آراء ومقالات

Recent Posts

Tags

Community

Email Notifications

Archives

January 2013 - Posts

من مصنع الشفاء الى اليرموك .. توجهات (الانقاذ) ما بين ضربتين !!

بقلم علاء الدين بشير

27 يناير 2013 - في أغسطس 1998 ضربت الولايات المتحدة مصنع الشفاء للأدوية بالخرطوم المملوك لرجل الأعمال السوداني، صلاح إدريس بذريعة صلته بأنشطة إرهابيه وانتاجه مركّبات تدخل في صناعة اسلحة كيماوية. ورغم أن تقارير امريكية شبه رسمية اشارت الى ان المصنع قصف خطأ وبناءً على معلومات استخبارية غير صحيحة مستقاة من دوائر سودانية معارضة للنظام الاسلامي الحاكم في الخرطوم والمتهم غربيا برعاية الارهاب وتحديدا ما ذكره السفير الامريكى الاسبق بالخرطوم تيموثي كارني، ورجل الاعمال الامريكى المسلم من اصل باكستانى منصور اعجاز، ضمن مقال لهما بصحيفة (الواشنطن بوست 3 يونيو 2002) ، الا ان السياسى المعارض، مبارك الفاضل المهدي كشف في سياق المناظرات لانتخابات العام 2010 الرئاسية التى ترشح فيها وفي برنامج (مجهر سونا) ان المعلومات التي استند عليها الامريكيون فى قصفهم للمصنع وفرها مديره المنتمي لتوجه الاسلاميين الحاكم عقب صحوة ضمير انتابته من الاحتمالات السوداوية لاستخدام تلك الاسلحة في الحروب الاهلية السودانية وما يمكن ان تجره من كوارث ضد المدنيين من ابناء الهامش السودانى، و ان ذلك المدير طلب اللجوء السياسي إلى الولايات المتحدة. و لم تنف اية جهة او مسؤول حكومي معلومات مبارك المهدى تلك في حينها.

قصف المصنع من قبل الولايات المتحدة كان اقوى انذار للنخبة الاسلامية الحاكمة التي ظلت متماسكة في وجه كافة الضغوط التي مورست ضدها لتعديل سياساتها التي ترى الدول الكبرى ودول الاقليم انها تمثل تهديدا فوق العادة لاستقرارها ومصالحها وانها غير منسجمة مع اتجاه السلم العالمي، وكانت الانذارات السابقة وصلت حد فتح ثلاث جبهات عسكرية في وقت واحد، و لكن كان القصف من امريكا مباشرة هذه المرة و في العمق ما جعل النظام الحاكم يفيق على حقائق القوة المادية فى العالم التي كان يتغافل عنها في غمرة سكرته الايدولوجية الامر الذي ادى - الى جانب تفاعلات كثيرة كانت تعتمل في احشائه - الى تسريع وتيرة الخلاف والصراع الداخلي قادت في ديسمبر من ذات العام 1998 الى بروز مذكرة العشرة الشهيرة داخل تنظيم الاسلاميين الحاكم و التي ارهصت لبداية المفاصلة داخل النظام بعد ان دعت الى تقليص صلاحيات الامين العام للحزب الحاكم وهو عراب النظام والاب الروحي للاسلاميين، حسن الترابي وتبعها ما عرف بقرارات الرابع من رمضان (ديسمبر 1999) التي قضت بحل المجلس الوطني الانتقالي الذي كان يترأسه الترابى نفسه واعلان حالة الطوارئ ثم تلتها ما عرف ايضا بقرارات صفر 2000 و التي انتهت بالاسلاميين الحاكمين الى فسطاطين احدهما في الحكم برئاسة البشير والآخر بقيادة الترابي ذهب إلى صفوف المعارضة.

و رغم ان اسباب مذكرة العشرة والمفاصلة عموما تشي بأنها مسألة داخلية الا ان مؤشرات قوية تشير الى أن البعد الخارجى فيها كان مؤثرا بصورة كبيرة ان لم يكن هو العامل الحاسم فيها، فقد كنت اجريت حوارا مع السياسي المخضرم وسفير السودان الاسبق في واشنطن، والاسلامي أخيراً، المرحوم احمد سليمان المحامي في اكتوبر 2003 بصحيفة (الصحافة) وسألته عن الكيفية التي نجحت بها مذكرة العشرة فأجابني بانفعال: (عملوها الامريكان) لكن مقتضيات ظروف الرقابة على الصحافة وقتها جعلت ادارة التحرير تعدلها الى (عملوها الجماعة) وأكد احمد سليمان ان (البعد الخارجى فى مذكرة العشرة و انشقاق الاسلاميين كان كبيرا جدا) و قدم شواهد على ذلك في الحوار. وقال سليمان انه عندما تولى الترابي رئاسة المجلس الوطني الانتقالي في العام 1996 اجتمع الى مدير الادارة الافريقية بوزارة الخارجية الامريكية، روبرت اوكلى واخبره بان على واشنطن ان تقرأ رسالة الترابي الضمنية هذه جيدا وهي انه بانتقاله الى منصبه الجديد يعني تلقائيا تخليه عن قيادة المؤتمر الشعبي العربي الاسلامي الذي كانت واشنطن تنظر اليه على انه اكبر تجمع للمعادين للمصالح الامريكية في المنطقة وانه واجهة للارهاب، حيث لن (أي الترابي) يجد الوقت بسبب الاعباء الكبيرة الملقاة على عاتقه نتيجة رئاسته البرلمان لإدارة ذلك الكيان (المؤتمر الشعبي العربي). لكن سليمان اضاف انه وجد الامريكيين معبئين بشدة ضد الترابي شخصيا ولا يثقون به وغير مستعدين لتقبل أى رأي أو خطوة ايجابية عن الترابي، فقد كانت صورته عندهم انه من اكبر المهددين لامنهم القومى ومصالحهم العليا وامن حلفائهم في المنطقة من خلال عقيدته في تصدير الثورة الاسلامية الى بلدان الاقليم. و ما يدلل على صلابة الموقف الامريكي تجاه الترابي انه طبقا لكارني واعجاز في مقالهما آنف الذكر كان قد أرسل رسالة غصن زيتون في أغسطس 1996م الى الرئيس الامريكي وقتها بل كلينتون (بناءً على نصيحة منصور إعجاز الذي قام بأدوار وساطة بين النظام السوداني وادارة كلينتون) ولكن لم يتلق ردا عليها . بل ان ابعاد الخرطوم لزعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن في ذات العام (مايو 1996) لم يغير نظرة واشنطن تجاهها رغم انه كان واحدا من حزمة مطلوبات في روشتة اصلاح العلاقة بين الخرطوم وواشنطن تقدم بها مدير قسم شرق افريقيا بالخارجية الامريكية، ديفيد شين والسفير الامريكي الاسبق بالخرطوم تيموثى كارني الى وزير الخارجية – وقتها - على عثمان محمد طه في حفل العشاء الاخير الذي اقيم لكارني بمنزل طه فى الثاني من فبراير 1996عشية مغادرته الخرطوم بعد قرار واشنطن اغلاق سفارتها بالخرطوم لأسباب امنية حيث سألهما وزير الخارجية السوداني عن ما ينبغى للخرطوم أن تفعله حتى تضمن مغادرتها للائحة واشنطن للدول الراعية للارهاب الموضوعة بها منذ العام 1993. فحدثه الديبلوماسيان الامريكيان طويلا عن اهم ما يجب على الخرطوم فعله في هذا الخصوص وكان على رأس القائمة موضوع اسامة بن لادن و بحسب تقرير بصحيفة (نيويورك تايمز فى سبتمبر 1998) فأن طه لم يلتزم حينها بإبعاد بن لادن ولكنه لم يعترض ايضا حيث امضى اغلب وقت اللقاء مستمعا للرجلين بينما استمر سعي الخرطوم الحثيث من اجل نيل الرضا الواشنطوني.

