم بواجبه في ترقية الآداء و الرقابة الإدارية.و لعل نظرة من خارج سوره تكفي للإفصاح حاله!.

الملتقى الاقتصادي الثاني : هل من حاجة له؟

بقلم : إبراهيم منعم منصور

قام الدكتور التجاني السيسي محمد أتيم بصفته رئيس اللجنة العليا للملتقى الإقتصادي الثاني بتوجيه الدعوة عبر وسائل الإعلام إلى حوالي 700 شخصية وجهة للمشاركة في فعاليات الملتقى. ولعل القليلين من هذا العدد يذكرون ما كان من أمر الملتقى الإقتصادي الأول وما انتهت اليه توصياته وقراراته.

دعونا نتساءل بكل جدية: هل الإمر والمشكلة في الإقتصاد والإقتصاديين حتى ندعو من وقت لآخر لملتقى أو مؤتمر عن (تحديات الإقتصاد السوداني وآفاق المستقبل). المشكلة يالأخ الكريم الدكتور السيسي في السياسة وفي السياسيين و المشكلة في الوعود والعهود وفي عدم الوفاء بالوعود والعهود من السياسيين (تم رصد 32 اتفاقا ولم يتم الوفاء بها – منها 8 مع حزب الأمة) ولا نسأل عن حال إتفاقية الدوحة وإهتزازها لول الوجود القطري و كلا الأمرين سياسة وليست أقتصاد).

فالقرارات السياسية الخاطئة في المحتوى وفي التوقيت وفي إستقبال ذوي المطالب المشروعة والمعقولة تقود وقد قادت بالفعل إلى أن تصير المطالب إحتجاجات ثم تتطور إلى نزاعات ثم مواجهات ثم إشتباكات مسلحة: ثم يحمل (الإقتصاد) العبء وبتراكم الأعباء يصبح الأمر (مشكلة إقتصادية). حدث ذلك في موضوع (الجنوب) وقد قادت القرارات السياسية غير الناضجة إلى قبول بنود في إتفاقية السلام الشامل تدعو بصورة (جاذبة) إلى الإنفصال... ثم أصبح الإنفصال مشكلة (إقتصادية) في البترول وفي الثروة الغابية وفي المرعى وفي الزراعة بشقيها النباتي والحيواني: في البر والبحر. ولعلنا لا نزال نعيش الآثار (الإقتصادية) لإنفصال الجنوب بسبب القرارات (السياسية) وفي التكلفة (الإقتصادية) الإضافية التي تنتظرنا في مشكلة (أبيي) وترسيم الحدود وإنسياب مرور الإنسان والحيوان والتجارة.

إن مناطق الخلافات الأربعة: في الشرق ودارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان لا تحتاج إلى أكثر من قرارات سياسية حاسمة ولا أقول في التوقيت المناسب لأن (التوقيت) قد إنتهى. أقول من الممكن أن نلحق فالأحسن كما يقول الخواجات أن نلحق متأخرين خيرا من ألا نلحق أبدا.

نبدأ بالشرق: ما الذي يجعلنا لا نحسم أمره السياسي فهو بوابتنا للعالم: بل هو البوابة (الوحيدة). وقعنا معه إتفاقا قامت دولة الكويت الشقيقة بمقابلة معظم الإلتزامات المنظورة. لماذا لا نحسم أمرنا بقرارات سياسية تعطي الطمائنينة لأهل الشرق وتبعد عن بعضهم هواجس التوجه نحو دولة في جوارهم مهما كانت درجة صداقتها يوما معنا فهي في النهاية سوف تطمع فينا يوما. إذا لم نحسم الأمر سياسيا وتطور أو تدهور إلى نزاع مسلح أو توتر دبلوماسي فسيكون العبء في كلا الحالين على (الإقتصاد).

أما جنوب كردفان فقد حسم أمرها الإتفاق الذي تم توقيعه في (جنيف) بسويسرا بين وكيل الخارجية وقتها مطرف الصديق والقائد عبد العزيز الحلو: أجهضه (عدم الوفاء) بالإلتزام وعدم الوفاء - قرار (سياسي) يتحمله (الإقتصاد) يوما بعد يوم. ويخلق ما هو أسوأ منه: عدم الثقة في الوعود والعهود والإتفاقيات بمختلف درجاتها ومحتوياتها وشهودها سواء كان الشاهد فردا في مركز القسيس (دانفورث) مبعوث الولايات المتحدة الذي أشرف على أتفاق جبال النوبة أو العالم كله في إتفاقيتي السلام الشامل وابوجا مع القائد مني أركوي.

وبالمثل فإن ما يتحمله (الإقتصاد) في مشكلة منطقة النيل الإزرق جاء نتيجة عاملين كليهما (سياسي). الأول الخطأ في قبول تعبير غير محدد المعالم هو (المشورة الشعبية) لمشكلة واضحة المعالم. ثم تبع ذلك ما أدى إليه القرار السياسي في وضع مالك عقار وعدم المقدرة على المعالجة التفاوضية والحوار وانصبت نيران الحرب على (الإقتصاد).

الأخ الكريم دكتور السيسي: أنتم على علم بمشكلة دارفور فهي منذ أن أطلت برأسها في عهد الإنقاذ تتلخص في: الإقليم الواحد – إيقاف الحرب – إبعاد الوافدين من جمهورية مالي ثم النيجر - والذين دخلوا السودان بقرار سياسي - وإتخذوا أسماء شتى من الجنجويد إلى حرس الحدود إلى المليشيات – التعويضات الجماعية والفردية – صندوق الإعمار براس مال تراوح بين (700) مليون دولار ومليار دولار. وعندما تم توقيع إتفاقية أبوجا رغم إنتقادات البعض لها لم يتم الوفاء بها: والقرار بالطبع (سياسي) ثم تعهد الفريق إبراهيم سليمان بعد تقاعده أن ينقذ الموقف في دارفور اذا وفرت له الدولة (70) مليون دولار وسوف يقنع الموقعين وغير الموقعين بالسلام وتنفيذ المواثيق. ولكن القرار (السياسي) أبعده وأبعد السلام ورمى الأمر كله على (الإقتصاد). ومشكلة دارفور لن يحلها قيام السلطة الإنتقالية أو الخمس ولايات أو تقسيم الحركات.

وكما تعلم أيها الأخ الكريم فإن الحروب هي النار التي تأكل فيما تأكل (الإقتصاد): فرنسا أكلت إقتصادها حروبها في آسيا ودحرجتها إلى دولة فقدت عملتها كل قيمتها تقريبا مما جعلها تأتي بعملة جديدة وظلت لسنوات تسميها (الفرنك الجديد) تمييزا لها عن (الفرنك) الذي هو إسم عملتها والذي أكلته الحرب.

وقد ظلت الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى عام 1971 تلتزم أمام المنظمات الإقتصادية الدولية والبنوك المركزية في كل العالم بل وأمام الشركات والإفراد بأن تبيع لكل من يدفع (35) خمسة وثلاثين دولارا (اوقية) من الذهب الخالص. وبعد حروب فيتنام وكوريا التى إمتدت أكثر قليلا من عشرين عاما تراجعت عن قرارها والتزامها في أغسطس 1971 وقامت بتعويم الدولار وإحتفظت لنفسها بالذهب الأمر الذي أربك إقتصاديات كل الدول لأعوام عديدة وظلت تعاني منه الدول النامية حتى اليوم.

هذا ما كان من حال دول مثل فرنسا ومثل الولايات المتحدة التي لم يحتمل إقتصادها حروبا لعشرين عاما أو أقل. أما نحن فأن (الإقتصاد) عندنا ظل في عهد الإنقاذ وحدها يحمل عبء حروب لإكثر من عشرين عاما: حروبا داخل أرضنا تدمر اليابس في أرضنا ثم الأخضر في أرضنا – ثم الحيوان – والإنسان في أرضنا ثم المقومات الأساسية من البني التحتية: تلك البني التحتية التي حملت بدورها السودان منذ عهد الإستعمار والتي بناها اباؤنا وأجدادنا منذ أن كان السودان لا يملك من الصادر إلا الصمغ العربي وريش النعام. مشروع الجزيرة ضربناه بقرارات سياسية: نأكل مما نزرع: فضاع القطن. أوقفنا التمويل من البنك المركزي وأنشأنا (محفظة كذا ومحفظة كذا) هل تذكرونها ؟ السكة الحديد. والنقل النهري. الخطوط البحرية. الخطوط الجوية... كلها قرارات (سياسية) وحملها (الإقتصاد) حتى انحنى ظهره. ثم (15) ولاية زايد ثلاثة – و (26) جامعة وعدد لا يحصى من الوزراء ووزراء الدولة والمستشارين .. وهلم جرا. ثم المباني.. والمباني.. والمباني. والسيارات... والسيارات ... والسيارات ... والإحتفالات والمأموريات وقد لا يعلم البعض أن (الوظائف) الكبرى هي في الواقع (مؤسسات) وليست مجرد أفراد: إذ لكل منهم مدير مكتب ثم طاقم سكرتارية – ثم سيارات للجميع – وبدلات – وحوافز – ومأموريات .. ثم (حرس) وليس (حارس). أما سياستنا الخارجية فقد زلزلت علاقات أخوية أزلية ولم تكسب قوى مؤثرة وحيوية فكانت العبء الأكبر على الإقتصاد بأن أفقدته منابع العون المادي والمعنوي والأخوي.

