آراء ومقالات

Recent Posts

Tags

Community

Email Notifications

Archives

October 2013 - Posts

غازي صلاح الدين مبدئية المُفكِّر و ذرائعية السياسي 2

بقلم : بابكر فيصل بابكر

قلت في الجزء الأول من هذا المقال أنَّ من يُريد تصحيح أوضاع كان هو جزءً أصيلاً في صناعتها لأكثر من عشرين عاماً, لا بُدَّ أن يعترف صراحة بالأسباب التي أدَّت إلى الحالة التي جعلتهُ ينتقل لخانة الإصلاح. وقلت كذلك أنَّ هذا الإعتراف يتضمن الإقرار بالأخطاء في منظومة الأفكار والعقائد والقيم (الآيديولوجيا) وبالممارسة السياسية التي أفرزتها تلك المنظومة.

قال الدكتور غازي خلال مخاطبته اللقاء التفاكري لمبادرة سائحون بالقضارف مطلع شهر سبتمبر أنَّ حركة الإسلام السياسي في المنطقة تتعرَّض لإستهداف, ورأى أن تحالفاً داخلياً وخارجياً أدى لإبعاد الإخوان من حكم مصر وقال : ( الهدف القادم سيكون حركة حماس ومن بعدها السودان) وحذر من مغبة الإطمئنان لخطر الأعداء مؤكداً مقدرة الحركة الإسلامية علي حكم الإقليم "لشمولية فكرها" وقدراتها التنظيمية.

الحديث أعلاهُ يوحي بأنَّ الدكتور غازي لم يصل بعد إلى خانة الإصلاح بل ما يزال يردّد ذات الأسطوانة المحفوظة عن المؤامرة والأعداء و الإستهداف الخارجي, ويُضيف إليها حديثاً تكذبه الوقائع عن قدرة حركته الفكرية والتنظيمية على حكم المنطقة.

الدكتورغازي يدَّعي أنَّ هناك تحالفاً "داخلياً وخارجياً" أدّى لإبعاد الإخوان, بينما كل الدنيا تعلمُ أنّ الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة هو من ساند محمد مرسي وجماعته, وهدّد بقطع العلاقات والمعونات من مصر في أعقاب سقوط مرسي, وهو قبل ذلك من مهَّد لوصول الجماعة للحكم بتفاهمات قادها عمر سليمان والمجلس العسكري الإنتقالي وهو الأمر الذي إعترفت به قيادة الجماعة ممثلة في الدكتور صلاح سلطان.

كيف يستهدفُ الخارج حكم الجماعة – يا دكتور غازي - والرئيس مرسي يخاطب في رسالة رسمية رئيس إسرائيل بالقول : ( صاحب الفخامة السيد شيمون بيريز رئيس دولة إسرائيل )، ويستهل رسالته بعبارة (عزيزي وصديقي العظيم )، ثم يختمها بتوقيعه تحت عبارة ( صديقكم الوفي).

إنَّ أكذوبة نظرية المؤامرة لم تعد تنطلي على أحد, وكان من الأجدى للدكتور غازي إن هو حقاً أراد الإنتقال لخانة الإصلاح أن ينظر في الأخطاء الكارثية التي وقعت فيها الجماعة طوال العام الذي حكمت فيه مصر, وهى أخطاء نابعة من "الفكر" الذي يدَّعي الدكتور غازي أنهُ يصلح لحكم المنطقة.

ترى هل قرأ الدكتورغازي رسالة الدكتور حمزة زوبع، المتحدث الإعلامى باسم حزب الحرية والعدالة التي إعتذر فيها للشعب المصري وقال :( أخطأنا بكل تأكيد، وواجب علينا الاعتذار للوطن وللمواطنين عن سوء الأداء بعد أن كلفنا بحمل الأمانة ولم نؤدها على النحو المطلوب ). إنتهى

ها هو أحد أصحاب الشأن في مصر يعترفُ صراحة بالخطأ ويعتذر عنه, فهل يمتلك الدكتور غازي نفس الشجاعة ويعتذر للشعب السوداني عن مآسي حكم جماعته طيلة ربع قرن من الزمان ؟

القدرات التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين التي يدعيها الدكتور غازي تصلح لإدارة جمعيات خيرية ومنظمات شبابية, ولكنها لا تصلح "لإدارة دول", وهو ما اظهرتهُ تجربة السودان أكثر من أية تجربة أخرى, حيث شهدنا العلاقات الخارجية تدار بأسلوب إتحادات طلاب الجامعة, والمصالح القومية يتم التفريط فيها من أجل أوهام آيديولوجية عفى عنها الزمن.

ما جدوى القدرات التنظيمية إن هى لم تُترجم على أرض الواقع في سياسات تجنب البلاد مخاطر الحروب والإنقسامات, وتعالج أدواء الفساد والرشوة ونهب المال العام ؟ ما جدوى هذه القدرات وهى تجعل البلاد تعيش في عزلة وحصار لا ينتهي ؟ وما جدواها وهى لا تؤسس لوطن ينعم جميع أبناؤه بالمساواة والحرية والعدالة ؟

لقد كشفت تجربة حكم الجماعة في مصر – ومن قبلها السودان - بؤس الأداء لرجال تعودوا على إدارة لجان المساجد ووجدوا أنفسهم فجأة يقودون أمَّة بأكملها. وإليك مثالاً واحداً على هذا التخبط في الأداء, فعندما زار الرئيس مرسي موسكو صرَّح بأن موقفه متطابقٌ مع الموقف الروسي فيما يخص الأوضاع في سوريا, وبعد عدَّة أيام عقد إجتماعاً حاشداً لجماعات إسلامية تعيش خارج التاريخ وأعلن فيه قطع العلاقات مع نظام بشار الأسد !!!

رأينا كيف أنَّ "الأدلجة" جعلت الرئيس مرسي لا يأبهُ بقضايا الأمن القومي المصري فيخاطبُ دون إكتراث إيران والشيعة بمصطلح "الرافضة" الذي يستخدمهُ تنظيم القاعدة. ورأينا الكيفية الساذجة التي ناقش بها قضية سد النهضة الإثيوبي مع مستشاريه في الإجتماع "الفضيحة" الذي لم يكن يدري أنهُ منقول على الهواء.

فشل الجماعة وسقوطها – يا دكتور غازي – لم يكن بسبب مؤامرة خارجية أو داخلية بل كان بسبب أفكارها الإقصائية وبؤس أداءها وإستعلاءها وعزلتها عن قضايا الناس, وهو ما عبَّر عنه الدكتور محمد حبيب النائب الأول السابق لمرشد الجماعة في مصر, والذي إنتقل لخانة الإصلاح دون تردد حين قال :

(ما بين صعود الإخوان إلى سدة الحكم والهبوط منها، ظهر ما لم يكن فى التصور أو الحسبان, كانوا فى نهم شديد للسلطة, أصابهم الكبر والغطرسة والغرور, أرادوا الاستئثار بكل شىء, كذبوا على الناس، وحنثوا فى وعودهم, خالفوا ما كانوا يدعون إليه, أصدروا إعلانا دستورياً يجعل من مرسى فرعوناً جديداً، وهو ما أثار الشعب المصرى ضدهم, ارتكبوا أخطاء وخطايا، كان منها القتل والتعذيب, لم يحققوا الاستقرار السياسى، ولم يتخذوا أى خطوة نحو العدالة الاجتماعية أو الانتقالية، ولم يقدموا شيئا بشأن الأزمة الاقتصادية الحادة, فكرة الوطن والديمقراطية والمواطنة ملتبسة لديهم, ندم الناس الذين تعاطفوا معهم يوماً، أو أعطوهم أصواتهم فى الانتخابات). إنتهى

إنَّ حديث الدكتور حبيب أعلاهُ ينطبق بالكامل على تجربة حكم الإنقاذ التي ظلَّ الدكتور غازي جزءً منها طيلة ربع قرن من الزمان.

إذا أردت – يا دكتور غازي – الإصلاح فعليك أولاً بمراجعة الأصول الفكرية لجماعتكم, تلك الأصول التي وضعها حسن البنا وهو يحلمُ بالإستيلاء على السلطة بالقوة مثلما فعل جيش "الإخوان" الذي كان ذراع الملك عبد العزيز الباطشة, ومنه إستلهم البنا إسم جماعته, والتي بنى عليها سيَّد قطب أفكاره بإستلافٍ مشوَّه من أبي الأعلى المودودي.