ويقول المحبوب عبد السلام فى تأملاته لعشرية نظام الانقاذ الاولى ضمن كتابه الموسوم (الحركة الاسلامية: دائرة الضوء و خيوط الظلام) والمحظور توزيعه داخل السودان، انه و بعد صعود علي عثمان محمد طه الى منصب النائب الاول للرئيس عقب رحيل سلفه الفريق الزبير محمد صالح في حادثة الطائرة بجنوب السودان في فبراير 1998، وبعد احكامه سيطرته على دفة العمل التنفيذي بالدولة فأن المؤتمر الشعبي العربي الاسلامي بدا امرا نشازا مع روح العهد الذي يريد النائب الاول الجديد ان يستهله بهدوء و تعاون مع دول الجوار الاقليمي وخاصة مصر ثم الدولي وخاصة امريكا مشيرا لاستقبال الجهاز التنفيذي لدورة الانعقاد الثالثة للمؤتمر الشعبي العربي الاسلامي بتحفظ شديد.

و كرّت مسبحة الايام حاملة في جوفها كثيراً من المتغيرات داخل نظام الانقاذ بعد المفاصلة..ساد البراغماتيون على العقائديين كما عبر كارني واعجاز فى مقالهما آنف الذكر وتوقفت النبرة والمساعي من اجل تصدير ثورة الاسلام الراديكالي الى الجوار.. تم حل المؤتمر الشعبي العربي والاسلامي نهائيا وانخرطت النخبة الاسلامية الحاكمة عبر أجهزتها الاستخبارية في اكبر تعاون من اجل الحرب على الارهاب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وفتحت الخزانات والاضابير والبيوت الآمنة في الخرطوم للاجهزة الامنية والاستخبارية الغربية عقب زئير الرئيس الامريكي السابق بوش الابن (من ليس معنا فهو ضدنا) !.

قبل النظام الحاكم الدخول في مفاوضات سلام مع الحركة الشعبية - الجيش الشعبي لتحرير السودان تحت مظلة منظمة الايقاد وبرعاية غربية كاملة على اساس المقترح الامريكي الذي يقضي بقيام نظامين علماني في الجنوب وعلى المستوى القومي، واسلامي في الشمال، وابرمت على هذا اتفاقية سلام فى يناير 2005 اعطت الجنوب حق تقرير المصير بعد ست سنوات انتقالية، وجلبت اكثر من 10 آلاف من قوات الامم المتحدة و موظفيها المدنيين لمراقبة تنفيذها.

تثاقلت ارجل النظام نتيجة الارهاق من الجري وراء الجزرة الامريكية والغربية عموما وأحس متنفذون فيه انهم انما يمضون الى حتف نظامهم بظلفهم فالتفكيك الوئيد ينتظرهم وزنازين المحاكم الدولية تتضور جوعا الى قياداتهم، فأجهضوا عملية التحول الديمقراطي التي كانت مرجوة من تنفيذ اتفاقية السلام التي انتهت بانفصال الجنوب.. عاد النظام الى ترديد شعاراته الاولى مرة اخرى وفتح جبهات قتال جديدة فى جنوب كردفان والنيل الازرق فيما لم يتمكن من اخماد حريق دارفور الذي اشتعل بينما كان يحاول اطفاء حريق الجنوب، وضيّق الحريات العامة.