وزير المالية مطلوب منه أن يوفر (أيرادات) وأيرادات واجراءات تقابل تكاليف الحروب والجهاز الدستوري (وهنا لا يتوقف الأمر على الرئيس والنائب الأول ثم نائب ومساعدون ومستشارون وأطقم سكرتارية) بل ينطبق ذلك بدرجات متفاوتة لدي كل (والي) ووزير.

إن كل الحديث ينصب على كفة واحدة من الميزان (أو الميزانية) وليست على الكفة الأخرى ألا بلمسة خفيفة هي (تخفيض الصرف الحكومي). لا أحد يقبل (تخفيض) أو حتى التقليل من هذا الصرف. أقول لا أحد يقبل أقول أيضا لا أحد (يستطيع) إذ أن كل الألسن تتجه نحوه بأنه يريد أن يعرض أمن البلاد للخطر أو منجزات الثورة للإنهيار – أو.. أو.. ولكن على (الإقتصاد) أن يتحمل كل (رفاهية) الحكام. ولكن تأتي هنا مأساة (المواطن) وشقاؤه وتدحرجه نحو خط الفقر أو دونه وهي النتيجة التي يتحاشى الكثيرون ذكرها أو حتى التفكير فيها. فكل قرار (إقتصادي) نرى أنه خاطئ هو نتيجة قرار (سياسي) أكبر منه في الخطأ.

الأخ الدكتور السيسي: إقتصاد السودان بخير رغم ما أصابه وإمكاناته بخير رغم ما أصابها وقدرته على التحمل والحمل بخير رغم ثقل الحمل ولكن المشكلة في السياسة وفي السياسيين وفي القرارات السياسية وكان الأحرى أن يكون هناك مؤتمر أو لقاء أو ملتقى (سياسي). ولعل الجميع يتحاشون ذلك ويتكلمون بأسى مصطنع عن الموقف (الإقتصادي) المتردي.

إن قرارا سياسيا واحدا بوقف (الحروب) والجلوس مع مواطنيننا وهم سودانيون – والوفاء بالوعود والإتفاقيات لمواطنيننا وهم سودانيون – وبناء الثقة بيننا وبين مواطنيننا وهم سودانيون – والتشاور معهم وهم سودانيون: هذا القرار السياسي هو الحل دون ملتقى أقتصادي أو مؤتمر إقتصادي ندعو له بين حين وحين ونحن نستظل في ظل الفيل حينا ونطعن في ظله في كل حين.

أوقفوا الحرب اليوم قبل الغد

بقلم : بشير عبدالقادر

في حين يقتل المواطنين في جبال النوبة بالطائرات وتدور رحى الحرب ما بين كر وفر بين قوات الانقاذ وقوات الجبهة الثورية في جنوب كردفان، حتى بات يصعب على المواطنين البسطاء التفرقة بين القوات المتقاتلة ومعرفة من يحتل قراهم ومن يهاجمها ومن يدافع عنها حقيقةً، قال جبريل آدم بلال القيادي في الجبهة الثورية "نحن لا نستهدف المدنيين إطلاقا، بل نقوم بحمايتهم ... والذي يستهدف المواطنين الأبرياء هو نظام الإبادة الجماعية"، وأصبح المواطنين رهينة بل ضحايا لإقتتال لا ناقة لهم فيه و لا جمل، وهم الذين لا يطلبون سوى أن ينعموا بشيء من الأمن ومتطلبات الحياة البسيطة من مأكل وملبس !!! ولكن هاهي رحى حرب العصابات تدخل إلى أحيائهم الفقيرة إلا من قلوبهم العامرة بحب الخير .

نعم الكل يدعي أنه يحارب لأجلهم، ولكنهم لا يعلمون كثير من التفاصيل وأهمها ماذا تعني تلك القوات المختلفة من قوات الجبهة الثورية أو القوات الحكومية بقولها أنها تحارب لاجلهم !!! ولا يملكون سوى دفن موتاهم والترحم عليهم وتفويض أمرهم إلى الله ومن ثم البكاء في حيرة !!!. 

هكذا هي الحرب تلد الدمار والخراب وتتمدد فتتعدد القرى التي تطالها حرب العصابات  أم روابة ، ابوكرشولا، أبو زبد،كادقلي ، وندعو الله أن يستر ما تبقى من قرى كردفان ودارفور، وبرغم ذلك تظل هذه القرى اسعد حالاً !!!، أما قرى جبال النوبة والنيل الأزرق فهى أسوء حظاً لأن الموت يأتيها من بعض القوات براً ومن بعضها الأخر جواً !!!

ويبقى السؤال الأهم أليس كل من يموت من كل تلك الجهات المتحاربة أو من أهالي تلك المناطق هو أحد أفراد الشعب السوداني، أليس الخاسر هو السودان كبلد وكشعب، قتل للارواح وسفك للدماء وإهدار لموارد البلاد في حرب لا طائل منها ، ثم هل بقيت موارد مالية لتصرف على الحرب!!!  ثم هل هذه الحروب ستدفع بالبلاد قدماً نحو الإستقرار والتنمية أم ستنزلق بها شيئاً فشيئاً نحو الحروب الاهلية والخراب الشامل، الكل على قناعة بأنها حرب "عبثية" الخاسر الأوحد فيها هو السودان !! ولكن ذلك لا يهم الخال الرئاسي الطيب مصطفى في شيء ، وبما "أن المحرش ما بكاتل"  فهو "يطالب  الحكومة السودانية بحسم المعركة عسكرياً بعيداً عن التفاوض" !!!

كنا نظن إن الشعب السوداني من خلال أبنائه وخاصة في المدن الكبرى وألاحزاب ومنظمات المجتمع المدني، يمكنه أن يتوحد رافضاً للحرب بين أبناء الوطن الواحد مهما كانت الأسباب، ولكنا عرفنا أن الشعب مغيباً تماماً ولا يملك من الآليات للتعبير عن رأيه سوى الخروج للشارع، ولكنه حتى عندما خرج في سنوات مضت وقام بثورات حقيقية، سرقت منه ثورته في أكتوبر 1964م، وفي أبريل 1985م، واخمدت هبته السبتمبرية في 2013م بالرصاص المطاطي والرصاص الحي!!! أحبط المتنفذون من الإنقاذ حتى اليأس ذلك الشعب الطيب ووصفوه بالمخربين واستعملوا ضده الخطة "ب" كما قال رئيس الطغمة الظالمة "هي أعمال تخريبية وليست تعبيرية" ،... " ولكن عندما وجدنا أن العمل تطور إلى عمل تخريبي وتدمير، تم تطبيق «الخطة ب» ونزلت القوات المجهزة للتعامل مع الشغب، لأن هناك شغبا سلميا وهذا له قوات خاصة تتعامل بمسيلات الدموع وخراطيش المياه وخلافه، وهناك قوات في حال تطور الشغب إلى عمل تخريبي وتدمير للمنشآت، وكنا جاهزين ومتحسبين، وانتهت الحكاية في أقل من 48 ساعة".

وكذلك أحبط الشعب ولا يستطيع أن يعلن رفضه للحرب بعد أن خزله أبنائه من السياسين والمفكرين والصحافيين وأنشغلوا بترهات بدلاً عن التنادي لإنهاء الحرب !!!.  ولنأخذ هنا بعض الأمثلة على ذلك :

" دافع رئيس الكتلة البرلمانية لحزب المؤتمر الوطني ورئيس مجلس شورى الحزب مهدي إبراهيم عن رفع الدعم، وقال "كان يجب تطبيقه قبل (11) عاماً ولكننا صبرنا، وأن أهل السودان نسوا أنهم تمتعوا بأوضاع جيدة ومعتدلة في السنوات الماضية، ونحن آثرنا أن نصبر على ذلك ".

في الحقيقة أن من نسى ويصر على التناسي هو البرلماني مهدي إبراهيم، هل نسى أنه تمتع سنين طوال كما اشتهت نفسه على حساب الشعب السوداني ومنها أنه هبط مدينة باريس لتفصيل البدل لدى أشهر بيوت الأزياء الباريسية وسكن في "فندق جورج سانك" أحد أفخم وأغلى الفنادق بباريس قبل توجهه كسفير للسودان في الولايات المتحدة. فهل تمتع هو على حساب الشعب السوداني وصبر عليه الشعب السوداني أم العكس !!!

ويستمر "التحبيط" أو التثبيط للهمم مع الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل القيادي بالمؤتمر الوطني ووزير الاستثمار الذي أكد مشاركة حزب الأمة القومي في الحكومة بعد الانتخابات القادمة، وكشف تقدمه بإقتراح لإيجاد منصب رئيس الوزراء وقال إن بلداً مثل السودان يحتاج إلى هذا المنصب وقال نأمل أن يعين المشير عمر البشير رئيس الجمهورية رئيس وزراء في التشكيل الوزاري القادم ويكلفه بتشكيل حكومته وتعيين 3 نواب " . هل يعني ذلك أن وزير الإستثمار لا تهمه تلك الحرب الدائرة في البلاد، وهو مشغول بالتفكير العميق ليكتشف بعد 25 سنة من الحكم العسكري حوجة البلاد لرئيس وزراء!!! يا لعبقرية الطفل المعجزة !!! ثم كيف لحزب المؤتمر الوطني وحزب الأمة أن ينشغلاً بالاتفاق قبل الانتخابات على الإشتراك في حكومة تجمعهم ما عدا إذا كانت إنتخابات مضمونة النتئجة لأنها ستكون "مخجوجة" كالمرة السابقة !!! بدلاً عن محاولة إستثمار طاقاتهم وعلاقات حزب الامة في مناطق دارفور وكردفان لإنهاء الحرب !!!.