إخوان السودان – يا دكتور غازي - من أكثر فروع الجماعة إعجاباً بفكر سيِّد قطب, ولم أجدُ إنتاجاً فكرياً لأحد قيادات الجماعة بالسودان – على عكس مصر – يطرحُ نقداً لتلك الأفكار الخطيرة, وفي مقدمتها الافكار الأربعة المُدمِّرة : الحاكميَّة, جاهلية المُجتمع, الإستعلاء بالإيمان, والعُزلة الشعورية.

هذه الأفكار المسمومة - بما تؤسس له من عنف وإقصاء للآخر - هى المسئول الأول عن الفشل الذي مُنيت به تجارب حكم جماعة الإخوان المسلمين, وستكون سبباً لفشلها في المستقبل إن هى لم تقم بإجراء مراجعات جادة تطالها وتنعكسُ من ثم على مناهج التربية الداخلية التي ينشأ عليها الكادر وعلى أساسها يتعامل مع المُجتمع.

إنَّ الإلتباس في فكرة الوطن والديموقراطية والمواطنة لدى جماعة الدكتور غازي يمثلُ البُعد الأكثر أهميَّة في إطار مراجعة الأفكار, إذ أنَّ هذا الإلتباس هو الذي أنتج – بعد ربع قرن من الحكم – دولة شمولية إقصائية قابضة لا تحتملُ حتى الرأي المُخالف داخل الحزب الحاكم, وهو ما أدَّى كذلك للتفريط في جزء عزيز من الوطن, وللتخبط والحصار والعزلة في العلاقات الدولية.

أتيحت لي فرصة قراءة كثيراً مما كتبهُ الدكتور غازي مؤخراً, سواء محاضرات أو مقالات أو نقاشات على صفحات التواصل الإجتماعي أو حوارات صحفيَّة, والنتيجة الأبرز التي خرجت بها هى أنَّ الرَّجل متنازعٌ بين قناعات جديدة تشكلت لديه بعد تجربة الحكم البائس الطويل, وبين ما أصطلحتُ على تسميته ب "أثقال الإنتماء" وهى حالة الشخص الذي قضى جل عُمره في تنظيم سياسي تكونت من خلاله علاقاته الإجتماعية والمهنية وصداقاته وإرتباطاته ( حتى الأسرية منها), وقد إرتبط بمواقف و ذكريات مع أحياء وأموات, إضافة لأمور عملية أخرى تجعل مفارقة ذلك التنظيم أمراً عسيراً.

إذا أراد الدكتورغازي أن يضطلع بمهِّمة التغيير , فعليه أن يعلم أنَّ أوضاع حزبهُ غير قابلة للإصلاح, وعليه قبل ذلك أن يُحدِّد هدفه النهائي بدقة, هل هو يرغب في تأمين مستقبله السياسي عبر المؤتمر الوطني , أم يسعى للإصلاح بروح المُفكر الذي يسعى للتغيير مُتخذاً من الأفكار وحدها غاية لهُ دون حسابات سياسية ذاتية ؟

الخيار الأول لن يسمح للدكتورغازي بالقيام بمهمة الإصلاح كاملة, لأنَّهُ سيمنعهُ من طرح أفكار جذرية تصطدمُ بتوجهات القاعدة التي سيستندُ عليها في تحقيق طموحاته السياسية وبالتالي سيظلُّ يُراوح مكانهُ, يطرحُ أنصاف أفكار لا يصلُ بها لمداها الطبيعي وهو ما سيجعلهُ يبدو في نظر الكثيرين رجلاً متردداً, وبالتالي سيعيقُ أيضاً مشروعه السياسي – إن كان لديه مشروع - لأنَّ التردُّد صفة لا تليق بالقائد السياسي.

الخيار الثاني هو ما سيمنحُ الدكتور غازي – إن هو أراد التغيير حقاً – تصالحاً نفسياً, ومصداقيَّة تجنبهُ الإرتباك في طرح رؤاه, وقد يمثل محطة إنطلاق جديدة له تُحرِّره من عبء حزبه الثقيل و قيوده الكثيرة, وهو ما فعلهُ القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين بمصر الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي أسَّس حزباً جديداً على أسس مختلفة إستطاع أن يجذب إليه قطاعات واسعة من الشعب المصري, وكان من بين المرشحين الثلاثة الُأقرب للفوز بالإنتخابات الرئاسية الأخيرة...

غازي صلاح الدين مبدئية المُفكِّر و ذرائعية السياسي 1

بقلم : بابكر فيصل بابكر

على الرغم من أنَّ الدكتور غازي صلاح الدين كان من ضمن العشرة الذين بدأوا خطوات إزاحة الأب الرُّوحي لنظام الإنقاذ – الدكتور الترابي, إلا أنهُ بعد فترة من الزمن, وخصوصاً عقب إبعاده من رئاسة ملف التفاوض مع الجنوب, بدأ يُظهرُ تمايزاً في المواقف مع قيادة الحزب الحاكم و غطاءها الديني المعروف بإسم الحركة الإسلاميَّة.

أسفر هذا التمايز عن خلاف مكشوف إتضحت معالمهُ عند الإطاحة به من منصبه كمستشار لرئيس الجمهورية, ثم كزعيم للكتلة البرلمانية للحزب الحاكم لاحقاً على خلفية المواقف التي أبداها في مؤتمر الحركة الإسلامية الأخير الذي أظهر فيه الممسكون بزمام الحزب عزماً أكيداً لحرمانه من تولي منصب الأمين العام فعمد هو لعدم الترشح مُتعللاً بالتدخل السافر للحزب في شئون الحركة التي فقدت إستقلاليتها بزعمه.

مواقف الدكتور غازي الناقدة لسياسات الحكومة وحزبها جعلت المراقبين يصفونهُ بالإصلاحي, وهو الأمر الذي أود تناوله في هذا المقال بحسبان أنَّ من يُريد تصحيح أوضاع كان هو جزءً أصيلاً في صناعتها لأكثر من عشرين عاماً, لا بُدَّ أن يعترف صراحة بالأسباب التي أدَّت إلى الحالة التي جعلتهُ ينتقل لخانة الإصلاح.

هذا الإعترافُ يتضمَّن بُعداً يتعلقُ بمنظومة الأفكار والعقائد والقيم (الآيديولوجيا) التي ينطلق منها حزب الدكتورغازي, وهو كذلك يحتوي على بعدٍ عملي مُرتبط بالممارسة السياسية التي أفرزتها تلك المنظومة و كان هو من المُشاركين فيها مشاركة كاملة بحكم موقعه القيادي في الحكومة والحزب.

كتب الدكتورغازي مقالاً مطولاً علق فيه على ما جرى في مؤتمر الحركة الإسلاميَّة وذكر سببين لإمتناعه عن الترشح لمنصب الأمين كان ثانيهما هو ( أن مناخ الشحن والتعبئة الذي أحدثته الأجهزة التنظيمية المذكورة بقبضتها وتوجيهاتها داخل اجتماع مجلس الشورى ، لم يطمئن إلى إمكانية إجراء انتخابات عادلة ونزيهة تعبر تعبيراً حقيقياً عن ضمير الحركة وإرادتها ). إنتهى

إنَّ حديث الدكتورغازي عن عدم إطمئنانه لإمكانيَّة إجراء "إنتخابات عادلة ونزيهة تُعبَّر تعبيراً حقيقياً عن ضمير الحركة وإرادتها" يعكسُ مدى عُمق أزمة المُمارسة المُرتبطة بقضايا الشورى والديموقراطية والشفافية داخل الحركة, وهو ما يستدعي السؤال : إذا كانت هذه هى طبيعة الممارسة في هياكل الحركة التنظيمية الداخلية فكيف إذاً يؤتمنُ أصحابها علي هذه القضايا في الصعيد العام ؟

غير أنَّ الوجه الآخر للأزمة يرتبطُ – للمفارقة – بالدكتور غازي شخصياً, ذلك أنَّ ذات الممارسة التي يعلن رفضه لها اليوم حملتهُ إلى منصب الأمين العام للمؤتمر الوطني في العام 1997, حينها كان الدكتور غازي هو المُرَّشح المسنود من قبل الأجهزة التنظيمية للحركة وبمباركة قيادتها.