يوم 23 اكتوبر 2012 افاق النظام الحاكم والسودانيون مجددا على مغيرات ولكنها ليلا و ليست صبحا.. طائرات أجنبية قصفت مصنع اليرموك للتصنيع الحربي جنوب الخرطوم فدكته دكا..وانجلى الموقف على حقيقة ان الطائرات المغيرة كانت اسرائيلية وبحسب تقارير الصحف الاجنبية و الاسرائيلية ان الغارة الجوية استهدفت مصنعا للاسلحة الايرانية فى الخرطوم ينتج السلاح بمختلف انواعه ويهرّب عبر الحدود المصرية الى المقاومة الاسلامية الفلسطينية وحزب الله جنوب لبنان.. كان انذارا قويا للخرطوم لانه كان ايضا ضربة فى العمق وعلى بعد كيلومترات محدودة من مقرات الحكم ومخادع المسؤولين.. الانذارات الاولى كانت شفاهية طوال سنوات وتأتي عبر مصر مبارك متمثلة فى اطلالات مدير المخابرات المصري الراحل عمر سليمان ووزير الخارجية الاسبق ابو الغيط المتكررة على الخرطوم وحتى من خلال المباحثات المباشرة بين الرئيسين مبارك والبشير وكان مؤداها الابتعاد عن التحالف مع ايران آيات الله وايقاف تهريب السلاح الى الجماعات الاسلامية فى فلسطين !. ثم بدأت الانذارات تغلظ تدريجيا.. غارة اسرائيلية اولى في يناير 2009 على قافلة للسيارات بولاية البحر الاحمر قرب الحدود مع مصر، ثم تلتها ثلاث أُخر جميعها بمنطقة البحر الاحمر خلال الاعوام المنصرمة حتى وقعت واقعة الخرطوم فى هدأة الليل البهيم.

افاقت الخرطوم مجددا على حقائق القوة المادية وعمّق جرحها ان رد الفعل الدولى والاقليمى ومن الاشقاء كان خجولا.. اعتصم مجلس الامن بالصمت وتوارت اغلب البلدان العربية خلف ادانة خجولة من الجامعة العربية، و بحسب رئيس تحرير صحيفة "السودانى"، ضياء الدين بلال في مقال له وقتها ان التنوير الذي عقدته الخارجية السودانية للسفراء العرب والافارقة حول الضربة الاسرائيلية لم يكن بين حضوره ديبلوماسي واحد يرتدى العقال الخليجي !.

تطايرت التصريحات الرسمية من المسؤولين الانقاذيين التي تؤكد انهم لن ينحنوا و لن يغيروا سياساتهم ومواقفهم نتيجة للعدوان الاسرائيلى لكن على الصعيد الداخلي ايضا كانت ثمة مناقشات صاخبة تدور حول الجدوى السياسية من السير في خط التحالف مع ايران آيات الله. و بعد خمسة ايام من القصف الاسرائيلى لمصنع اليرموك أي في الثامن والعشرين من اكتوبر رست بارجتان حربيتان ايرانيتان في ميناء بورتسودان ورغم ان التوضيحات الرسمية اكدت ان رسو البارجتين هو زيارة تقليدية كانت مجدولة من قبل وليس لها أي علاقة بتطورات القصف الاسرائيلي لمصنع السلاح في الخرطوم إلا أن المحللين رأوا فى الخطوة رسالة واضحة من طهران والخرطوم تؤكد ان العلاقة بينهما استراتيجية، في الوقت نفسه الذي ذهب فيه المحللون العسكريون في الصحف الاسرائيلية الصادرة وقتها الى ان الضربة الاسرائيلية ماهي الا مواجهة مع ايران في ساحة خلفية هي السودان، فقد أوضح المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت 25 اكتوبر 2012» أليكس فيشمان أن المسألة ليست السودان وإنما إيران، وأن المصنع إيراني ويديره إيرانيون. وقال إنه «بغض النظر إن كانت العملية إسرائيلية أم غربية فإنها توفر فرصة للنظر إلى ما وراء ستار حرب الظلال التي تجري بين دول غربية ومنها إسرائيل، وإيران. وهي حرب عنيفة لمنظمات استخباراتية وقوات خاصة تجري في الكثير جدا من الجبهات: في جنوب لبنان وفي سيناء وفي غزة والبحر الأحمر وأريتيريا واليمن والسودان وغرب أفريقيا وأوروبا، وعلى أرض إيران أيضا. وفي الحقيقة فإنه في كل مكان نجح الإيرانيون في دخوله، صار هناك من «يهتم» بأفعالهم".

وأضاف فيشمان «قبل أربع سنوات ونصف، أُبرم حلف دفاعي بين شمال السودان وإيران بحيث أصبحت هذه العلاقات ثابتة خطيا أيضا، وهكذا توجد اليوم في السودان مستعمرة إيرانية مستقلة تماما. وترسو سفن إيرانية في موانئها وتهبط المعدات والوسائل القتالية التي تُنقل إلى مخازن يديرها إيرانيون أيضا. ويعمل مئات وربما أكثر من الإيرانيين في هذا المصنع الضخم ويستعينون بالسودانيين".

و طبقا لصحيفة (الحياة اللندنية 2 نوفمبر 2012 ) فقد القى وزير الخارجية، على كرتي بسؤال جرئ على اجتماع طارئ لقطاع العلاقات الخارجية بحزب المؤتمر الوطني الحاكم فحواه: هل من مصلحة السودان الإستراتيجية في علاقاته الخارجية الاتجاه إلى تعزيز علاقاته مع دول الخليج العربي لضمان الحصول على دعم مالي واقتصادي وتوسيع استثماراته، أم الاتجاه لتوثيق علاقته مع إيران لأسباب تتعلق بطبيعة التحولات المرتقبة في ملف الصراع الاسرائيلي - الايراني في المنطقة، ووقوع السودان في منطقة رخوة ستجعل ظهره مكشوفاً في حال اضطر للمشاركة في أي مواجهة واردفت الصحيفة طبقا لتقارير صادرة في الخرطوم "أن الخرطوم لم ترد حتى الآن على طلب من طهران يحمل اقتراحاً بـ «تحالف مع السودان لحماية منطقة البحر الأحمر»، وذكرت أن الاقتراح لا يزال قيد الدراسة في مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية والحزب الحاكم ".