ذلك ما كان من أمر طغمة الإنقاذ  مما يمكننا من القول "الناس في شنو والحسانية في شنو" ، ولنذهب أبعد قليلاً لنبحث عن ما يشغل "الانتلجيسيا" من النخب والساسة في عاصمة البلاد الخرطوم  هل هو إيجاد مخرج لإنهاء الحرب أم الإنشغال بمهاترات عنصرية بغيضة  تدخل ضمن ما نهى عنه المصطفي "ص" بقوله "دعوها فأنها منتنة" ، فيقول ربيع عبدالعاطي الناطق الرسمي اللارسمي للحكومة وهو يرد على إسامة توفيق أمير مجموعة (سائحون) أولاً وثاني أثنين في مجموعة "الحراك الإصلاحي" والذي اتهمه بأنه " يسعى للمنصب الوزاري عبر الهجوم على الحراك الإصلاحي "، فكان رد عبدالعاطي  "من أين أتى امثال اسامة توفيق....... لا اصعد على اكتاف احد وتسندني اصولي وجذوري الضاربة في اعماق ارض السودان، وعلى اسامة ان يسأل نخيل السودان عن إصولي " !!! ويرد إسامة توفيق على ربيع عبدالعاطي الذي سبق وأن قال بأنه تعرض لمحاولة إغتيال بكوبري المك نمر في منتصف ليل 22 يونيو 2013م، ويقول "أنا منحت وسام الجدارة من الدرجة الاولى على يد الرئيس البشير بالعام 1992م لتضحياتي في البوسنة والهرسك وليبيا وغزة ولم يمنح لي في تنسيق حدائق" !!!

ويقول إسامة توفيق كذلك في معرض رده على طلب أبوعيسى بإعتذار الإصلاحيين عن مخازي الحكومة كنوع من التطهر قبل القبول بهم في التحالف الوطني "أقول لأبو عيسى ألحس كوعك، والمشتهي الحنيطير يطير" !!!

ثم يشن فاروق أبوعيسى رئيس تحالف المعارضة هجوماً عنيفاً على حزب البعث ويتهم البعثيين بالسطحية وإعاقة تفاهمات كبرى مع متمردي الجبهة الثورية ويسمي البعثيين ب "جماعة الريح سنهوري" !!!.

وفي نفس الناحية من حوارات الترف الذهني نجد برنامج الانقاذي حسين خوجلي " انا سوف أتي بمجموعة من العلماء حتى نتفق على الافكار العملية لأن كل مُراد الدين قائم في هذا الاختصار في الافكار العملية و التَزيُّد في الصدق – الكلام الكثير ما ليهو داعي" ، ومن ذلك الترف الفكري خلاف الفنان التشكيلي حسن موسى والكاتب السياسي عبدالعزيز البطل الذي كتب "حسن موسى للرجال خوسا"، إنتهاءً بتصارع عزالدين الهندي مع مزمل صديق وفاطمة الصادق !!!

برغم إنشغال حكام الإنقاذ ومثقفي السودان عن التنادي والتوحد في صف ضد الحرب، يأتي مقال الدكتور د. محجوب محمد صالح "البندقية لا تحقق سلاما" ليعضد ما سبق لنا في أن فصلناه في مقالين سابقين منشورين في الأشهر الماضية بعنوان "لا للحرب يا عائشة" ، و " لا للحـرب ولا "للصوملة" ، ويدعم نصيحة  نقيب الأطباء السودانين الدكتور أحمد الشيخ في يوم 30/09/2013م أبان المظاهرات الشعبية ... للحكام ... في الخرطوم بأن "يحتكموا الى الشعب وان يستمعوا اليهم بدون بندقية في اليد" !!!.

وفي نفس التوجه ندعو كل تنظيمات المجتمع المدني والمواطنين الشرفاء في النقابات والإتحادات ورجالات الأحزاب وكل أساتذة الجامعات ورؤساء الصحف وقنوات التلفزيون الخاصة والقنوات الاذاعية للتوقيع على عريضة مليونية برفض الحرب بين أبناء السودان والتنادي إلى لقاءات لإيقاف الحرب ومسبباتها، بل ندعو لإعتصام مستمر ودائم حول القصر الجمهوري تحت عنوان "لا للحرب" من قبل كل مهموم على الوطن مع وجود شخصيات معروفة تتناوب في الحضور من أمثال فاطمة أحمد إبراهيم،محمد عثمان الميرغني، الصادق المهدي، منصور خالد، د.الجزولي دفع الله، د.كامل إدريس، بروفسور عبدالله أحمد النعيم ، د.الطيب زين العابدين، فيصل محمد صالح، كمال الجزولي، محجوب شريف، هاشم صديق ، بروفسور جعفر ابنعوف، بلقيس محمد الحسن، محمد حسن عالم البوشي، وغيرهم  من المسكونين بحب السودان . وندعوا كل الاندية الرياضية وخاصة الهلال والمريخ بأن يضعوا شعار "أوقفوا الحرب" على زيهم الرياضي.

ونقول كل شر دون الحرب يهون، وأن الحرب لم ولن تكن يوماً حلاً لمشكل ما، صحيح قد تقلب موازيين القوى، ولكن لابد من الحوار والتفاوض وان طال العهد بالحرب، فلما تضيع هباءً موارد البلاد وأولها العنصر البشري أي الإنسان السوداني.

أنشد فاروق جويدة

"وطن بعرض الكون يعرض في المزاد....

 طغمة الجرذان...

في الوطن الجريح يتاجرون..."

"لن يرحم التاريخ يوماً...

من يفرط أو يخون...

كهاننا يترنحون...

فوق الكراسي هائمون...

في نشوة السلطان والطغيان...

راحوا يسكرون...

وشعوبنا إرتاحت ونامت ..

.في غيابات السجون...

نام الجميع وكلهم يتثابون...

فمتى يفيق النائمون".

أصياف العُبور والألبان الضائعة

بقلم : بابكر فيصل بابكر

رشح الأسبوع الماضى نبأ عن تنظيم الإتحاد الأوروبي لمؤتمر للحوار بين الحكومة والمعارضة بشقيها المدني والمسلح بمدينة هايدلبرج الألمانية من أجل الوصول لتسوية سياسية شاملة تجنب مخاطر الانزلاق نحو الفوضى التي قد يؤدي لها توتر الأوضاع السياسية السائدة في البلاد.

الإتحاد الأوروبي كان قد أعلن في يناير الماضي عن عزمه الجاد علي قيادة وساطة بين الحكومة والمعارضة بهدف تقريب وجهات نظر الطرفين وأكد أنه سيبذل جهوده لاحداث توافق بينهما عبر الحوار السياسي والقضايا السلمية دون العمل لإسقاط النظام بالقوة.

وكان الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة هو أول من كشف عن هذا المؤتمر خلال حفل وداع نظمه لممثلة الاتحاد الأوروبي في الخرطوم، ديم روزاليند مارسدين، بمناسبة إنتهاء فترة عملها أواخر شهر إكتوبر الماضي.

سارعت الحكومة بنفي علمها بالمؤتمر، وقالت على لسان الدكتور أمين حسن عمر أنها "لن تشارك في مؤتمرات تناقش أوضاع السودان الدستورية خارج البلاد" وأنَّ مثل هكذا حوار لا بد أن ينعقد داخل السودان.

المبرِّر الذي ساقهُ الدكتور أمين حسن عمر لرفض المشاركة حوار هايدلبرج لا يصمد أمام معطيات الواقع حيث شاركت الحكومة من قبل في العديد من المفاوضات التي تمَّ فيها مناقشة قضايا الحُكم والدستور وحق تقرير المصير، و يقف إتفاق نيفاشا بين الحكومة والحركة الشعبية شاهداً على ذلك، وهو الاتفاق الذي تم التفاوض حوله وتوقيعه خارج السودان وبرعاية إفريقية ودولية.

ومن المعلوم أنَّ الأزمة الوطنيَّة لم تعد شأناً يخصُّ السودانيين وحدهم، بل أصبحت جزءً من ملفات السياسة الخارجيَّة اليومية، لدول الجوار الإفريقي، والعربي، والمُجتمع الدولي بحكوماته ومنظماته الإقليمية. وتكفي نظرة سريعة على أعداد الجنود الدوليين المتواجدين بأرض الوطن، ومنابر التفاوض الخارجي، و الدول التي تتواجد بها المعارضة، لتوضحَ أنَّ الوجود الخارجي في الأزمة السُّودانيَّة أضحى ثابتاً لا يمكنُ التغاضي عنه.