قصة ما جرى آنذاك يسردها بالتفصيل الأستاذ المحبوب عبد السلام في كتابه ( الحركة الإسلامية السودانية – دائرة الضوء – خيوط الظلام ), ومنهُ ننقلُ هذا الإقتباس المُطوَّل لأهمية التفاصيل المذكورة :

(مثل الخروج الأوَّل للحركة الإسلاميّة إلى العلن اختباراً .. لمدى تهيُّئها للشَّفافيَّة والديموقراطيّة، فقد اختارت الهيئة القياديَّة مُرشَّحاً جديداً لمنصب الأمين العام للمؤتمر الوطني، يُجسِّد صدق التحوُّل نحو حاكميَّة (التنظيم السّياسي)، وهيمنته على السّياسة والحكم، ويحسم ازدواج الظاهر والباطن لصالح توحيدهما، حركةً إسلاميَّةً غالبُ عملها ظاهرٌ مفتوح في حزب سياسي يتهيَّأ للمنافسة مع أحزاب أخرى في إطارٍ ديموقراطيّ تعدُّدي. وكان المرشَّح الذي اختارته الهيئة القياديّة هو الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، خلفاً للأستاذ الشفيع أحمد محمد. وإذ شَغَل الأوَّل منصب وزير الدولة للشُّؤون السّياسيَّة برئاسة الجُّمهوريَّة، ومنصب وزير الدَّولة بالخارجيَّة، وتولى، في الأطر الخاصَّة بالحركة، وظيفة مقرِّر مجلس الشُّورى، وعضو المكتب القائد، ثمَّ عضو الهيئة القياديَّة، حمل ترشيحه مدى جديَّة الحركة في تأكيد الدَّور المحوري للمؤتمر الوطني في منظومة الحكم والحركة، بعد مرحلة متطاولة ظلَّ هذا الدَّور فيها هامشيَّاً لا يكاد يُذكر.

كان مسرح الانتقال هو المؤتمر القومي العام للمؤتمر الوطني الذي شهده العام 1997م. ورغم أن مرشَّح الحركة الإسلاميَّة لمنصب الأمين العام قد اتفق عليه بقرار الهيئة القياديَّة، إلا أنَّ إصرار كتلة مقدَّرة من ولايات دارفور على إعادة انتخاب الأمين العام السابق، ومقاومة مقترح القيادة، قد حَمَل مفاجأةً لم تعتدها القيادة في إخراج ترتيباتها وتدابيرها للعلن، إذ ظلت تمضي كما كان يخطط لها، من الباطن إلى الظاهر، في سهولة ويسر، طيلة عهد الإنقاذ منذ يومها الأول.

أخذت المقاومة شكل تكتل جهوي انتظم فيه غالب أعضاء الحركة الإسلاميَّة القدامى من دارفور، ومعهم المكتسبون في عهد الإنقاذ .. وإذ بلغت عضويَّة المؤتمر بضعة آلاف، فقد جَذَب موقف دارفور تلقائيّاً موقف نظرائهم في الولايات الأشدّ تهميشاً، لا سيّما ولايات الجنوب. وعلى الفور انتظم تحالف لا يُقاوَم بالإجراء الانتخابي الديموقراطي كما يُحدِّده النظام الأساسي للمؤتمر الوطني، وكما تنظمه لوائحه، فتكتل دارفور والجنوب يُمثل أغلبيَّة تحتاج لمنظومة واسعة من التحالفات حتى تهزم بالغلَبة العدديَّة.

لقد كَشَفت لحظة الانتقال، بما حملت من تكاليف، مواضع الهشاشة والخلل في البناء، فالقيادة ظلت تختار وتقرّر، والقاعدة ظلت توافق وتقرُّ، ولكنها غافلة عمَّا تموج به عضويَّتها من حركة وانفعال يستشعر ظلماً وتهميشاً، ويطلب العدل والإنصاف حتى داخل الصَّفّ التنظيمي. فقد ظلَّ أعضاء الحركة من الأطراف عامَّة، ومن دارفور خاصَّة، يستشعرون مرارة تجاه قسمة المناصب في قيادة الحركة والدَّولة، وآلية توزيع الفرص والمغانم، مهما تكن قليلة محدودة. ومن طبيعة شبكة العلاقات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة التي تنتظم قيادة الحركة ذات المزاج والتوجُّه الشمالي العاصمي الخرطومي باختراقات محدودة في القيادة من الأطراف، إذ أن بقاءها في الصَّفّ القيادي استمرّ بتصميمٍ وإرادة اقتضت مثابرة واصطباراً على الارتباط. وقد حملت قضيَّة المهندس داؤود بولاد في أوَّل عهد الثورة نذراً مبكرة من الضرورة الملحَّة لضبط المعادلة بين المركز والأطراف حتى داخل صفّ الحركة الملتزم، كما كشفت عما يعتمل في الصدور من مرارة، ومشاعر سالبة، لا تتيح الأطر التنظيميَّة، بما تقتضي من أدب والتزامٍ، أن يفصح عنها كثيراً. وهي ذات المشاعر التي تجلت في المؤتمر بالانحياز الدارفوري المطلق نحو الأمين العام السابق، يحالفه الصوت الجنوبي الذي انحاز، بدوره، على قاعدة التهميش الذي يجمع بين الإقليمين ويوحِّدهما ضدَّ شخص المرشَّح الجديد الذي تتجلى فيه كلُّ سمات المجتمع المديني بتنوُّعه وتقدُّمه البائن على ولايات السودان كافة. وقد كانت أكبرها مفاجأة اصطفاف كثير من قيادات الدولة الإنقاذيَّة والحركة الإسلاميَّة، بمن فيهم الأكبر والأقدم من دارفور وجبال النوبة والجنوب، مع مواطنهم في حماسٍ لا يُضاهى.

كما حمل تحدّي الديموقراطيَّة والشَّفافيَّة المبكر داخل أروقة المؤتمر الوطني مدى ضيق أوعيته بحركة قاعدته وطلاقتها في الاختيار. ومثل ذلك اليوم اختباراً أوَّلاً لقيادة المؤتمر الوطني عن مدى قناعتها بالحرّيَّة والشُّورى، الأصول التي أدَّت، بعد سنوات قلائل، إلى انقسام الحركة الإسلاميَّة، كما تجلت في ردَّة الفعل القيادي على تحالف الهامش روح العنصريَّة المضادَّة المشوبة بالاستعلاء وإرادة الهيمنة التي استمرت في السودان، منذ الاستقلال، من المركز على الأطراف، فظهرت على ساحة المؤتمر الوطني، رغم أدبه ووثائقه ونظمه المؤصَّلة على الإسلام، العنصريَّة الحرام التي أشعلت في مُقبل الأيام الفتنة الكبرى في دارفور.

أخيراً لجأت قيادة المؤتمر الوطني في معركتها الضروس لفوز مرشَّح القيادة، وهزيمة تحالف الهامش، إلى إباحة التزوير، وهو خلق استشرى، بغير فقه ولا تقوى، في منافسات الحركة الإسلاميَّة مع خصومها في اتحادات الطلاب ونقابات المهن، وبرعت فيه الأجهزة الخاصَّة للمعلومات والأمن، وظلت تتحالف لإنفاذه وتمام نجاعته عضويَّة الحركة في الأجهزة الشعبيَّة والرسميَّة لتكسب به مقاعد الاتحادات والنقابات، ريثما تستدير بالفوضى على نفسها فتزوّر إرادة قاعدتها داخل حزبها لصالح أجندة القيادة. وإذ أن التزوير ظلَّ سريَّاً ومكتوماً حتى عن الأمين العام للحركة لم يُتح لأيٍّ من أجهزة الحركة أو عضويتها النهي عن منكرِه، ومحاسبة مقترفيه، بل دأبت العناصر الغافلة على إنكاره حتى عندما بلغ خاصَّة أجهزتها ضمن سنن الله في المجتمع والتي تدير الفوضى على من يُمارسها على الآخرين إلى داخل بيته.