و انتهت الصحيفة الى أن النقاش في الاجتماع الحزبي كان ساخناً وشهد ملاسنات حادة، ما دفع بعض المسؤولين في القطاع الى مغادرة مقر المؤتمر الذي لم يقدم إجابة محددة في شأن سؤال وزير الخارجية.

و نقلت صحف الخرطوم الصادرة يوم 5 نوفمبر عن نائب رئيس الجمهورية، الحاج آدم قوله : «نقبل التحدي ولن يخيفنا الهجوم ولن يغير قناعتنا بعلاقاتنا مع أية دولة، وهذه العلاقات ستستمر مع من نشاء وسنقطعها مع من نشاء وندعم من نشاء» و بحسب صحيفة (البيان الاماراتية 5 نوفمبر 2011 ) فقد "دافع وزير الإعلام الناطق باسم الحكومة ، أحمد بلال عثمان للقناة السودانية عن قرار السماح للقطع الحربية الإيرانية بالرسو في بورتسودان، ووصف علاقة السودان بإيران بالاستراتيجية وقال إن السودان يمتلك القدرة اللازمة للرد على الهجوم الإسرائيلي ملمحاً إلى إمكانية ضرب المصالح الإسرائيلية في المنطقة، حيث أشار إلى أن لدى إسرائيل مصالح في العديد من بلدان المنطقة".

وفى اكبر مؤشر على التباين داخل النظام السوداني حيال العلاقة مع طهران خالف وزير الخارجية، على كرتي في حديثه لقناة النيل الأزرق مساء ذات اليوم الذي صرح فيه نائب الرئيس و الناطق باسم الحكومة تصريحيهما اعلاه مبديا امتعاضه من رسو قطع حربية إيرانية في المياه الإقليمية السودانية، ووصف قرار الحكومة السودانية بالسماح لتلك القطع بالخاطئ، كاشفا أن وزارته لم تعلم بالأمر إلا من خلال وسائل الإعلام. و شدّد على ضرورة أن تلتفت الحكومة السودانية إلى علاقاتها مع دول الخليج أكثر من اهتمامها بالعلاقة مع إيران، مؤكداً في هذا السياق على أن علاقات السودان الخارجية تضررت كثيراً خلال الفترة الأخيرة بسبب إزدواجية الرؤى داخل الحكومة السودانية وقال إن كل ما تفعله وزارته من أجل ترميم العلاقات الخارجية يواجه بقرارات وتصرفات تصدر عن (جهات) أخرى داخل الحكومة، الأمر الذي يؤدي إلى نسف تلك الجهود.

و مع ان كرتي لم يفصح عن تلك (الجهات) الاخرى داخل الحكومة التي تنسف عبر تصرفاتها جهود وزارته من اجل ترميم العلاقات الخارجية الا ان النظرة الفاحصة تشير إلى من هم المتمنعون داخل نظام النخبة الاسلامية الحاكمة عن ركوب القطار المتجه غربا وماهي اسبابهم في ذلك في الوقت الذي ركب فيه رصفاء لهم داخل النظام و ظلوا يبحثون عن تحسين وضعهم داخله طوال السنوات الماضية. فقد قال الرئيس البشير في كلمة القاها في المباحثات بينه وبين الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد التي جرت بينهما بالخرطوم فى سبتمبر 2011 «نحن راضون تمام الرضا عن مستوى ومسيرة العلاقات بين بلدينا في كافة المجالات، ونتطلع لمزيد من التعاون مع ايران، ونفتح ابواب الاستثمار على مصراعيها لتكامل الجهود والخبرات والإمكانيات لتحقيق شراكة فاعلة بما يعود بالخير لمصلحة شعبي البلدين والامة الاسلامية" في الوقت نفسه اوضح الرئيس الايراني في كلمته "ان مباحثاته مع البشير تطرقت لكافة مجالات التعاون المشترك وانهما اتفقا على تطويرها والارتقاء بها، مؤكدا انه لاتوجد قيود اوعقبات لسقف علاقات التعاون المشترك بين طهران والخرطوم وشدد على أن ايران والسودان سيظلان عصيين على دول الاستكبار، ولن يخضعا لها" (الصحافة 27 سبتمبر 2011 ).

وكانت صحيفة (السياسة) الكويتية قد نشرت في عددها الصادر يوم 27 سبتمبر 2011 تقريرا كشفت فيه عن (تقييم) وضعه مستشارو الرئيس الايراني ، نجاد ووافق عليه المرشد الاعلى، على اكبر خامنئي (بتحفظ)، توقع ان لا يصمد نظام بشار الاسد فى سوريا الحليف الرئيس لإيران آيات الله في المنطقة لأكثر من نهاية شهر مارس 2012 تحت ضغط الثورة المضادة له مرجحا ثلاثة سيناريوهات سينتهي اليها، الاول حدوث انقلاب يطيح بالاسد بتدبير من الولايات المتحدة وحلفائها الاوربيين والعرب والثاني اغتيال الاسد ومعاونيه المقربين و الثالث وهو ما حدث بالفعل ان تسقط سوريا في اتون حرب اهلية شاملة. و اضاف التقييم ان نجاد يوشك ان يتخذ قرارا بالتخلي عن الاسد كما فعل رئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان والبحث عن حليف بديل يؤمن له التدخل في المنطقة و انه لم يجد انسب من الرئيس السوداني عمر البشير. و في الغالب ان التقييم الايراني انبنى على (غبينة) البشير الشخصية من الغرب واسرائيل وصراعه معهما بسبب تسليط المحكمة الجنائية الدولية عليه وانسداد أي افق عليه من امكانية اصلاح علاقاته مع اوربا او امريكا اضافة الى الوجود الاسرائيلي على حدوده الجنوبية بعد ان انفصل الجنوب عن بلاده واتهامه له بانه وراء الصراعات المتجددة في بلاده. لكن و بحسب التقييم الايراني نفسه فأن المرشد الاعلى خامنئي يرى ان هذه هي ازمات البشير التي يمكن ان تكون من نقاط ضعفه وان حكمه ايضا مهزوز وقابل للسقوط بسبب اشتداد المعارضة الداخلية عليه وان وضع نجاد كل البيض في سلة البشير يعتبر مغامرة غير محسوبة العواقب.