الموضوع إذاً لا يتعلق بمكان الحوار أو بالأجندة التي سيتناولها، ولكنهُ يتعلق بالأساس بإستراتيجية الحكومة التي ترفض "الحوار الشامل" حول الأزمة السودانيَّة، وتصرُّ على فصل التفاوض مع الحركات المسلحة عن التفاوض مع الأحزاب السياسية بإعتبار أنَّ السودان لا يواجه أزمة في الحكم بل نزاعات مسلحة في مناطق محدودة.

هذه الإستراتيجية أثبتت فشلها في وقف الحرب و إحلال السلام، وفي فك الحصار وكسر طوق العزلة الخارجية وإحداث التحول الديموقراطي الهادف لوضع البلاد في مسار الإستقرار السياسي و والتداول السلمي للسلطة.

يعلم الدكتور أمين أنَّ الحكومة وقعَّت على إتفاق أبوجا مع حركة تحرير السودان، وإتفاق الدوحة مع حركة الحرية والعدالة، وقبل ذلك إتفاق القاهرة مع التجمع الوطني الديموقراطي، وإتفاق الشرق مع جبهة الشرق، بعد أن فاوضت كل هذه الجهات خارج السودان ولكنها كانت جميعاً إتفاقيات مبنيَّة على إستراتيجية الحكومة التي تقوم على "إلحاق" الحركات والقوى السياسية بالنظام دون إحداث تغيير حقيقي في بنية السُّلطة.

وكما ذكرنا سابقاً فإنَّ هذه الإستراتيجية يُمكن أن تفهم في إطار "توازن القوى" الذي لا يتوقعُ أن يُقدِّم فيه الحاكمون للمعارضين تنازلاتٍ أساسية يُمكن أن تبعد عنهم إمتياز السُّلطة الذي ظل محتكراً لأكثر من عقدين من الزمان.

أمَّا اليوم وقد تغيَّرت الكثير من المعطيات والحقائق، وأضحى الوطن نفسه قاب قوسين أو أدنى من التفكك والتشظي والإنقسام فإنَّ إستراتيجية علاج المشاكل بطريقة جر المعارضين لأحضان الإنقاذ، و بالقطاعي بغرض كسب الوقت ما عادت تنفع وأضحى من اللازم تغيير الفكر والمنهج والأسلوب.

الدليل على إستمرار الإستراتيجية الحكوميَّة هو إعلانها نهاية الإسبوع الماضي الإستعداد لاستئناف التفاوض مع الحركة الشعبية - شمال حول المنطقتين ( النيل الأزرق وجنوب كردفان) استناداً لاتفاقيات السلام وقرار مجلس الأمن الدولي 2046.

وهو إعلان لمجرد كسب الوقت يسبقه تضارب و تناقضات في تصريحات المسؤولين الحكوميين الذين يقولون تارة انهم سيكتفون بالمشورة الشعبية، وتارة أخرى يقولون أنهم لن يُفاوضوا سوى حملة السلاح من أبناء المنطقتين، و في ثالثة يُطالبون بإبعاد "ياسر عرمان" من وفد الحركة المفاوض !

بالطبع – يا دكتور أمين – سيكون التفاوض مع الحركة الشعبية خارج السُّودان، ولكنه سينبني على ذات الإستراتيجية القديمة، وهى تحقيق المكاسب في مسارح العمليات من أجل إضعاف موقف الطرف الآخر حتى يقبل بالحد الادني من العروض الحكومية ويلتحق بالنظام الحاكم.

مصداق ذلك هو ما أعلنهُ مساعد الرئيس الدكتور نافع عن بدء حملة دحر التمرُّد في البلاد هذا الصيف، وهو الأمر الذي أكدَّه وزير الدفاع أمام البرلمان الأسبوع الماضي حيث قال إنًّ القوات المسلحة تتحرك الآن صوب ولايات دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان لحسم التمرُّد، وأضاف "أعددنا إعداداً كبيراً وبصورة ممتازة وتحرَّكت قواتنا بمختلف المحاور لحسم التمرد بشكل نهائي".

لا شك أنَّ الحكومة لم تتعلم من دروس الماضي القريب، بل تصرُّ على تكرار التجارب التي لن تؤدي إلا للمزيد من المشاكل، ومن تعميق الأزمة الوطنيَّة، فهى تظنُّ أنَّ تحسن العلاقة مع جنوب السودان سيؤدي إلى وقف دعمها للحركة الشعبية وبالتالي سيضعف الحضور العسكري للأخيرة ، وهو ذات الشىء الذي حدث مع حركات دارفور بعد تحسُّن العلاقات مع تشاد، وهو ما سيؤدي في خاتمة المطاف لإضعاف الموقف التفاوضي للحركات المُسلحة.

الجميع يذكرون حملة "صيف العبور" العسكرية التي شنتها الحكومة في العام 1992 ضد الحركة الشعبية مستفيدة من سقوط نظام منقستو في إثيوبيا، ومن الأسلحة التي فرَّت بها قواته للسودان، ومن الإنشقاق داخل الحركة، و ظنت أنَّ فقدان الحركة الشعبية للدعم السياسي واللوجستي، وتراجعها على الأرض وحصارها في شريط ضيق مع الحدود السودانية اليوغندية، سيؤدي إلى إنتهاء التمرد مرة وإلى الأبد.

في ذلك العام – وفي أعوام عديدة بعده - إستمعنا لذات التصريحات التي تطلقها الحكومة اليوم، والتي تعد فيها جماهير الشعب بأنَّ "هذا الصيف سيكون صيف الحسم في البلاد"، وأنها قد أعدت العُدَّة لسحق التمرد .

إستطاعت الحركة الشعبية أن تتجاوز مشاكلها بسرعة وجمعَّت قواها العسكرية محققة إنتصارات كبيرة، ومن ثم دارت دائرة الحرب لعشر سنوات إضافية أزهقت فيها آلاف الأرواح وضاعت الموارد وتعطلت مسيرة التنمية ولم تبدأ المواجهات العسكرية في الإنحسار إلا بعد الشروع في المفاوضات في مشاكوس في 2002.

في تلك السنوات العشر إرتفع سقف مطالب الحركة الشعبية، وإزداد السند الإقليمي والدولي لموقفها في الوقت الذي إستمرَّت فيه عزلة الحكومة، وعندما جاءت نيفاشا إستطاعت الحركة أن تودع في الإتفاق كل ما أرادتهُ وكانت المحصلة النهائية قيام دولة الجنوب المستقلة.

إنَّ رهان الحكومة على إضعاف الحركة الشعبية –شمال، والجبهة الثورية عسكرياً لن يؤدي لإحلال السلام في ربوع البلاد، و هذا هو الدرس الأول من تجربة الحرب الطويلة في جنوب السودان، و إنَّ الطريق الوحيد للوصول إلى ذلك يمُر عبر حل سياسي شامل، وهو الأمر الذي يتطلب تغييراً جذرياً في إستراتيجية الحكومة في التعامل مع الأزمة السياسية وفي التفاوض مع الحركات المسلحة والاحزاب المدنيَّة.

"الصيفُ ضيَّعت اللبن" مَثَلٌ عربيٌ شهيرٌ يُضربُ لمن ضيَّع الفرصة، وفوَّت الغنيمة، و غايتهُ أنَّ من سنحت له فرصة فليغتنمها وإلا فإنهُ سيطلبها يوماً ما ولن يجدها. ترى كم من الفرص ضاعت، وأخرى ستضيع في إنتظار أصياف العبور و الحسم التي لا تأتي أبداً ؟

.
البندقية لن تحقق سلاماً في السودان

بقلم : محجوب محمد صالح

أعلن وزير الدفاع السوداني اكتمال تجهيزات القوات المسلحة للهجوم الحاسم لتدمير قوات الجماعات المسلحة والجبهة الثورية وبذلك إنهاء حالة التمرد العسكري في السودان ولو رجع وزير الدفاع للأرشيف لوجد أن مثل هذا التصريح ظل يتردد برتابة مملة في بداية كل صيف منذ أن عرف السودان التمرد والحرب الأهلية دون أن ينتهي ذلك التمرد في ميدان القتال، وليس ذلك بسبب أي ضعف أو إهمال من جانب القوات المسلحة التي أدارت المعارك وقدمت الشهداء ولكن ذلك بسبب طبيعة حرب العصابات التي يصعب على القوات النظامية وضع نهاية لها والحالات الوحيدة التي تحقق فيها سلام في السودان لم يحدث عبر البندقية إنما عبر الحوار وتوقيع اتفاقات السلام سواء في اتفاقية أديس أبابا أو اتفاقية السلام الشامل في نيروبي. غير أن السلام في السودان لا تهدده الآن الحركات المسلحة حاملة السلاح والمتمردة على سلطة الدولة وحدها بل يأتي تهديد السلام من جماعات استوعبتها الحكومة وضمتها لصالحها فتحولت إلى مهدد للأمن ويجيء من صراعات قبلية محتدمة في إطار التنافس المحموم حول موارد طبيعية متناقصة واليوم ضحايا الحرب القبلية وضحايا الانفلات الأمني يفوق أعدادهم أعداد أولئك الذين يقتلون في ساحات المواجهة مع الحركات المتمردة.