لقد بدأ المؤتمر الوطني عهده الجديد بغير تقوى، وأسَّس بنيانه على شفا جرف هار من التزوير، وبتواطؤ تامّ من قيادة في المؤتمر مع لجان الانتخاب، فوَّز مرشَّح القيادة، وهزم تحالف الهامش الذي أراد إثبات إرادته في وجه المركز بالتجديد لمرشَّحٍ لم يكن له كسبٌ كبير في إدارة عمل المؤتمر في مدى السنوات التي تولى فيها المنصب حتى لأقاليم الهامش؛ وقد فاز مرشَّحهم بالفعل، لولا التزوير الكبير الذي اعترى العمليَّة الانتخابيَّة. وأعلنت لجنة الانتخابات فوز الدكتور غازي صلاح الدين العتباني دون إشارةٍ إلى عدد الأصوات). إنتهى

الدكتورغازي مطالبٌ بشدَّة بتوضيح موقفه من هذه الوقائع التي ذكرها الأستاذ المحبوب, و هل كان على علمٍ بالتزوير الذي وقع ؟ أم كان من الغافلين عنهُ ؟ وإذا لم يكن يعلمُ حينها, فماذا فعل لتصحيح الوضع فيما بعد ؟ ذلك لأنَّ من يدعو للإصلاح الحقيقي لا بُدَّ أن يبدأ بتصحيح تجربته الشخصية حتى تكون له مصداقية لدى الآخرين.

نواصل ..........

فاصل آخر من الجحيم القادم!

بقلم : فتحي الضَّـو 14 أكتوبر 2013 ـ يدخل (جوزيف جارسين) بعيون زائغة إلى غرفة فارغة، ليست بها نوافذ ولا مرآة ولا أي أثاث آخر، فقط بها باب واحد، بحسبها جهنم. هنيهةً وينضم (أينيس سيرانو) و (أيستل ريجوه) إلى جارسين، فيُغلق باب الغرفة تلقائياً ويجد الثلاث شخصيات أنفسهم وجهاً لوجه ورابعهم ضمير الغائب. وبسبب ما اقترفوه من مختلف الذنوب في الدنيا، كانوا يتوقعون أن يُعذَّبَوا عَذاباً لا يستثنى أحداً. لكن التعذيب بتلك الصورة النمطية لم يحدث، وعوضاً عن ذلك كان عبر نظرات الآخرين. فشرعوا في التحقق من ذنوبهم وكشف خطاياهم وذلك باجترار ذكريات مؤلمة والتنفيس عن رغبات مكبوتة. في البداية رأى الثلاثة أنفسهم من خلال الأحداث التي تدور على الأرض، ولكن مع مرور الزمن أصبحوا أكثر انعزالاً عن الأرض وما فيها، فصاروا يفكرون في أنفسهم فقط. وعند اقتراب نهاية المسرحية، يصيح جارسين طالباً الخروج فينفتح الباب، لكنه لا يجرؤ على اتخاذ الخطوة الأولى في الخروج خوفاً من المجهول، فيفضل أن يبقى في الجحيم. وكذلك لا يستطيع أي منهم بسبب ما توهموه من حرارة عالية، والتي يتضح أنها مجرد ذريعة نفسية بدافع الخوف من شيء ما!

تلك هي خلاصة المسرحية الشهيرة لفيلسوف المذهب الوجودي جون بول سارتر، والتي خلص فيها إلى أن (الآخرين هم الجحيم) ليفسرها كل منَّا بما استقر في عقله ووقر في وجدانه. أما أنت يا عزيزي القارئ فسودنها كما تشاء، لن تجد مشقة إذا رأيت نافع علي نافع وقد تقمصته روح جارسين، لن يساورك الشك إذا اختبأ الرئيس المشير في ثناياه، ولن تتردد إن تجسد فيه عبد الرحيم محمد حسين أو علي عثمان أو عوض الجاز أو أي من القتلة الذين خضبوا أيديهم بدماء الشعب الأعزل. وتعلمون أن الآخرين موجودون في كل مكان، أما في حالتنا فهم – بلا ريب - سبب بلايانا ورزايانا وتعاستنا وشقاءنا وآلامنا، إنهم يا صاح الجحيم عينه. إن شئت أن تخوض المغامرة فستجد نفسك أمام شخوص يعجز فلاسفة الإنسانية وعلماء النفس والاجتماع عن سبر أغوارها، لأنها ببساطة تنطوي على الذي لم يُدرَّس في قاعة أو ضمته مراجع أو خضع لتنظير.. بل لم يخطر على قلب بشر!

الآخرون همو يا رفيق، فالتعاسات لا تأتي فرادى، تأملوا جيداً هذه الوجوه التي علتها غبرة جراء السلطة وادمانها، وأرهقتها قترة من كثرة التقتيل والدم المسفوك في الأشهر الحُرم والأشهر الحلال. هم الذين أسكرتهم السلطة حتى باتوا لا يُفرِّقون بين الوطن والمحن. إذا سمعوا شعبه يئن من المعاناة قالوا من أين ينبعث هذا اللحن العذب الجميل؟ وإذا رأوا دماء شبابه تسيل حمراء قانية قالوا تالله ما رأينا منظراً أجمل من هذا في الوجود. وإذا أرادوا التقرب إلى الله زُلفى، طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد. كلما ضمرت بطون الناس زادوا شحماً ولحماً وورماً. هم من سلالة مُستبدة لا تشبع من تحقير البشر، ولا تكف عن الإساءة للناس. ففي ذواتهم انحراف سلوكي (بالميلاد). وصفات متأصلة (بالتجنس) هي عُصبة هوايتها تفريغ عقدها النفسية لتشبع غرائزها المريضة. نفوس مليئة بالحقد والكراهية كأنها خلقت من ضلع شيطان رجيم. بينها وبين المحبة خصام وبينها وبين المودة عصيان، عُصبة إن حملت عليها تلهث وإن تركتها تلهث!

على الرغم من أنني على قناعة كاملة بأن العُصبة ذوي البأس هؤلاء، ارتكبوا من الأخطاء والخطايا - على مدى ربع قرن - ما يعجز القلم عن رصده، إلا أنني أضيف بأن سنام هذه الأخطاء والخطايا تمثلت في ردود فعلها الفاشستية التي تعاملت بها لقمع الانتفاضة الحالية (سبتمبر/أكتوبر). ذلك لأن ما حدث بالوقائع التي شاهدها العالم كله موثقة بالصوت والصورة، استمطرت دموع البشر واستنطقت الصخر العصيا. لم يحدث أن شاهد السودانيون قمعاً لمتظاهرين عُزل بتلك الصورة الوحشية حتى في أزمنة الاستعمار البغيضة، علماً بأن المتظاهرين لا يملكون سوى حناجر راعدة وإرادة وطنية صلبة. وطبقاً لذلك فأنا على يقين بأن ما حدث بالأمس ستترتب عليه غداً مطلوبات سياسية وجنائية واجتماعية ونفسية وأخلاقية كثيرة. وتعلمون أن ذلك ليس ببعيد في يوم ستفتح فيه الصحائف وتنصب موازيين العدل. فالتجارب علمتنا أن التاريخ حتى وإن صنعه الأخيار والأشرار معاً، إلا أنه لا يُكتب بالرصاص ولا بقلم (الرصاص) بمثلما لا يُمسح بـ (أستيكة) ولا تسقط وقائعه بالتزامن!

على الرغم من قناعتي أيضاً أن العصبة الحاكمة تجردت من كل ما يمت إلى البشر بصِلَة، إلا أنه بلغني من مصادرهم العليمة، أن أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، وقد حدث ذلك أثناء اجتماعاتهم التقيمية السرية للتظاهرات. إذ تجرأت فئة واستهجنت العنف المفرط - كما قالوا - في التعامل مع المتظاهرين. لم أندهش وقلت لمن سمعت منه إنني أصدقه، ولكن ليس لأن مشاعر إنسانية تلبست عصبته على حين غرَّة، أو أن نوازع الخير غلبت مدد الشر في نفوسهم، ولكن ببساطة لأنهم رأوا في الضحايا المصير الذي ينتظرهم في الغد المأمول. فكان من الطبيعي أن يجفل النوم مع عيونهم، وظني أنهم استجلبوا له _ أي النوم - من المهدئات والمسكنات والمنومات ما يمكن أن يجُبُوا به (أهل الكهف) بلا جدوى! لكن قل لي يا من تلُوم ولا تُلام، كيف تنام عين من ثقبت أذنه بكاء الثكالى، وكيف يهدأ بال من رأى في الصحو أطفالاً قُتلت براءتهم وشباباً أُزهقت أرواحهم ويُفعاً هُتكت أعراضهم.