لكن فجأة اعلنت الرئاسة السودانية فى نشرة صحفية يوم 5 نوفمبر2012 ان الرئيس البشير توجه إلى السعودية في زيارة خاصة للقاء الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز ومسؤولين سعوديين وإجراء فحوص طبية . واحيطت الزيارة بتكتم عالى وغطى على ما يمكن ان يتمخض عن المباحثات الثنائية المهمة بين القيادتين فى خضم ملابسات ضرب مصنع اليرموك للتصنيع الحربى ، غطى عليها الدخان الاعلامى الكثيف الذى صاحب الحالة الصحية للرئيس البشير . و بالفعل اعلن فى اليوم التالى ان البشير اجرى عملية جراحية ناجحة ازالت التهابات حادة فى حنجرته بينما طوى ما دار بينه و بين العاهل السعودى فى غياهب العتمة ! .

الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لا يتحدثون الى الرئيس البشير مباشرة منذ صدور مذكرتى الاعتقال الصادرتين ضده من قضاة المحكمة الجنائية الدولية فى مارس 2009 و يوليو 2010 واللتان تتهمانه بأرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية و ابادة جماعية فى اقليم دارفور ويرى اغلب المحللون ان الرسائل الامريكية والغربية الخاصة جدا للبشير تصله عبر (اشقائه) السعوديين والقطريين الى جانب مصر مبارك قبل الثورة ، ويسند هذه الرؤى انه كلما احاطت المحن الداخلية او الخارجية بالخرطوم طار البشير فجأة الى الدوحة فى الغالب او الرياض ، لذا فانه و بعد (العصا) المتمثلة فى قصف اليرموك و اكتشاف البشير و نظامه عزلتهم غير المجيدة عبر البحر الاحمر الى الرياض ليرى ما اذا كانت هنا (جزرة) لكن مباحثات الغرف المغلقة بينه و العاهل السعودى تجلت جزرتها فى تقرير مجموعة الازمات الدولية (الامريكية) و ذات التأثير الكبير فى تشكيل القرار الدولى خاصة المتعلق منه بالسودان ، فقد اوصت المجموعة فى تقريرها المعنون ب(السودان : اصلاحات واسعة ام مزيدا من الحروب) الصادر فى ديسمبر العام الماضى اى بعد نحو شهر من مباحثات البشير فى الرياض ، اوصت الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، والسلم الافريقي مجلس الأمن ومجلس جامعة الدول العربية : ب (تقديم الحوافز للرئيس عمر البشير، وكذلك النخبه من حزب المؤتمر الوطنى الحاكم لإنشاء حكومة انتقالية وبحزم وبشكل لا رجعة فيه لوضع السودان على طريق الفترة الانتقالية، بما في ذلك :

المساعدة لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد، مثل تطبيع العلاقات ورفع العقوبات، التعجيل بتنفيذ مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HPIC) وغيرها من تدابير تخفيف عبء الديون، شريطة أن يتم استيفاء معايير خارطة طريق المرحلة الانتقالية ويتم إحراز تقدم في المفاوضات مع جنوب السودان فى القضايا العالقة) . و كان الحافز المقترح للرئيس البشير هو تفعيل المادة (16 ) من ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية و الذى يقضى بتأجيل تنفيذ مذكرة القبض الصادره ضده لعام او عدة اعوام حسب مقتضى الحال ، و قد راج فى الاوساط السياسية ان –البشير- تلقى عرضا سعوديا للتقاعد و الاقامة الدائمة بالاراضى المقدسة مع الالتزام بتوفير الامن من الملاحقة القضائية من المحكمة الجنائية الدولية . و يبدو ان هذه هى المساومة الممنوحة للبشير و النخبة من حزبه الملاحقة من المحكمة الجنائية الدولية .. التنحى مقابل التأجيل و عدم الملاحقة

وبدأت البلدان فى تقديم جزراتها المشروطة على الخرطوم ، فقد اعلنت بريطانيا على لسان وزيرة التنمية الدولية ، لين فيذرسون باعفاء ديونها على السودان و البالغة بليون دولار كليا اذا ما احرزت تقدما حقيقيا فى حل النزاعات الداخلية (الصحافة 24 يناير 2013 ) فى الوقت الذى اعترف فيه المبعوث الرئاسى الامريكى ، برنستون ليمان فى مقابلة مع صحيفة (الشرق الاوسط اللندنية 2 يناير 2013 ) ان السودان يواجه عقوبات دولية قاسية ولكنه شدّد على ان الحكومة ينبغى الا تلوم الاّ نفسها لعدم تغييرها سياستها الداخلية و استمرارها فى اشعال الحروب ضد معارضيها بينما رفضت اتباع خطوات معينة من اجل العودة الى الاقتصاد العالمى .

يبدو انها حسابات الاقتصاد هذه المرة.. ففي الاسبوع الاول من يناير الجاري عادت الخرطوم لترتدي (القطرة و الدشداشة) الخليجية، علها تغطي عورتها الاقتصادية التي انكشفت بانفصال الجنوب وفقدان ثلاثة ارباع الانتاج النفطي الذي كان العمود الفقري لاقتصادها المنهك، فقد قال وزير الاستثمار، مصطفى عثمان اسماعيل في لقاء مع صحيفة (البيان الاماراتية 5 يناير 2013 ) "علاقاتنا مع إيران في المقام الأول هي علاقات عادية «غير محورية»، ثم تأتي المصالح المشتركة بين البلدين. حتى الآن لم نلحظ لا استثمارات ولا مشروعات إيرانية معتبرة بالسودان". و في اليوم التالي 6 يناير نفى الوزير بشدة فى تصريحات لصحيفة (الشرق الاوسط) أن يكون "السودان يسعى لبناء شراكة استراتيجية مع إيران على حساب الدول الخليجية والعربية"، مدللا على ذلك بأن "حجم الاستثمار الخليجي في بلاده يتجاوز الـ30 مليار دولار، في حين أن الاستثمار الإيراني يساوي صفراً" !.