إن أسلوب معالجة أزمات السودان السياسية عبر البندقية أثبت عدم جدواه، ومن المؤسف أنه لا يزال هو النهج الذي تعطيه الحكومة الأسبقية في سياستها واستراتيجيتها بل هي تلجأ إليه حتى عندما يكون الحل السياسي السلمي عبر الحوار متاحاً لها وميسراً لكنها ترفضه، وتفضل أن تلجأ للحل عبر البندقية الذي أثبت دائماً فشله المتكرر في معالجة الأزمات السياسية، والمثال الأوضح على هذا النهج الحكومي الملتبس هو وصول الحكومة إلى اتفاق سلام مكتوب وموثق مع الجماعات حاملة السلاح في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان في ما عرف إعلاميا باتفاق (نافع/ عقار) لكن الحكومة التي قبل مفاوضوها ووقعوا على الاتفاقية ركلتها جانباً لصالح الحل العسكري فاحتدمت الحرب الكارثية التي يبشرنا الآن وزير الدفاع بأنه ينوي حسمها خلال هذا الصيف.

الحكومة لا تريد حتى الآن أن تعيد النظر في استراتيجيتها فتقدم على خطوة شجاعة بحثا عن السلام في مائدة التفاوض عبر حوار فيه تنازلات متبادلة رغم أنها قبلت قراراً أصدره مجلس الأمن بالدخول في حوار مع حملة السلاح لتحقيق هذه الغاية ومنذ صدور القرار 2046 وإعلان الحكومة التزامها به لم يحدث أي تقدم في مشروع تحقيق السلام الذي نص القرار على إجرائه على أساس اتفاقية (نافع/ عقار) المؤودة.

الأزمة الآن تجاوزت تمرد الحركات الحاملة للسلاح إلى انفلاتات أمنية متعددة وكلها لها انعكاساتها على السلام والاستقرار، بل وأيضا على أداء القوات المسلحة نفسها كما أوضح وزير الدفاع أمام البرلمان عندما قال: إن تدخل القوات المسلحة لاحتواء الصراعات القبلية جاء خصما على أداء واجباتها القتالية في مواجهة التمرد لأنها اضطرت إلى أن توجه بعض قدراتها البشرية والآلية إلى مكامن القتال القبلي لأن الشرطة لا تملك من الإمكانات ما تستطيع أن تواجه به هذه الصراعات القبلية عالية التسليح بل وتشارك فيه بعض الجماعات المجيشة المستوعبة على هامش القوات النظامية مما يعكس خللاً مؤسسياً تدفع ثمنه القوات المسلحة.

وبالإضافة لكل ذلك فإن حالات الانفلات الأمني الفردية التي تتمثل في قطع الطرق والنهب المسلح واختطاف الأشخاص والعربات والاعتداء على المؤسسات والأفراد داخل المدن وخارجها كلها ممارسات تعكس صورة لوضع أمني متدهور لا يمكن معالجته (بالقطاعي) ولا يمكن تحميل القوات المسلحة مسؤولية الأمن الداخلي في هذا المسرح الكبير، وهو أمر ينبغي على وزير الدفاع إدراكه في المكان الأول؛ لأنه ليس لديه مصلحة في أن يحول القوات المسلحة المناط بها حماية الوطن وسيادته وتأمين حدوده إلى دور الشرطي الذي يواجه مشاكل الأمن الداخلي.

الشيء الغائب في هذه الصورة الشاملة هو الرؤية الاستراتيجية لتحقيق السلام الشامل في السودان من منظور جديد يدرك تماما الأسباب الجذرية وراء كل هذه الأزمات وهو الخلل السياسي والأزمة السياسية المستحكمة التي تؤدي إلى صراع الكل داخل الكل في الوطن الواحد؛ لأن كل الأمور تتركز لدى مجموعة محدودة في غيبة تامة لباقي أهل الوطن ومحاولة فرض تلك السلطة بالقوة. لا بد من مشروع يستمد شرعيته من مشاركة كافة المواطنين ويضع استراتيجيته على أساس تحقيق السلام عبر الحوار الوطني الجماعي والهادف- فالبندقية لن تحل أزمة وطنية والوحدة الوطنية تقوم على رعاية حرمة دماء كافة المواطنين.

كرفتات الدستور أم إبر التطعيم

بقلم : مجدي الجزولي

أعلنت الأمم المتحدة الإثنين الماضي فشلها في تطعيم الأطفال تحت سن الخامسة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) في جنوب كردفان والنيل الأزرق رغم إعلان كل من الحكومة والحركة موافقتهما على حملة التطعيم خلال الفترة 5 إلى 12 نوفمبر الجاري. شحت نفس الحكومة وكذا الحركة آخر الأمر، حيث أصرت الحركة على اجتماع أخير لتنسيق الحملة، الأمر الذي رفضته الحكومة ثم حرنت. معلقا على مزايدات الطرفين، قال جون غنق مدير العمليات في مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن الحكومة والحركة تباريا في طلب الاجتماعات، اجتماع أخير ثم آخر أخير. أضاف غنق في تقرير قدمه لمجلس الأمن أن "الأمم المتحدة وافقت ألا حوجة لاجتماع إضافي لكن إن كان هذا هو المطلوب لإنجاح الحملة سنعقد الاجتماع." لطرفي الصراع أعذارهما، قال غنق، لكنهما لا يدفعان الثمن، بل يدفعه 165 ألف طفل معرضين لخطر الإصابة بالشلل، في وقت أنذرت فيه منظمة الصحة العالمية من خطر انتشار شلل الأطفال في عامة القرن الإفريقي بما في ذلك جنوب السودان.

إن كان من فشل إذن، فهو ليس بأي حال فشل الأمم المتحدة في تطعيم الأطفال وقد استعدت لذلك منذ شهور بل إصرار الحكومة والحركة الشعبية على جعل حملة تطعيم الأطفال مادة للكيد المتبادل، عيونهما تترقب المجتمع الدولي على كتف من سيربت آخر المباراة. يدخل أطفال جنوب كردفان والنيل الأزرق هذا الرهان كورق لعب لا أكثر، أجساد ينفع عدها، حية وكذلك ميتة، لكن لا ترجى حياتها ولا تسوى. مثل هذا الترخص أمام القوى الكبرى علة سياسية وثقافية، لها أصل قوي في الخلق الاستعماري وفي صناعة الدولة ما بعد الاستعمار، الدولة التي طلب الحزب الشيوعي في شبابه تحطيم جهازها القديم وإسعافها بالديمقراطية ست الإسم.

على ذات المنوال، يشتد التنافس الدبلوماسي بين الحكومة والحركة على الفضل الأوروبي. اجترت الحكومة مطلب المؤتمر الدستوري فخرج من فمها وعدا بحوار يجمعها والقوى السياسية المعارضة، سلمية وحربية، هدفه كتابة دستور جديد للبلاد بوساطة أكاديمية ألمانية. نفى ياسر عرمان وجود أي مبادرة من الإتحاد الأوروبي في هذا الخصوص وقال المبادرة من المؤتمر الوطني. في مقابل ذلك، طالب قادة الجبهة الثورية أثناء زيارتهم باريس القوى الأوروبية بالضغط على الخرطوم حتى تسمح بمرور المواد الإنسانية إلى المناطق الواقعة تحت سيطرتهم. ردت الحكومة تقول أن الإتحاد الأوروبي نفى لها رسميا أي لقاء بين مسؤوليه وقادة الجبهة الثورية في باريس أو أي عاصمة أوروبية لمناقشة الصراع في دارفور، وحثت مجلس الأمن أن يحذو حذو مجلس السلم والأمن الإفريقي في مطالبته حركات دارفور الدخول في مفاوضات غير مشروطة على أساس وثيقة الدوحة.

كل ذلك وأمصال الشلل في صناديقها، الإبر معقمة مغلفة، لكن الأطفال يمتنعون. اختار فيلسوف حركة التحرر الوطني الافريقية، فرانز فانون، للمزايدين بشعوبهم عند بلاط القوى الكبرى، عبارة "رجال القش"، عمم وكرفتات لا غير، ولبعضهم دبابير.

ابيي وخض النيّ

بقلم : محمد احمد الضاكر - بابنوسة

أبيي (التلاعب) كما يحلو ويحب اهلها ومحبيها تسميتها بما فيها من جمال وروح خلاقة حيث الراحة النفسية والجسديه والاستقرار وتوفر الماء العذب والكلاْء الاخضر وكل ضروب النشاط الاقتصادي التقليدي من الخيرات التي حباها الله بها ارض ابيي في الظاهر والباطن لتزداد ابيي اهمية اكثر وتكبر في عيون الاخرين بعد اهلها الذين اكتشفوا اهميتها الاقتصادية والاجتماعية منذ مئات السنين.

وتعتبر ابيي قبله الجميع من السودان والمجتمع العالمي ومسرح للصراع بدا بمشروع جامعة هارفارد وانتهاء بمشروع دانفورث (برتكول ابيي ) ليفعل الشيطان فعله وسط هولاء ويقع الضرر علي ابنائها من المسيرية ودبنكا نقوك باشتعال الفتنة بينهم وبتصاعد الصراع ليصل مرحلة التدويل وتتفاقم القضية في كل مرحلة وكل خطوة يحسبها هولاء هي الحل لقضية ابيي.

فالكم الهائل من الاتفاقيات والقرارات واخرها  قرار استفتاء ابيي الذي حدد له يوم 15/10/2013م اخرج المجتمع الدولي والاتحاد الافريقي الذي وجد نفسه عاجزا عن عمل شيء مثله مثل الذين سبقوه منذ عهد نميري في  اتفاقية اديس ابابا.