وبعد كل ذلك، رأى في المنام أنه سيُذبح ولم يجد من يفدِه بذبح عظيم!

لقد زلزلت الانتفاضة الأرض تحت أقدام العصبة. فتوارى نهج الغرور والعنجهية والاستعلاء، بل عندما تزكَّت نيرانها واشتد أوراها، توارى صنّاع النهج الزائف عن الأنظار كما تتوارى الجرذان في جحورها. ومن سخرية الأقدار أن المشروع الحضاري بكل صيته الذي ملأت به العصبة الآفاق، لم يجد من يدافع عنه سوى المؤلفة قلوبهم الذين جُبلوا على الدجل والكذب والنفاق أمثال أحمد بلال وخالد المبارك، وثالثهم ربيع عبد العاطي الذي ظل باسطاً ذراعيه بالوصيد عند كل قناة فضائية لدرجة أصبح فيها مثار سخرية الإعلاميين العرب! عموماً لم يحن جرد الحساب بعد، فالانتفاضة ما زالت مستمرة. ونعلم علم اليقين أنها ماضية في طريق الجحيم نفسه وهذا ما استقرأناه من دروس التاريخ. ولأنها انتفاضة كرامة ضد الذل والمهانة فهي تعلو ولا يُعلى عليها. كلنا يعلم أن حديث المشير غير المسؤول عن المن بالمأكل والمشرب كان بمثابة عود الثقاب الذي أشعل التظاهرات. ولأن الديكتاتوريات على أشكالها تقع، لو أنه قرأ تاريخ السودان بعناية لأدرك أن ما تفوه به هو نفس الحجارة التي قذفنا بها صنَّوه المخلوع جعفر نميري من قبل. ومن عجب فهو لا يرعوي فقد أعاد طعن الكرامة السودانية بما هو أنكىء، إذ وصف المتظاهرين (بالخونة والعملاء وقطاع الطرق) فتأمل!

بيد أنه ليس وحده، فثمة من استمرأ الذاكرة الغربالية التي وُصمنا بها ولا ننكرها. فما أن هدأ مثار نقع المظاهرات فوق سمائنا، إلا ورأينا المرجفين في المدينة يستلون أقلامهم ليحدثونا عن انتفاضة موءودة وينتقصون من قدر شهداء رووا بدمائهم الطاهرة ثرى وطن مكلوم. قرأناهم وهم يجمعون الغنائم ويقسمون الولائم ويطرحون (المناقصات) ويضربون الذل والمسكنة. رأيناهم وقد حبسوا أنفاسهم بجسد لا يكل وقلب لا يمل من سلطة تأتي منقادة تجرجر أذيالها. آخرون كانوا كما في جحيم سارتر يصنعون من الشر جيوشاً ويخشون مصيراً كمصير من يفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. هؤلاء يعرفهم الناس بسيمائهم التي انطبعت على كتاباتهم ولحن القول الذي يستتبع مواقفهم. لا يجدون في أنفسهم حرجاً في تغيير السلاح من الكتف اليمين للكتف اليسار دون أن يكروا البصر مرتين أو حتى يطرف له جفن. لقد كشفت الانتفاضة عورة المثقفين الكذبة الذين برعوا في التدجيل والتخذيل والتيئيس، وتناسوا أن الحقيقة تظل ناصعة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها!

بوسعي أن أحصي لك يا عزيزي القارئ من الأسباب التي تجعل نار الانتفاضة متقدة ما يمكن أن يكل متني عن خطه وترهق عينيك قراءته. ليس لأن الظروف السياسية والاقتصادية التي أوجدتها ما زالت قائمة وليس لأن السلطة الغاشمة لا تملك لها حلاً ولا تستطيع معها صبراً، ولكن الأسباب نفسها وأكثر تمددت وانتفخت وتفاقمت بعد الدم المسفوك. هل بلغك بعدئذ نبأ الذين شيعوا ما سمي بـ (التسامح السياسي السوداني) إلى مثواه الأخير، هل بلغتك سيرة الطيبين الذين اسقطوا من قاموسهم (عفا الله عما سلف) فقد يعفو الله فهذه واحدة من صفاته واسمائه الحسني جل وعلا، أما الشعب فلا يظن أحداً أنه فاعل!

إنها انتفاضة الكرامة لو كانوا يسمعون، وما رفع الدعم عن المحروقات سوى سطر أخير في كتاب لا يمسه إلا الثوريون!

آخر الكلام: لابد من الديمقراطية ولو طال السفر!

ونافع ذاتو لو طلع بره الوطني ما عندو شيء

بقلم : بشير عبدالقادر

بعد الترحم على شهداء الوطن والتضرع لله بأن يقبلهم القبول الحسن وينزلهم مع الصديقين والانبياء وحسن أؤليك رفيقاً   "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ " .

يمكننا القول بإنه إن لم يكن لهذه الثورة  فخر سوى شرف كسر عنجهية الدكتور نافع علي نافع لكفاها شرفاً، فنافع هو  رئيس جهاز الأمن في الفترة من نوفمبر 1989م  الى سبتمبر 1995م  ومؤسس بيوت الأشباح وما أدراك ما بيوت الاشباح، التي كتب عنها الدكتور فاروق محمد إبراهيم " فقد تعرض ذلك الشاب لتعذيب لا-أخلاقي شديد البشاعة، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن فقد عقله وقام بذبح زوجته ووالدها وآخرين من أسرته" !!!،  في حين يقول دكتور نافع عن فترة رئاسته " ماكان ينبغي لي ان اعمل غير ذلك ، أنا مقتنع بأنني عملت جهدي، والعبرة عند الله سبحانه وتعالي بالجهد، وارجو أن أكون قد نلت الدرجة الكاملة في الاجر"، "أحسن ما في الجهاز، كان فيه مجموعة من البشر متجردة، كانت ترى أن مراعاءة حق الله تعالى وحق عباده أهم لها" !

نعم كسرت عنجهية الدكتور نافع علي نافع وجعلته يعلم علم اليقين بأن عهد البطوليات والعنتريات وإرهاب الشعب السوداني قد ولى، ويدرك إدراكاً تاماً بأنه ليس سوى نمر من ورق، طغى وتجبر على عباد الله المساكين وإنتفخت أوداجه فصال وجال كالأسد الضرغام وهو يهدد ويتوعد الشعب السوداني خلال 25 عاماً !!!

 لا يهدد من تصفهم الإنقاذ بأعداء السودان من دول الصهيونية والامبريالية العالمية، قال نافع في شندي "معركتنا ليست مع ضل الفيلة بالداخل وإنما مع الفيلة بالخارج" !! لا ولا حتى تهديد دول الجوار الهشة التي إقتطعت عنوة وإقتداراً "حمرة عين" جزء من تراب الوطن الغالي في حلايب والفشقة !!!  بل يتوعد المسكين "الما لاقي حق الرغيف" !!! وقال "ان المعارضين عبارة عن لقطاء لا يوجد لهم اي تأييد او سند من قبل الشعب السوداني".