لكن الوقائع القريبة جدا في مضابط علاقات السودان و ايران تقول بخلاف ما صرح به الوزير مصطفى عثمان اسماعيل، فبحسب صحيفة (الصحافة 8 مايو 2012 ) فقد (أعلن مساعد الرئيس الإيراني، على سعيد لو، أن البلدين وقعا خلال زيارته للخرطوم اتفاقيات بقيمة 400 مليون دولار، معلناً تضامن بلاده العميق مع السودان وكشف عن خطط ترمي لزيادة حجم التعامل الاقتصادي بين البلدين وصولا الى 2 مليار دولار في العام لتحقيق اكبر قدر من المكاسب للشعبين). ومن ناحيته، اكد مساعد رئيس الجمهورية رئيس الجانب السوداني في المباحثات، نافع علي نافع "ان كلا من السودان وايران مستهدفان على اساس التوجه والفكر بهدف الاضرار باقتصاد البلدين قائلا « مصممون على هزيمة هذا الاستهداف» مشيرا الى ان السودان سيظل على تواثق وتعاهد مع ايران لمصلحة الشعبين والامة الاسلامية".

غير ان الاستهداف الذي يتعرض له السودان و ايران على اساس (التوجه و الفكر) - كما ذهب نافع - بنظر كثير من المراقبين هو العقدة الاساسية التي وسمت علاقات البلدين وربما جعلتها تتعثر، فالخلاف المذهبي كبير جدا بين ايران الشيعية و النظام السوداني الذي يتبنى توجها يقوم على فكر الاخوان المسلمين ذي المرجعية السنية مع تحالفات وثيقة من جماعات سنية سلفية شديدة الخصومة للمذهب الشيعي، فطبقا لصحيفة (الصحافة 27 ديسمبر 2012 ) اتهم القيادي بحزب المؤتمر الوطني وزير الثقافة السابق، السموأل خلف الله اثناء مخاطبته لمؤتمر امناء الثقافة بحزبه بالولايات، (جهات معارضة باستغلال مراكز ثقافية لدول استعمارية وأخرى وطنية لممارسة أنشطة سياسية ضد الفكر الاسلامي والفطرة الانسانية، لافتاً الى أن بعض المنظمات الثقافية السودانية تعمل على نشر الفكر الشيعي رغم عدم قناعتها به).

و تضغط الجيوب السنية الاكثر سلفية بين مكونات النظام الحاكم منعا لأي تأثير شيعي في البلاد حيث اجبرت السلطات على اغلاق الجناح الايراني في معرض الكتاب الدولي بالخرطوم في العام 2007 بحجة احتوائه على كتب مسيئة لصحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) رضوان الله عليهم، و دعوا الرئيس البشير الى اغلاق المستشارية الثقافية الايرانية بالخرطوم. و كان وزير الارشاد والاوقاف الاسبق رئيس مجمع الفقه الاسلامى حاليا، عصام احمد البشير قد صرح اثناء قضية (استتابة) النيل ابو قرون الموصوف بالميول الشيعية على اصداره كتاب (رسائل الصحابة) فى العام 2002 اعتبرا مسيئا لصحابة النبى ، بأن (السودان دولة سنية) الامر الذي جعل كثيراً من المراقبين يتساءلون عن كيف يصرّح مسؤول في الدولة بمذهبها الديني في الوقت الذي سكت فيه دستورها على علاته وقتها عن تحديد دينها نفسه ؟!.

و لعل الخلاف المذهبي العميق بين الشيعة والسنة هو ما حدا بزميل البحث فى معهد الابحاث الدولية في جامعة استانفورد الامريكية ورئيس تحرير مجلة (ديزايت)، جوزيف جوف في مقالته الشيقة الموسومة (عالم بلا اسرائيل) بمجلة (فورن بوليسي عدد يناير فبراير 2005 ) الى القطع بانه حتى وإن لم تكن اسرائيل موجودة في قلب العالم العربي والاسلامي فأن العلاقات بين بلدانه ربما كانت في أسوأ حالاتها بسبب حزمة من الاسباب ذكر من بينها الخلاف المذهبي العميق بين السنة والشيعة وتجلياته في العلاقات بين بلدان المنطقة وبين شعب البلد الواحد !.

و عودا على بدء هل يستمر محور الخرطوم طهران الوثيق والذي كان قد أرسى قواعده الرئيس الايراني الاسبق، على هاشمي رافسنجاني عندما زار خرطوم الخلافة الاسلامية فى ديسمبر 1991 على رأس وفد ضخم قوامه 150 مسؤولا معلنا من فوق منابرها ان (الثورة الاسلامية في السودان الى جانب ثورة ايران الرائدة بامكانهما، وبلا أدني شك، ان تكونا مصدرا للحركات والثورة في كل العالم الاسلامي ) مقدما دعماً بـ17 مليون دولار للنظام الاسلامي المقاطع عربيا ودوليا وسدد 300 مليون دولار ثمنا لمشتريات اسلحة صينية طبقا لما اورده الصحفي الكبير، عبد الرحمن الامين في مقال له بصحيفة (الراكوبة الالكترونية 25 اكتوبر 2012) . ام تصدق (تحفظات) المرشد الاعلى الايرانى على (التقييم) الموضوع من قبل مستشارى الرئيس الايرانى ، نجاد ؟ كيف ستتعاطى الخرطوم المتباينة الرؤى والمثقلة بالضغوط مع المطلوبات الداخلية والخارجية وخاصة ما بعد الكرباج الاسرائيلى المتمثل فى قصف مصنع اليرموك، كيف ستحسم اختلاف الرؤى داخلها .. هل ستستمر فى نهجها الذى لا يرى فى الضغوط الدولية الاّ انها محض ضغوط و املاءات ام تعقل انه كلام الله لها لها ايضا ؟ !.