وحتي قرار محكمة لاهاي 2010م كل هذه السيناريوهات فشلت في إخراج ابيي واهلها من النفق المظلم الذي تسير فيه هذه المشكلة المفتعلة لان اصحاب المصلحة الحقيقية مغبين من مسرح القضية وكل هذه الافعال تمت دون رغبة اهل المنطقة واستشارتهم علي مصير منطقتهم التي هي وجودهم الحقيقي ليصتدم كل قرار خاص بقضية ابيي بالواقع المرير لارض ما رفضه جملة وتفصيلا من الجميع او موافقة طرف ورفضه من طرف اخر.

كل هذا الطبخ الني عجزت من صنعوه من تمريرة ورده عليهم اصحاب المصلحة من الطرفين ( والنيّ مقبل للنار ) المؤكدان التكتيك السياسي في هذه القضية لا ينفع وان الصراع الدائر الان من طرف الحركة وحكومة الجنوب واولاد دينج مجوك نيابة عن دينكا نقوك وبين المؤتمر الوطني وحكومة السودان والساسة من ابناء المسيرية بالمؤتمر الوطني وكل احزاب الشمال التي حللت استفتاء ابيي في مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية للسودان ومن خلفهم المجتمع الدولي والاقليمي جميعهم يقفزون خارج حلبة الرقص .

وكل هذه (الجوطة) الدائرة بخصوص ابيي لن تحل قضية بل تعقدها وتزيد حطب الزيت علي نار الفتنة بين اهلها من الطرفين (مسيرية ودينكا نقوك) فان الحل يكمن في دفع اهل المنطقة من الطرفين بالاعراف المتبادل عليها بواسطة كل اللاعبين المذكورين انفا والرجوع الي صوت العقل خاصة طرف دينكا نقوك وعدم التعصب والتخلي عن فكرة الاقصاء واجراء الاستفتاء من جانب واحد واتباع سياسة الامر الواقع .

ولايمكن ان تكرر التجربة الفاشلة التي قادت الي خراب مدينة ابيي لاكثر من مرة وزعزعة امن الجميع مواطني ابيي وما يسعي له قيادات دينكا نقوك هي تذر حرب بالمنطقة وخراب رابع وخامس  لمدينة ابيي.

علي حكومة جنوب السودان والمجتمع المدني والاتحاد الافريقي نهي دينكا نقوك من مثل هذه التصرفات وتحميلهم مسئولية ما يقع جراء ما يفكروا فيه مع تقديرنا لموقف حكومة جنوب السودان والمجتمع الاقليمي والدولي والادانة والرفض الظاهر لتصرفات قيادات دينكا نقوك باصرارهم علي تنفيذ الاستفتاء من طرف واحد . و هل نسي دينكا نقوك موقف المسيرية الرافض للاستفتاء والرفض القاطع لكل الاتفاقيات الخاصة بابيي وتمسكهم بارضهم عبر قرارات مؤتمر الستيب الشهير .

الحل الطبيعي يكمن في الاحترام والاعتراف المتبادل وتقدير الاليات الموروثة من الطرفين  المتبعة في حللة  مثل هذه الخلافات قبل هذه الخلافات ولابد من تطوير هذه الاليات لمصلحة اهل المنطقة ليعم الامن والسلام الجميع حكومة وشعب في الشمال والجنوب وذلك بالبعد عن المزايدات السياسية والكسب السياسي الرخيص وان نعمل علي ما يرضي الطرفان من المسيرية ودينكا نقوك فان التاريخ عبر الاجيال القادمة لن يرحم الجميع اذا سمح او فرطنا في ابيي بتبعيتها الي الجنوب لان مثل هذا الفعل يعني ذهاب كل مناطق البترول ومناطق حوض النيل وحوض البقارة بولاية غرب كردفان وشرق دارفور الي جنوب السودان وابرزها بحر العرب والميرم وهجليج وبحيرة الابيض وبحيرة كيلك ....

لذا من الخير لنا ان نحل هذه القضية عبر اهلها بدلا من الخض النيّ  بقرارات تدعو للمواجهة اكثر منها  الموافقة والتوافق بين اهل المنطقة ولكي يتم ذلك نكرر لابد من دفع اصحاب المصلحة من الطرفين المسيرية ودنيكا نقوك الجلوس معهم والتفاوض ليصنعوا الحل بانفسهم ورضاهم عبر رقابة واردة جادة  وتخطيط محكم من كل الفرقا المحلين والاقلمين والدولين ... والله الوفق ..

الثورية في باريس .. بلا تطعيم

بقلم : بقلم مجدي الجزولي

يطوف وفد من قيادات الجبهة الثورية هذه الأيام عواصم أوروبية، أولها باريس، بغرض حشد الدعم الدبلوماسي لاقتراح عقد مفاوضات شاملة بين الجبهة والحكومة ، حدد غرضها مالك عقار بقوله: "الوضع في السودان غير قابل للإصلاح. الحد الأدنى والأقصى بالنسبة لنا هو ذهاب هذا النظام". وقيادات الجبهة في باريس أعلنت الحكومة الفرنسية مخططا لإعفاء ما لها من ديون على خمس دول افريقية منها السودان، قرار استقبلته الخارجية بكل حبور داعية الدول الأوروبية الأخرى لإتباع سنة فرنسا. أكد المتحدث بإسم وزارة الخارجية، أبو بكر الصديق، أن الخرطوم أكملت كل الشروط الفنية لإعفاء الديون تحت مظلة مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون مذكرا المجتمع الدولي بوعده إعفاء ديون السودان الخارجية جزاء للخرطوم على تنفيذ اتفاقية السلام الشامل.

تزور قيادات الجبهة من حركات دارفور المسلحة باريس بعد مباراة بيانات بينها ومجلس السلم والأمن الافريقي. حث المجلس في بيان له الشهر الماضي الحركات على قبول التفاوض مع الحكومة فورا وبغير شروط على أساس من وثيقة الدوحة للسلام في دارفور رفقا بسكان الإقليم الذين تزعم الحركات تمثيلهم كما قال البيان. رد الجبهة جاء على لسان أبو القاسم إمام الذي اتهم المجلس بالوقوف إلى جانب الجناة بدلا من الضحايا. قال إمام: "يؤسفنا أن المجلس يدعم القتلة والمجرمين" و"كان أحرى به مساندة أمر المحكمة الجنائية الدولية بإلقاء القبض على رئيس النظام."

على مستوى آخر، لم تفلح لجنة أمبيكي في إقناع الحكومة والحركة الشعبية بترك التزيد في شأن حملة التطعيم ضد شلل الأطفال المنتظرة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة في جنوب كردفان والنيل الأزرق. دعى أمبيكي الحكومة والحركة إلى اجتماع في أديس أبابا في 4 نوفمبر لبحث التفاصيل "الشيطانية" الخاصة بالحملة. تأبت الحكومة وأعلنت وقفا لإطلاق النار من جانب واحد أشهدت عليه أطراف المبادرة الثلاثية، الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، كمثل الذي أعلنته الحركة الشعبية في سبتمبر الماضي، أما التطعيم فتلقوه يا عيال عند الغافل.

الجبهة الثورية في أوروبا مكشوفة الظهر الافريقي سوى غزل كثير الشروط من مصر السيسي تبحث عن الذي ضاع منها بحوض النيل تحت شعاع باهت على شاطئ السين. لو عرضت هذه الخطة يا ياسر ومالك على المرحوم جون قرنق لردها إليكما بتهكم فصيح، فماذا ترجوان من حزب الخضر الفرنسي هذه الساعة وأديس أبابا خطوطها عن الجبهة مشغولة وكذا أسمره وفوق هذه وتلك جوبا. الجبهة الثورية التي تصافح بيد اليسار الفرنسي وبأخرى اليمين الأميركي وتتأفف بالنفس الحار من مجلس السلم والأمن الإفريقي قد تجد نفسها على حين غرة في محل M23 الكنغولية، قاطعة مويه وكهرباء. عاب المرحوم عبد الخالق محجوب على زعماء الحركة الوطنية الذين كانوا يترددون على مصر أوان مقامه فيها طالبا أنهم كانوا يعارضون الاستعمار بغير هدى من نظرية سياسية تفسره، أكتفوا بإثارة العواطف ضد المستعمرين الأجانب دون أن يجني الشعب المؤيد لهم ما كان يصبو إليه، ولا حتى التطعيم يا أب دومة.

إصلاحيو المؤتمر الوطني : نقد الأفكار يجب أن يسبق نقد التجربة

بقلم : بابكر فيصل بابكر

في رسالة ذكيَّة وجَّهتها للدكتور غازي صلاح الدين ورفاقه من إصلاحيي المؤتمر الوطني قالت الأستاذة رشا عوض : ( إياكم أن تقولوا لنا المؤتمر الوطني حاد عن النهج الإسلامي القويم ونحن خرجنا عليه لننشئ حزباً يطبق الإسلام الصحيح ).