إذن بدأ تحجيم الدكتور نافع علي نافع من أسود الشعب السوداني حين زيارته لمدينة "لندن" ومحاولة ضربه"بكرسي" من أحد المواطنين الشرفاء، "كسروا نافع في السفارة، ضوقوا الذل والحقارة" ولكنه "أكلها في حنانه" وهرب راجعاً من لندن إلى السودان . ولكن بعد أن إزداد حقداً على الشعب السوداني، إذن رجع وواصل إذاقة الشعب السوداني الأمرين : "الجوع والخوف" فأزداد بطشأ وتنكيلاً بكل من خالفه الراي ، قال عنه عبدالغني أحمد إدريس "يرى الحسم والقطع أقصر الطرق بأي وسيلة كان الحسم باليد )المال أو السلاح( أو اللسان "، وذكر عبدالغني أن نافع هو القائل في 13 اغسطس 2012 م بولاية نهر النيل "إن من يحاول أن يخرج على وحدة الصف فمصيره الهلاك" !!!  بل هدد معارضي الأنقاذ بالقبر حتى قال الصادق المهدي "نافع يهدد الجميع بالقبر بما فيهم مخالفيه الرايء في المؤتمر الوطني"

ثم كُسر صلف الدكتور نافع بل وصل لدرجة الإهانة عندما واجهه الشاب الثائر محمد حسن عالم البوشي "تسلم البطن الجابتك" بكلمات جرئية صادقة ناصحة نزلت برداً وسلاماً على قلوب الغلابى من الشعب السوداني وكان لها وقع سياط من لهب على الدكتور نافع علي نافع وجوقة الإنقاذ، ولم يستطع الرد بالكلمات ودحض تلك الحقائق بل أرغي وازبد، وتم إعتقال أو إختطاف الشاب الجريء البوشي وألقي به في بيوت الإشباح ولم يعرف له مكان !!!  ولولا لطف الله وستره ووجود الاعلام الدولي والعالمي لربما كان لم ير الشمس بعدها أبداً،  بعد أن يكون عذبه الدكتور نافع علي نافع بنفسه، وكيف لا يمكن أن يفعلها وله سابقة إعتقال وتعذيب وضرب إستاذه سابقاً ثم زميله بجامعة الخرطوم الدكتور فاروق محمد إبراهيم !  كتب دكتور فاروق في 13/11/2000م رسالة للبشير ومما جاء فيها " ولم يتجشم الدكتور نافع، تلميذي الذي صار فيما بعد زميلي في هيئة التدريس في جامعة الخرطوم، عناء التخفي وإنما طفق يستجوبني عن الأفكار التي سبق أن طرحتها في الجمعية العمومية للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، وعن زمان ومكان انعقاد اللجنة التنفيذية للهيئة، ثم عن أماكن تواجد بعض الأشخاص -كما ورد في مذكرتي- وكل ذلك من خلال الضرب والركل والتهديد الفعلي بالقتل وبأفعال وأقوال أعف عن ذكرها. فعل الدكتور نافع ذلك بدرجة من البرودة والهدوء وكأنما كنا نتناول فنجان قهوة في نادي الأساتذة" !!!

لكن هاهي الثورة المباركة إنطلقت وهاهي جموع الشعب السوداني تثور في كل المدن بلا إستثناء، في الجنينة وكسلا وبورتسودان والجزيرة والقضارف وسنار بل حتى في ضواحي الخرطوم كرري وفي قلب أمدرمان في ودنوباوي وأمبدة وفي قلب الخرطوم الصحافات وجبرة وبري، وفي بحري شمبات، فلم يخاف أؤليك الشباب من مواجهة الرصاص الحي والرصاص المطاطي وواجهوا الموت برجولة عبدالقادر ود حبوبة وإبتسامة محمود محمد طه !

حاول الدكتور نافع علي نافع أن يظهر شجاعة كاذبة وأنه الوحيد من رجالات الإنقاذ الذي لم يختبيء حين إشتدت المظاهرات في الايام الاخيرة من شهر سبتمبر 2013م، فذهب يتبختر ممثلاً لحكومة الإنقاذ ليقوم بواجب العزاء في الشهيد صلاح السنهوري، فإذا بأبناء الشعب السوداني يطردونه من بيت العزاء وهرب الدكتور نافع علي نافع كالفأر المذعور من مجرد تظاهرة في بيت عزاء تتابعه صيحات "ألحس كوعك وأطلع بره" !  نعم طرد وأهين ولولا أن جماهير الشعب ترفقت به تأدباً وإحتراماً لسماحة الخلق السوداني وهيبة ووقار "بيوت" العزاء لجعلته يندم على كل تحدى سبق وأعلنه في وجه ذلك الشعب الأبي.
 
ويبقى السؤال هل أدرك الدكتور نافع علي نافع أخيراً بأنه يمكن أن يفتك به في قلب الخرطوم وفي بيت عزاء، فما بالك إذا ذهب لأهالي منطقة الطينة أو الحماداب، ناهيك عن جبال النوبة وجنوب كردفان !!!  وفوقها هل علم بإنه إن حصل وعصمته بطانته لفترة من الزمان فمن يعصمه يوم ) لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم.

 ونحن إذ نترحم على الشهداء، نتمنى أن يتبرى الجميع من نافع علي نافع بمن فيهم أهله،  لأنه ليس من أهلهم  بل هو من عينة أبن نوح  الذي قيل فيه" قال يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ " ، خاصة وأنه كان البادي "بالتبري" من كل من لا ينتمي لحزب المؤتمر الوطني !!! .

أو لم يقل الدكتور نافع في شندي  "نقول لهم من شندي انو الصقر كان وقع كترة البتابت عيب.... ان أي شخص خارج الوطني (منسي) ولا يسوي شيئا ولا توجد له قيمة .." ، وأنطقه الله الذي أنطق كل شيء بأهم  ما في الجملة فقال "ونافع ذاتو لو طلع بره الوطني ما عندو شيء" !!!.

أنشد محجوب شريف
” مساجينك مساجينك
نغرد فى زنازينك
عصافيرا مجرحه بى سكاكينك
نغني ونحن في أسرك
وترجف وأنت في قصرك
سماواتك دخاخينك

برغمك نحن ما زلنا
بنعشق فى سلاسلنا
بنسخر من زنازنا
وبنسخر من زنازينك

للسودان مواقفنا
وللسودان عواطفنا
ولما تهب عواصفنا
فما حيلة قوانينك"

ثورة مصر في منظور انقلاب السودان

بقلم : كمال الجزولي

يكاد السودان يكون الأكثر إغواءً بين بلدان المنطقة لمحللي تأثيرات الأحداث المصرية الراهنة، لكون الجيش هو الذي لعب الدور الحاسم في حل قضية السلطة هنا وهناك، بصرف النظر عن المفارقة القائمة عملياً في وقوع ذلك، بالنسبة للنموذج السوداني، لصالح تحالف عسكري/إسلاموي أزاح نظاماً ديمقراطياً تعدديا، وبالنسبة للنموذج المصري لصالح تحالف عسكري/حزبي أزاح رئيساً إسلاموياً منتخباً.

أما نظرياً، فإن الصراع المحتدم في مصر حول تقدير ما وقع بين "الثورة والانقلاب"، وإن كان بلا مثيل حتى الآن في النموذج السوداني، لانعدام أي خلاف بين معسكري الحكم والمعارضة حول تقدير ما وقع هنا، قبل زهاء ربع قرن كـ "انقلاب" خالص، إلا أن انفجار هذا الصراع غير مستبعد مع تصاعد الأحداث خلال الفترة القادمة!

(1)

يتجلى التناقض النظري بشأن "العلاقات المدنية العسكرية" سودانياً ومصرياً في كون إسلامويي النموذج السوداني يحتاجون -قطعا- إلى "المواضعات الجديدة" التي ما انفكت تبرر منذ حين لتدخلات الجيوش في السياسة، كاسحة أمامها جملة "المواضعات القديمة" المغايرة، وذلك كداعم إضافي لـ"شرعية القوة" التي اعتمدوها منذ انقلاب الثلاثين من يونيو/حزيران 1989.

في المقابل، يحتاج إسلامويو النموذج المصري -يقينا- إلى مواصلة الإعلاء الشعاري من شأن "قوة الشرعية" لمناهضـة حـراكات 30 يونيو، و3 يوليو 2013، ودحض "المواضعات الجديدة" التي لو استقرت في قلب العقيدة السياسية المصرية لأضحت وبالاً على مستقبلهم السياسي في الأمداء القريبة والمتوسطة والبعيدة، وتلك -لعمري- مفارقة أخرى!

تاريخياً، ساد في التنظير والعمل أن النمط التقليدي لتدخل الجيش في السياسة هو "الانقلاب العسكري" الذي يعتبر -وفق أعمِّ تعريفاته- مؤامرة سرية مسلحة ذات طابع صفوي، تستهدف السلطة، فحسب، معبرة عن مصالح طبقية ضيقة، غالباً ما ترتب لأوضاع شمولية، رغم الديماغوجيا التي تصاحبها عادة، لتعلي من بروباغاندا "مصالح الجماهير"! بالمقابل ساد أيضاً رجحان كفة "الخيار الديمقراطي" المتولد عن "الثورة"، كفعل جماهيري جهير، شديد الوسع، تعبيراً عن المصالح الطبقية لأغلبية المجتمع في تفكيك النظم الاقتصادية السياسية والاجتماعية الثقافية القائمة، واستبدالها بأخرى تكفل التغيير الراديكالي الشامل.