Alaabashir7@gmail.com

هذا المقال نشر ايضا في جريدة الصحافة في تاريخ 26 يناير 2013.

العمل العسكري ونظرية الكيل بمكيالين في السودان

بقلم عبدالعزيز الحلو

20 يناير 2013 - لقد كان ميثاق الفجر الجديد بمثابة الحجر الذي حرّك مياه البركة الساكنة وأطل علينا ما أطلّ من الرواسب وأنبعث ما أنعبث من (........) ،وقد فعل الميثاق فعله بأنه دفع كل إناء لأن ينضح بما فيه، حيث خرج علينا الرئيس البشير كعادته وعنجهيته المعهودة فهدد بكنس كل من وقع علي الميثاق.ومن الجانب الآخر وصف الدكتور نافع الميثاق بالفجر الكاذب وخوّن كل من وقّع عليه...كل ذلك مفهوم أن يأتي من قبل الطاغية وزبانيته...ولكن أن يأتي الينا الأستاذ الساعوري بالجزيرة (نت) ليقول: "إن الحكومة ستستغل رفض الشارع العام السوداني لأي عمل عسكرى لمحاصرة أنصار الميثاق والمعارضة علي السواء"...فهو المستغرب... ذلك لأن مراجعة بسيطة لتاريخ السودان منذ الأستقلال وحتي الآن كانت كافية لإبعاد الأستاذ عن الخوض في هذا الوحل...والقيام بتقديم التبريرات الزائفة لهذه العصابة لتمادي في غيهّا وعنجهيتها التي وصلت بها حد الإستخفاف والاستهانة بالشعب الذي أنجبها لتقوم بالاستعلاء عليه واساءته بوصفه بالحشرات وتهديده بالكنس وكأنه قمامة قاذورات.

هذا يعود بنا للسؤال الذي طرحه الأستاذ الطيب صالح : ( من أين أتي هؤلاء ؟)...نقول له أتي بهم أمثال الساعوري والطيب مصطفي وآخرين كثر من الذين تعلموا علي حساب الشعب السوداني وكافأوه بالسدنة للحكام أياً كانوا علي تعدد برامجهم ورؤاهم وإجندتهم غض النظر عن صحتها من عدمه...وهذا أمر سنأتي اليه لاحقاً في إفادات آخري.

ولكن الآن دعونا نتناول قضية العمل العسكرى التي تم إتخاذها كزريعة لتهديد المعارضة التي تتبّني النضال السلمي الديمقراطي كوسيلة من التحالف مع الجبهة الثورية التي تتخذ من الكفاح المسلح كوسيلة لتحقيق نفس الهدف المتمثل في إسقاط النظام. يتحدثون وكأن الجبهة الثورية السودانية قد أتت عملاً محرماً وأن التحالف معها لسبب إستخدامها للسلاح ضد نظام الإبادة عملاً إجرامياً...هذا الذي نعنيه بازدواجية المعايير عند الطغمة الحاكمة وبعض مثقفينا لأن عملية إنكار حمل السلاح علي المعارضة في وجه سلطة المؤتمر الوطني وإباحته للنظام لأن يمارس من خلاله الاغتصاب والابادة والتعزيب والتصفيات هو مكمن الإختلال في الموازين والاحكام عندهم بتحليل العمل العسكرى لحزب المؤتمر الوطني وتحريمه علي بقية الاحزاب المعارضة.

علينا مراجعة التاريخ القريب في السودان لكشف علاقة الاحزاب السودانية بالعمل العسكرى في السلطة أو المعارضة للسلطة القائمة لنصدر الأحكام...نجد أن كل الأحزاب السودانية الكبيرة بالوسط قد تبنّت الكفاح المسلح في معارضة السلطة أو الانقلاب عليها من داخل المؤسسة العسكرية السودانية في أوقات متفاوتة...الا اذا كان الانقلاب العسكرى لا يعتبر عملاً مسلحاً لتغيير السلطة...وفي ذلك لا نفرق بين أحد من الأحزاب السودانية وخاصة المؤتمر الوطني الحاكم اليوم والذي يجرّم الآخرين لمجرد حمل السلاح ضده.

نبدأ بالمؤتمر الوطني الحاكم سليل الجبهة القومية الاسلامية حيث قام بالانقلاب علي السلطة الشرعية المنتخبة ديمقراطياً وأستولي علي السلطة في 30 يونيو 1989م، ليقطع بذلك الطريق علي التطور الديمقراطي بالبلاد بالإضافة للحل السلمي وضمان الوحدة الصحيحة و التي كانت متوقعاً أن تتم من خلال قيام المؤتمر الدستوري المزمع عقده نهاية ذلك العام...وإنه كذلك نفس المؤتمر الوطني (الجبهة القومية الاسلامية سابقاً) هو الذي شارك في احداث الجزيرة أبا عام 1971م لإسقاط نظام نميري بالقوة تحت قيادة الامام الهادي واتبعت ذلك بالمشاركة في عملية 2 يوليو 1976م ( المرتزقة) باسم الجبهة الوطنية تحت قيادة العميد محمد نور سعد...ليس ذلك فحسب بل أن المؤتمر الوطني نفسه هو الذي دفع بأحزاب التجمع الوطني الديمقراطي في التسعينيات لحمل السلاح عندما قال :"اللى عندو حق عندنا ال يجي يقلعوا". "نحن لا نفاوض إلا حملة السلاح "."الزارعينا غير الله يجي يقلعنا ".