أرادت الكاتبة النابهة أن تُحذَّر المارقين على المؤتمر الوطني من خطر الوقوع في فخ تكرار الفشل, فشل إطلاق الشعارات الخالية من المحتوى, ودغدغة العواطف بإسم الدين, وهو الطريق الذي لن يؤدي إلا إلى ما أدَّت إليه التجربة التي خرجوا عنها بعد ربع قرن من الحكم .

ولكن قبل أن يجفَّ مداد قلم الأستاذة رشا, جاءها ردٌ من القيادي بتيار الإصلاح حسن رزق يؤكدُ مخاوفها, و يُبدِّد الآمال في أنَّ الذين خرجوا على الحزب الحاكم قد إستفادوا من الدرس, أو أنهم سينتهجون نهجاً جديداً يتجاوز الأفكار والشعارت التي لم نجن من ورائها سوى الحروب الأهلية والفقر والظلم والتفكك الإجتماعي والتدهور الاخلاقي.

في حوار أجرته معه صحيفة "المجهر السياسي" سُئل الأستاذ رزق السؤال التالي : كيف ستواجهون تحدي فشل تجارب "الإسلام السياسي" ؟

فأجاب قائلاً : ( السودانيون لم يكرهوا ولن يكرهوا الإسلام، إنما كرهوا الذين يتاجرون بالإسلام، ومتى ما تم تطبيق الإسلام بصورة صحيحة، فإنهُ سيجد القبول من الشعب السوداني، ومن المسلمين خارج السودان ).

وقع الأستاذ رزق في المحظور الذي حذَّرت منه الأستاذة رشا بعبارته ( متى ما تم تطبيق الإسلام بصورة صحيحة فإنه سيجد القبول) لأنَّ لا أحد يستطيعُ الإدِّعاء بأنه يعرفُ ما هو "الإسلام الصحيح", وهذه البديهية كان يجب أن تكون الدرس الأكبر الذي خرج به أهل تيار الإصلاح من تجربة حُكم الإنقاذ التي خرجوا عليها.

إن كان هناك درساً واحداً يتعلمهُ الإصلاحيون من تجربة حكم الإنقاذ للسودان فهو ضرورة الإبتعاد عن إقحام الدِّين في أمور السُّلطة والدنيا و الحُكم مرة أخرى بذات الطريقة التي جعلت أصحاب الشعارت البرَّاقة يُهرعون للغنائم والمكاسب والأموال, وحوَّلت الدين لمجرَّد مظاهر وشعائر وشعارات فارغة من المحتوى.

الغريب في الأمر أنَّ الأستاذ رزق قال في نفس الحوار كلاماً يُناقض حديثه أعلاه, وذلك عندما سُئل السؤال التالي : هل توجد أمثلة لحكم إسلامي حقيقية وأصيلة ؟

- فأجاب قائلاً : (المثال الوحيد هو الخلافة الراشدة وتجربة حكم "عمر بن عبد العزيز"، حيث لم توجد تجربة إسلامية غير هاتين لن نجد عليها مآخذ).

الإجابة أعلاه تثبتُ بوضوح أنه لا يوجد شىء إسمهُ "الإسلام الصحيح", وهو الأمر الذي يستلزم بالضرورة وجود شىء آخر إسمه "الإسلام الخطأ", والدليل على ذلك أنَّ الأستاذ رزق لم يستطع أن يذكر مثالاً إلا تجربة الحُكم الراشد والخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وهى الإستثناءات التي تثبت القاعدة.

وقد سبق لنا أن قلنا في معرض سعينا لدحض فكرة وجود "إسلام صحيح" وآخر خطأ أنه لا توجد تجربة إسلامية تحتذي سوى تلك التي إرتبطت بالرسول ( ص) بوصفه مبعوث السماء للأرض وما عدا ذلك فهو مُجرَّد إجتهادات بشرية تحتمل الصواب والخطأ, بما في ذلك تجربة الخلافة الراشدة.

وهذا هو الدرس الذي يُعلمنا لهُ تاريخ الدولة الإسلاميَّة منذ خلاف السقيفة , ومنذ أن سالت دماء المسلمين في الجمل وصفيِّن والنهروان وكربلاء, مروراً بإمبراطوريات المُلك الوراثي العضوض للأمويين والعباسيين والفاطميين, وصولاً لخلافة بني عثمان التي ثار عليها المسلمون في جميع أنحاء العالم الإسلامي بما في ذلك ثورة الإمام "المهدي" في السودان, وانتهاءً بحُكم ملالي إيران و طالبان أفغانستان وشباب الصومال.

إنَّ عجز تجربة القرون الطويلة لأنظمة الحكم الإسلامي عن إنزال ما يُسمى بالإسلام الصحيح لواقع التطبيق العملي سوى بضع سنوات – هي فترة الرسول (ص) - من مجموع أكثر من ألف وأربعمائة عام يعني أنَّهُ لا يوجد منهج متفقٌ عليه و أنَّ التجربة الصحيحة نفسها تجربة فذة وغير قابلة للتكرار.

يقول إصلاحيو المؤتمر الوطني أنهم خرجوا على حزبهم بسبب غياب الديموقراطية والشفافية, ولأنَّ عُصبة محدودة العدد أضحت تسيطر بالكامل على مقدرات الحزب واشتكوا من إنتشار الفساد وغياب المُحاسبة.

إنَّ غياب الديموقراطيَّة و ممارسة الإقصاء وتغييب المساءلة وغيرها من الأدواء لم تأت من فراغ, بل هى نتاج طبيعي للأفكار والمبادىء, هى مولود شرعي للمنهج الذي نشأت وتربَّت عليه قيادات المؤتمر الوطني.

ماذا يتوَّقع الناس من قيادات نشأت على مبدأ "السمع والطاعة" والثقة المُطلقة في القيادة ؟ و ماهى الممارسة المأمولة من كيان يُربي أعضاؤه على أفكار جاهلية المجتمع والإستعلاء بالإيمان والعزلة الشعورية ؟ وماذا يُرجى من أناس زرعت في عقولهم فكرة الخلافة والأمميَّة الإسلامية ؟

مبدأ السمع والطاعة ينسفُ الأساس الذي تنبني عليه عملية "المُحاسبة والمساءلة" لأنَّ المطلوب من عضو التنظيم أن يكون في حضرة قيادته "كالميت بين يدي غاسله", و"الإقصاء" هو بالضرورة الإبن الشرعي لفكرة الإستعلاء على المجتمع, أمَّا "الوطن" فهو لا يعني شيئاً أمام فكرة الأخوة الإسلاميَّة. المأزق إذا هو مأزق الأفكار, وهو المجال الذي يجب أن يبدأ منهُ الإصلاحيون نقد تجربتهم حتى لا تتكرر المأساة.

لا مجال لأن يخرج أحدهم بعد الآن ليقول أنَّ "الإسلام هو الحل" لأنَّ التجربة أثبتت أنَّ الشعارات وحدها لا تصلح لحكم الدول, وأنه لا بُدَّ من وجود برامج مُفصَّلة توضح للناس الكيفية التي سيحلُّ بها مشاكل الإقتصاد والإجتماع والسياسة وغيرها من المشاكل بعيداً عن التمسح بالدين و المتاجرة به لشراء عواطف الناس.

الإسلامُ ليس" ديناً ودولة" بالمعنى الذي يرمي إليه هؤلاء (السلطة), الإسلام دينٌ فقط. إنَّ مُجرَّد ربط الدين بالسلطة يعني إهدار معناه, ذلك لأنَّ السلطة تفسد الآيديولوجيا (العقيدة) وهو إفساد – كما يقول جمال البنا - في طبيعة السلطة ولا يُمكن أن تتخلص منه, وكل نظام يحاول الإقتران بالسلطة بقصد اصلاحها وتطويعها لا بُدَّ أن يقع فريسة لها وبدلاً من أن يكون سيدها يصبحُ تابعها.

ليست الأفكار وحدها هى ما تحتاج للمُراجعة, ولكن المصطلحات أيضاً تحتاج لإعادة نظر تضبط دلالاتها, وفي مقدمتها مصطلح "إسلامي" الذي يُطلق على من يتبع نهج الإخوان المسلمين بفروعهم المُختلفة, وهو مصطلح لا يعرفهُ الإسلام.

الإسلام يعرف "المسلم" (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ), ولا يصحُّ أن ينسب شخص إجتهاده الخاص في فهم الدين للإسلام. هذا المصطلح المُفخَّخ يحملُ في داخله دلالة إقصائية غير مباشرة توحي بأنّ من لا يوصف به لا ينتسب للإسلام.

قد كتب الدكتور غازي صلاح الدين بعض المقالات التي تتضمن محاولة لإستكشاف ردود الفعل حول بعض الأفكار الجديدة كان أهمها على الإطلاق مقاله المنشور بموقع شبكة الجزيرة تحت عنوان "الخبرة التركية في إبتعاث الفكرة الإسلامية" تناول فيه تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في الحُكم, موضحاً الفروقات بين النموذج التركي والنماذج الأخري في الشرق الأوسط.

المشكلة الأساسية تتمثل في أنَّه لم يطرح رؤاه بوضوح يكفي للقول أنَّ أفكاراً جديدة باتت تتشكل في عقول دعاة الإصلاح. وهنا يتبدى بوضوح الفارق بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر, وفي السودان.