في ضوء هذا الفهم، وعلى حين تكاد لا تنتطح عنزان، مصرياً كان، أو عربياً، أو عالمياً، على أن ما وقع في 25 يناير 2011 هو ثورة شعبية كاملة الدسم، فإن الجدل ما زال يدور ساخناً داخل وخارج مصر، حول توصيف الأحداث التي وقعت في 30 يونيو، و3 يوليو، فضلاً عن 26 يوليو 2013، بين فريقين، يدعم أحدهما "المواضعات الحديثة" لتدخل الجيش في السياسة كـ "ضرورة ثورية" لصالح "التغيير الديمقراطي"، بينما يتمسك الآخر بـ"المواضعات القديمة" الرافضة لهذا التدخل باعتباره محض "انقلاب عسكري" يعرقل "الديمقراطية"، إن لم يجهضها تماماً.

(2)

المقصود بالعلاقات المدنية العسكرية علاقات المجتمع المدني ككل بالمنظمة العسكرية المنشأة لحمايته، أو علاقات السلطة السياسية في الدولة بشقها العسكري. وقد ذهبت كل "المواضعات القديمة" إلى ضرورة خضوع "الشق العسكري" إلى "الشق المدني".

وكان أستاذ العلوم السياسية الأميركي بجامعة هارفارد صامويل فلبس هنتنغتون -الذي درس هذه العلاقات- قد أكد ضمن كتابه "الجندي والدولة" عام 1957م على ضرورة إبعاد الجيش عن السياسة، حفاظاً على مهنيته، وصونا لكفاءته، وحماية للديمقراطية.

كما نشر في ستينيات القرن المنصرم بحثاً عن "النظام السياسي في مجتمعات متغيرة" عرض من خلاله لنظرية التحديثيين حول كفالة التقدم الاقتصادي والاجتماعي لديمقراطيات مستقرة في البلدان الحديثة الاستقلال. لكن "المواضعات الحديثة" ظلت تقاوم هذا الطرح، مستندة إلى ما شهده تاريخ علم السياسة المعاصر من تجاذب نظري لافت حول علاقة الجيش بالسياسة.

أومأ بشير عبد الفتاح إلى هذا الصراع ضمن مقالته "مصر بين أوهام الثورة وهواجس الانقلاب"، فأشار إلى الجهود العلمية التي كُرِّست لنقد نظرية هنتنغتون المشمولة بكتابه "الجندي والدولة" بالذات.

فقد ذهب عالم السياسة والتاريخ البريطاني صامويل إدوارد فاينر إلى وجوب استثناء الدول النامية وغير الديمقراطية من طرح هنتنغتون، على خلفية ما وصفه بخصوصية الأدوار التنموية والسياسية للجيوش في هذه الدول!

كما سدد الباحث الأميركي أوزيان فارول في مؤتمر كلية نيويورك للقانون مطلع العام الجاري نقداً جديداً لنظرية هنتنغتون، لافتاً إلى أن الجيوش الوطنية المتماسكة، والتي تؤمن قياداتها بالديمقراطية، يمكن أن تضطلع بدور الحارس والضامن لعملية الانتقال الديمقراطي، بالنسبة للدول التي تعاني نخبها المدنية من العجز عن تحقيق الديمقراطية. وفي هذا الإطار اعتبر فارول الجيش المصري بالذات مؤهلاً لهذه المهمة في مرحلة ما بعد مبارك (الجزيرة نت 26 يوليو/تموز 2013).

(3)

لم تتسبب أحداث مصر في 30 يونيو، و3 يوليو 2013، فقط، في تشتيت معظم المواقف العربية، عموماً، والسودانية خصوصاً، حول "المواضعات القديمة" لهنتنغتون، و"المواضعات الحديثة" لنقاده، تماماً كما نثار الحديد على سطح ورقة تتحرك تحتها قطعة مغناطيس، وإنما دفعت حتى بمواقف بعض القادة في أعرق الديمقراطيات العالمية إلى التزحزح عن ثوابت "المواضعات القديمة" الراسخة، وتبني "المواضعات الحديثة" التي لا ترى تثريباً على تدخل جيوش بعض الدول في السياسة!

أبرز هؤلاء توني بلير رئيس الوزراء وزعيم حزب العمال البريطاني السابق والمبعوث الخاص لرباعية الشرق الأوسط، فقد تجرأ على "الديمقراطية" من أعتى معاقلها بقوله إنها "ليست وحدها التي تحقق فعالية الحكم"، وإنه "لم يكن أمام الجيش المصري من خيار سوى الإطاحة بمرسي، استناداً إلى قوة الحراك المعارض في الشوارع، أو ترك البلاد تغرق في الفوضى.. فنزول 17 مليون شخص إلى الشوارع ليس مساوياً لنتيجة الانتخابات، لكنه يمثل في ذات الوقت تمظهراً أخاذاً ومذهلاً لإرادة الشعب!" (موقع الأوبزيرفر على الشبكة العنكبوتية 7 يوليو/تموز 2013).

وصف بلير تلك الأحداث بأنها مثال للتفاعل بين الديمقراطية والاحتجاج، وفعالية الحكم. فالديمقراطية كنهج لتحديد من يتخذ القرار ليست بديلاً -على حد تعبيره- عن اتخاذ القرار نفسه.

فالناس، إذا ووجهوا بفشل الحكومات -حتى المنتخبة- أو إذا شعروا بأن ثمة طغمة في قمة السلطة تسد عليهم طريق التطور يبدؤون في الاحتجاج، دون انتظار للانتخابات التالية.

ويسمي بلير ذلك بالروح الديمقراطي الحر الذي يتجلى خارج المعهود في "الديمقراطية" من أن صناديق الاقتراع هي التي تقرر الحكومة، ويعزو الانتعاش المتسارع لهذه الروح بالتسارع الهائل في انتشار وسائط التواصل الاجتماعي التي تعتبر في حد ذاتها ظاهرة ثورية. أما الحكومة التي يعجزها دحض مبررات هذا الاحتجاج فتواجه المتاعب.

ويضرب بلير مثلاً لذلك بمصر التي فاقم من مشاكل حكومتها المنتخبة الاستياء الشعبي الواسع من الأيديولوجيا الإخوانية المتشددة التي فرضت على حياة الناس اليومية. ومن ثمَّ انفتح الحوار -في مصر والشرق الأوسط كله- حول علاقة الدين بالسياسة، حيث بدأ الناس يقتنعون بإمكانية أن يلتزم المجتمع بالفروض الدينية. ومع ذلك تشتغل الديمقراطية فيه كمفهوم تعددي تُحترم فيه المعتقدات، كصوت لا كفيتو.

وربما تجدر هنا ملاحظة أن بلير ختم مقالته بدعوة الغرب لمساعدة الحكومة المصرية الجديدة في إحداث التغييرات الضرورية، خصوصاً في الاقتصاد، كي تستطيع العودة بمواطنيها إلى صناديق انتخابات "ديمقراطية" تلائمهم!

مصرياً، تطابقت مع رؤية بلير غالبية المواقف الليبرالية واليسارية التي رأت أنه لم يكن أمام الجيش من خيار سوى الانقضاض على نظام الإخوان، أو يأذن بحربهم على الدولة والمجتمع والجيش والشعب جميعاً، من القاهرة إلى سيناء (انظر مثلاً: خليل كلفت، موقع "الحوار المتمدن" على الشبكة 11 أغسطس/آب 2013).

(4)

تتفاوت الدول العربية في مشهد الديمقراطية والاستبداد، حيث ".. هناك أقطار عديدة أصبحت فيها التعددية أمراً قانونياً مشروعاً ومستبطناً في ذاكرة النظام السياسية، وهي في مرحلة يمكن أن نطلق عليها [ما قبل ديمقراطية] أي تمهيدية. وهناك أقطار أخرى تشكل التعددية فيها أمراً واقعاً ليس من الممكن التراجع عنه، بالرغم من أن السلطات تقوم بكل الإجراءات القانونية وغير القانونية لتفريغها من مضمونها، ووقف الحراك السياسي.

وهناك -بالمقابل- أقطار تفتقر كليا للتجربة السياسية التعددية، بل لمفهوم السياسة وحدود ممارستها الدنيا، وتخضع لقوانين الاستثناء الدائمة التي تحولت إلى قوانين الحالة الطبيعية" (برهان غليون، "آفاق الديمقراطية في البلاد العربية"، موقع مجلة "بريق" على الشبكة العنكبوتية، أكتوبر 2009م).

وبينما تنتمي مصر -برأينا- إلى المجموعة الأولى، فإن السودان يمثل -يقيناً- أحد أبرز أقطار المجموعة الثانية التي أضحت "التعددية" فيها "أمراً واقعاً" لا يمكن التراجع عنه. ولعل هذا بالذات هو ما جعل النضال من أجل "استعادة الديمقراطية"، كلما جرى الاعتداء عليها قانوناً ثابتاً للثورة السودانية.

اشتباك النموذج السوداني مع قضية "الديمقراطية" ناجم من جمـلة عوامـل تاريخـية، إذ عرف السـودانيون ".. نظام الشورى الذي هو لبُّ الديمقراطيّة منذ عهود تضرب في أعماق التاريخ. فملوك كوش القدماء كان ينتخبهم زعماء القبائل، وملوك الفونج وشيوخ العبدلاب كانوا يُختارون بنفس الطريقة .. صحيح أن الديمقراطية البرلمانية نشأت في الغرب مع الثورة الرأسماليَّة، وانهيار النظام الإقطاعي، ولكننا كنا نمارس مضمون الديمقراطية القائم على الشورى قبل ذلك العهد بكثير جداً" (ع. الخالق محجوب، دفاع أمام المحاكم العسكرية، ط 1، دار عزة، الخرطوم 2001م، ص 66).

وفي التاريخ الحديث، انعقدت حلقات النضال منذ بواكير الحركة الوطنية، ليس على الاستقلال عن الاستعمار كيفما اتفق، وإنما على بناء دولة "ديمقراطية" مستقلة، ولذا شكَّل الارتباط الجدلي بين النضال من أجل "الاستقلال" والنضال من أجل "الديمقراطية" الشرط التاريخي الذي أنتج باكراً حركة شعبية واسعة، متنوعة، ومنفعلة، بحكم تكوينها، ومنطق قانونها الباطني الخاص، بالحريات والحقوق الديمقراطية، كنقابات العمال، واتحادات المزارعين، وروابط المهنيين، وتنظيمات الشباب، والنساء، والطلاب، وغيرها.

ولعل من أهم أسباب فشل الحكم "الشمولي" في السودان -بعد الاستقلال وحتى الآن، على تطاول فتراته- أن تعدد وعدم تناسق تكوينات بلادنا الاقتصادية السياسية، والاجتماعية الثقافية، كان -وما زال- هو الأساس الموضوعي لتعدد القوى السياسية التي تعوِّل عليها الجماهير في حل مشاكلها في كل من المركز والهامش.

لذا، فمما لا يناسب النموذج السوداني البتة التنظير الرامي لإدراجه ضمن "المواضعات الجديدة" التي تبرر الانقلابات العسكرية كوسيلة لحل قضية السلطة، مهما تفانى في تزيينها منظرون من سنخ فاينر، أو فارول أو بلير، وبالغاً ما بلغ تبنيها عربياً أو سودانياً.

(5)

نخلص إلى أن الأجدى بالنسبة لنا في السودان من الانغماس في هذا الجدل -رغم تقديرنا لدواعيه في مصر وغيرها- إعادة ترتيب ما يلينا منه على نحو يجعل الأولوية لأمرين في غاية الأهمية:

أولهما أن ما بذلته شعوب بلادنا تاريخياً من مهج وأرواح في سبيل قضية "الديمقراطية" يوجب علينا إيلاءه احتراماً يقي أعيننا الحَوَل كلما طرحت علينا إشكاليات الغير، مع التفهم المستحق لتقديراتها، وإلا فكيف قضينا في 6 أبريل/نيسان 1985 بسداد الموقف المعادي لانقلاب 25 مايو/أيار 1969، مثلاً، بينما كانت الجماهير قد أيدته بالآلاف صباح الثاني من يونيو/حزيران 1969، وكانت تلك هي حُجَّة النميري نفسه (النهج الإسلامى لماذا، ص 85 ، 86)؟

وإذا جاز لنا أن نستقبل "المواضعات الجديدة" اليوم بالحفاوة الفكرية، فكيف سنعاود غدا رفع راية "المواضعات القديمة" ضد إسلامويي السودان الذين لم يعدموا جماهيراً يخرجونها في الشوارع لتأييدهم؟

أما الأمر الثاني فهو أدواء العلاقات الشعبية السودانية المصرية، والتي ثبت أن "تبويس اللحى" والتربيت على الأكتاف لا يكفي لعلاجها، كالعلاقات الدبلوماسية، والروابط الاقتصادية، ونزاعات مياه النيل، وقضايا الحدود وعلى رأسها حلايب. فإن لم نعجل باجتراح المعالجات المناسبة لها، فستبقى كجراح رُمَّت على صديد!

الثورة السودانية وقناة الجزيرة!

بقلم : معتصم الحارث الضوي

المتابع لتغطية قناة الجزيرة للثورة السودانية يقفُ حائرا، بل لعله الوصف الأنسب غاضبا وحزينا في ذات الوقت لمستوى السقوط الإعلامي الذي وقعت تلك القناة التي كانت في يوم من الأيام شعارا للحرية، وعنوانا لتطلعات الشعوب، أما الآن –في الحالة السودانية- فقد آثرت ألا تهتم بالأمر، وكأنما هو يحدث على سطح القمر!

شاهدتُ النشرة التي أذيعت في السادسة والنصف بتوقيت السودان مساء اليوم، وطال انتظاري، فالشريط المتحرك لم يتضمن أي خبر، أكرر، أي خبر عن السودان على الإطلاق، وفي ختام النشرة الرئيسة، أخبرنا المذيع بأن النشرة الاقتصادية ستتضمن خبرا عن ارتفاع تعريفة المواصلات في السودان!

هكذا خرج علينا مراسل الجزيرة في الخرطوم ليحدثنا بأسلوب مخملي تم انتقاؤه بعناية عما تعانيه بعض فئات الشعب السوداني جراء ارتفاع تعريفة المواصلات، وأجرى حوارات مع مواطنين يبدو أنهم لم يسمعوا بأن البلاد تشهد ثورة شعبية تسعى للإطاحة بالنظام!وعليه فقد شنفوا أسماعنا بحديث –يفقع المرارة- عن مدى تأثر بعض المواطنين بزيادة تعريفة المواصلات، ثم خرج علينا معتمد محلية الخرطوم ليفيدنا بأن الحكومة –الزائلة بحول الله- تفكر في تخصيص مبالغ مالية لدعم قطاع المواصلات بهدف تخفيف المعاناة عن المواطنين.

اللطيف في الأمر أنه تم اختيار مواقع التصوير بعناية بالغة لكي لا يرى المشاهد أي مشهد ينم عن وجود تظاهرات جماهيرية حافلة، وتعمدت القناة الكريمة سكب المزيد من الملح على الجُرح –كما يقول الإنكليز- فعرضت لنا أحد مواقف المواصلات، وفي طرفه صف طويل من صور الرئيس السوداني –المخلوع بعناية الله- وهذا أسلوب يعلم الجميع بأنه يهدف إلى زرع صورة في العقل الباطن مفادها المدح للشخصية، وهدفها تغيير الموقف المعارض للشخصية المعروض صورتها، والحد الأدنى التحييد إزائها.

أما كون أن الشعب السوداني يخوض معركة حاسمة ضد نظام "الإتلاف" الذي امتهن الوطن والمواطن منذ قرابة الربع قرن، وأن النظام القاتل لشعبه في كل أرجاء البلاد يتداعى ويهتز بقوة، ولعله الآن –نسأل الله تعالى- يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ كل ذلك يبدو أن قناة الجزيرة لم تسمع عنه بعد!

إنني أدعو الشعب السوداني إلى الامتناع عن مشاهدة قناة الجزيرة، وعدم مشاركة أي ضيف سوداني في برامجها، فقد أضحى موقفها المعادي للشعب السوداني صارخا للقاصي والداني، واتضح انحيازها إلى صف النظام السوداني المتوضئ بدماء شعبه، والوالغ في أعراضه وثرواته وكرامته.

وإنها لثورة حتى النصر!