في مصر خرجت على الجماعة قيادات عليا من العيار الثقيل من أمثال الدكتور محمد حبيب النائب الأول للمرشد , وعبد المنعم أبوالفتوح نائب المرشد, وكمال الهلباوي مسئول الجماعة في أوروبا لسنوات طويلة, إضافة لأسماء عديدة أخرى من القيادات الوسيطة والشبابية مثل ثروت الخرباوي ومختار نوح وغيرهم.

لم يكتف هؤلاء الخارجون بنقد الممارسة السياسية للجماعة, ولكنهم قاموا بنقد الأفكار والمبادىء الأساسية بشجاعة شديدة, وهو الأمر الذي يفتقدهُ جميع الذين إختلفوا مع المؤتمر الوطني في السودان. وهو أمرٌ مثير للإستغراب و التساؤل, إذ أنَّ نقد سلبيات الممارسة فقط لا يكفي لعلاج المُشكلة, ولا يمنحُ مصداقية لبدايات جديدة.

ولدينا في هذا الإطار أمثلة كثيرة يُجسِّدها أشخاص مثل بدر الدين طه , ومحمد الحسن الأمين, و الحاج آدم يوسف وغيرهم من الذين إنتقدوا تجربة المؤتمر الوطني إنتقاداً مريراً, وخرجوا عليها, ولكنهم عادوا لنفس الحزب وأصبحوا من أكثر المدافعين عنه وعن سياساته التي أدانوها بالأمس !!

إذا أراد إصلاحيو المؤتمر الوطني تسويق سلعة جديدة لمختلف قطاعات الشعب السوداني , فعليهم تقديم بضاعة غير منتهية الصلاحية, وإذا عجزوا عن فعل ذلك فلن يتعامل معهم أحد سوى بعض زبائنهم القدامى, وسيكون من الأجدى لهم عدم مغادرة حزبهم لأنهم حتماً سيعودون إليه في يوم ما, وبطريقة ما.

إتحاد المخترعين والأدعياء

إسماعيل آدم محمد زين

إستمعتُ اليوم لتلفزيون السودان بالصوت فقط و ذلك بواسطة الراديو فقد قاطعته لفترة طويلة زادت عن العامين – منذ فجر الربيع العربي، كان لقاءً مع رئيس الهيئة العامة للمخترعين السودانيين و أمينها العام و من الإسلوب تيقنت أنني أمام أفراد لا يحسنون الحديث و يعوزهم الحس السليم إذ لم يذكروا الذين أسسوا هذا الإتحاد و وضعوا قانونه بل و قاموا بنقده و أخذوا يفتون فيما لا يعرفون! و يحاورهم شباب غر. واصلت بقية الحلقة علي التلفزيون حتي أري الإختراعات و منها عربة لاندكروزر(تاتشر).

إتحاد المخترعين أسسه عبد الوهاب موسي و هو رجل موسوعي و من خريجي جامعة الخرطوم- كلية الآداب و كان ممثلاً لإفريقيا بالوايبو WIPO المنظمة العالمية للملكية الفكرية و لديه إثني عشر إختراعاً مسجلة- منها ماكينة صناعة الكسرة، قلاعة للقطن، و مقعد بلدي للحمامات ذات السعة الكبيرة و غيرها..كان عبد الوهاب يجيد اللغة الإنجليزية و كان له صوت رخيم، لا يقل عن صوت صديقه الطيب صالح ،و في أحد المؤتمرات العالمية تكلم في فيلم من إنتاجه عن ماكينة صناعة الكسرة و كان مؤثراً مما دعا ممثل البي بي سي إلي دعوته للعمل في هيئة الإذاعة البريطانية.كرس عبد الوهاب حياته للإبتكار و الإختراع و كان مثقفاً و لديه إهتمام بالأدب الشعبي و هو الذي قدم الطيب محمد الطيب في التلفزيون . كان يكتب الشعر و لديه مساجلات في هذا الضرب من الفنون.

أما الآن يأتي أُناس لا يفهمون أبسط قواعد و نظريات العلوم ليقودوا الإبتكار في البلاد فيعد من المحن و العجائب! مع جهل بأدوات المعرفة من لغات و مهارات أُخري- هذا إن لم نصفهم بالأمية !أحضروا عربة تاتشر و أضافوا إليها مولد كهربائي ذي قدرة 7.5 كيلوات و بطاريات لتخزين الكهرباء و أدعوا بأنه كلف أكثر من مليار جنيه و أنهم وجدوا مشقة في إدخاله للبلاد و تخليصه من الجمارك! وهنا يبدو الإستهبال و الفهلوة ، ألم يكن في وسعهم شراء العربة من السوق المحلي و إجراء تلك الإضافات عليها؟ و من المعروف أن أي عربة تنتج و تخزن الكهرباء في دورة معروفة!و أطنبوا في التحدث عن العربة و إمكانياتها و إستخداماتها و ذهب أحدهم بعيداً ليخوض في إمكانية تطوير العربة لتعمل دون وقود و ذلك بإعادة إستخدام الكهرباء في تسيير العربة و علق المذيع الشاب بأن هذا الأمر عبارة عن غلوطية، و هي كذلك و هي مشكلة تم نقاشها منذ ميئآت السنين و تُعرف بالبيربتشوال مشينperpetual machine أي الماكينة دائمة الحركة أو ذاتية الحركة و هي تناقض قوانين الطاقة المعروفة و لعل الطلاب يدرسونها مُبكراً.الطاقة الحرارية لن تولد طاقة كهربائية مساوية للطاقة المبذولة.و أعجب به من إتحاد للمخترعين تغيب عنه مثل هذه الحقائق البسيطة!

آمل أن يقوم الإعلام بدوره في التنوير و كشف مثل هؤلاء الأدعياء و إبعادهم عن مثل هذه المواقع الهامة و هم يقومون بدور سلبي في هذا المجال الهام و يسيئون إلي البلاد و ذكاء شعبها- أيضاً يمكن للبرلمان أن يساهم في ذلك و تقديم هؤلاء الأفراد إلي لجان تحقيق يُشارك فيها خبراء من الجامعات و مراكز البحوث مع مسجل عام الجمعيات و النقابات حتي نضمن حسن تمثيل البلاد و تقديم الأكفاء لإدارة هذه المؤسسة الهامة.و يكفي ما نعانيه في تولي أُناس لزمام أُمور لا يحسنوها.وإن لم يحدث هذا الأمر آمل أن يثأر إتحاد المخترعين لكرامته و يرفع دعوي قضائية لرد الشرف و السمعه حتي نتمكن من تعريته تماماً و رد منسوبيه إلي قواعدهم.!

أفراح الإنقاذ الصغيرة أحزان السودان الكبيرة

إسماعيل آدم محمد زين

إعترفت الإنقاذ بجرائرها و جرائمها و ما أكثرها و الآن تذكرنا بجريرة لها عظيمة عندما إستدعت أكثر من 6000 طالباً و طالبة في أُولي سنيها للدراسة بالداخل بدعاوي شتي –تناستها وهي تحتفل ببنيها و بناتها في ماليزيا .و يا لهم من أُناس لا يحسون. ما الذي جد الآن؟ هل فاضت الخزائن؟ أم بنيكم و بناتكم ملائكة محصنون؟
 
أكثر من 6000 طالب و طالبة كانوا في كافة الأصقاع ينهلون من العلم و المعرفة و هم يحلمون بمستقبل زاهر في مسيرة قاصدة(دعونا نستعير لغة الإنقاذ) لو أنهم تركوها لشأنها لأثمرت اليوم آلافاً من الخريجين و ليس 180 ! تم تجفيف ذلك النهر الشعبي لنشهد اليوم جدولاً صفوياً ينهل من ضرع البقرة العجفاء.

أما أؤلئك الذين تم تجفيف نهرهم لم يستطع بعضهم مواكبة الدراسة هنا و تم تدمير حياة و أحلام آخرين و معهم أُسر و أُناس كُثر يأملون.و ها نحن نشهد أُهيل الإنقاذ يحتفلون علناً و علي حساب الشعب الصابر الذي تركوه في أحزان لا تنقضي! و دعوا قناة النيل الأزرق لتنقل عرسهم! بل ذهبوا بعيداً في إقامة المدارس باللغات الأجنبية من الروضة إلي الثانوي و من بعد إلي بلاد الكفر و غيرها و بعد تخرجهم تنتظرهم الوظائف بينما الغبش ينتظرون أعواماً ليعملوا من بعد في تحصيل الأموال في المحليات و هم يجوبون الأحياء الغبراء راجلين! تلاحقهم اللعنات !

هلا تصلحون أخطائكم من بعد إعترافكم؟ و هل تتوبون؟ تعرفون شرائط التوبة؟ الإقلاع ،الندم، عدم الإقدام علي العمل مرة أُخري..و هو  قريب مما تعارف عليه العالم المتمدن حديثاً – الحقيقة والمصالحة و ... و لعلكم تعرفون تجربة جنوب إفريقيا و القس ديزموند تيتو! إذهبوا إلي جنوب إفريقيا و أنقلوا إلينا التجربة! و أحتفلوا من بعد!

يمكن أن يمنحوا تعويضاً مالياً و أن يُرسلوا في منح دراسية أو دورات تدريبية مع الأولوية و الأفضلية و لا تجهل الإنقاذ كيفية تنفيذ هذا العمل ! لعل الله يتوب عليكم...