وهذا ما دعا احزاب التجمع الوطني لتكوين فصائل مسلحة لمقاتلة النظام في شرق السودان وقتها وذاد عليه إقناع المهمشين بدارفور لإنشاء تنظيمات مسلحة للدفاع عن اهلهم ضد المليشيات والجنجويد الذين سلحهم المؤتمر الوطني للنهب والاغتصاب والإبادة لتحقيق أجندته الاجرامية.

ودون أن نذهب للخوض في تفاصيل قيام احزاب الوسط الكبيرة بتكوين التنظيمات المسلحة في السبعينات باسم الجبهة الوطنية في ليبيا وأثيوبيا بمشاركة الجبهة القومية الاسلامية كما ورد آنفاً وقيامها بالانقلابات العسكرية ما فشل منها وما نجح في 17 نوفمبر1958م ومجئ عبود للحكم اضافة الي 25 مايو1969م واعتلاء نميري لكرسى السلطة وغير ذلك كثير، وبذلك نكشف عمل المركز في الكيل بمكيالين عندما يقوم بدمغ وإدانة شعوب الهامش بثقافة حمل السلاح متناسياً قيامه مع بقية احزاب الوسط في اوقات سابقة بحمل السلاح في مقاومة أو تغيير السلطة المركزية .ومن جانب آخر أطلاق صفة (التمرد) علي معارضة الهامش مقابل صفة ( المعارضة المسلحة) علي الفصائل المسلحة من الوسط "سياسة فرق تسد"، اذا ماذا نتوقع من الهامش في وجه (البطش- الكشات- هدم المنازل- الإغتصاب- الإبادة...وغير ذلك.

نقول للساعوري أن يتحري الدقة قبل إصدار الأحكام القاطعة والتعميمات المضللة. من الذي قال أن كل الشارع العام السوداني هو ضد العمل العسكرى..أليس أن جزءاً من هذا الشارع العام السوداني ينتمي للهامش الذي يحمل السلاح ؟ خاصة وأن المؤتمر الوطني قد سد كل منافذ المعارضة السلمية وأعتمد العنف العاري والبطش لقهر تطلعات المهمشين والديمقراطيين والمجتمع المدني ولذلك ينطبق مضمون القانون الطبيعي القائل : "لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه" وقيل قديماً من "يرزع الحنظل يتجرع مذاقه".

* الكاتب هو رئيس هيئة الأركان المشتركة لقوى الجبهة السودانية الثورية ونائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان.

الصراعات القبلية في دارفور مهدد لوحدة السودان

بقلم محجوب محمد صالح

تشغلنا الحروب الأهلية في ولايات السودان والمآسي التي تصاحبها والمواجهات العسكرية الكامنة بين الشمال والجنوب تشغلنا عن تطورات أمنية خطيرة تحدث على الأرض في السودان، وتتمثل في الصراعات القبلية الدموية التي أصبحت بنداً دائماً في قائمة المآسي التي تحيط بالسودان، إذ ينفجر بين حين وآخر صراع دموي بين قبيلتين متجاورتين، أو حتى بين عشيرتين من قبيلة واحدة ينتهي بمئات القتلى والجرحى، دون أن يثير ذلك كثير اهتمام، ويبدو أن ثقافة العنف السائدة في السودان والحروب الأهلية المتواصلة، قد أماتت مشاعرنا وأحاسيسنا تجاه هذه الانفجارات الأمنية التي تخلف وراءها مئات القتلى والجرحى في أماكن مختلفة من السودان.

الأسبوع الماضي شهد معارك قبلية داخلية في ولايتي جنوب كردفان ودارفور خلفت وراءها مئات القتلى والجرحى دون أن ينفعل الناس بهذه الأحداث، كأنما تلك المآسي قد أصبحت أمراً روتينياً لا يثير الدهشة ولا يدعو للحزن والأسى! لقد انفرط عقد الأمن حقيقة في السودان، وما زالت التداعيات متواصلة، والأحوال تزداد سوءاً، ونخشى إذ تواصلت هذه الانفجارات القبلية أن تجعل من المستحيل الاحتفاظ بأي قدر من الأمن والاستقرار في هذا الوطن، الصراعات القبلية ليست جديدة على السودان، فهي قد ظلت تحدث كثيراً، ولكنها كانت محدودة، وكانت تدور بأسلحة تقليدية لا تتجاوز العصي والسكاكين إلى الرماح والسيوف إلا نادراً، وكانت هناك الآليات القبلية التقليدية لفض النزاعات وتدخلات (الأجاويد)، وعقد مجالس الصلح وكانت الإصابات محدودة وعدد القتلى قليلا، والحكومة تتعامل مع الصراعات بحيدة وإنصاف، ولكن الصورة اختلفت تماماً، فالسلاح غير الشرعي انتشر في كافة ربوع السودان والمليشيات أصبحت تملأ الأفق، والدفاع الشعبي درب الملايين تدريباً عسكرياً ثم تخلى عنهم، ودخلت أحدث أنواع الأسلحة، وباتت الصراعات القبلية والمعارك العشائرية تدار بالراجمات ومدافع الهاون (والآر بي جي) وغيرها من الأسلحة الحديثة القاتلة وبعضها لا يتوفر حتى للقوات النظامية، وفي كل قبيلة المئات من الشباب العاطل من خريجي الدفاع الشعبي أو غيره من المليشيات، وأصبح المحاربون القبليون يتحركون بالعربات ذات الدفع الرباعي والدراجات النارية يصبون حمم أسلحتهم الفتاكة على الأبرياء العزل في غياب تام للدولة.

أولى المعارك التي دارت هذا الأسبوع كانت بين عشيرتين من قبيلة واحدة (قبيلة المسيرية) في منطقة الفولة، وهذه لم تكن المعركة الأولى بينهما، بل وقعت من قبل ثلاث مرات بين نفس هاتين العشيرتين انتهت المعركة الأولى بمؤتمر صلح انعقد في مدينة الأبيض، ولم تنفذ قراراته ووقفت المعركة الثانية، وقد كانت الأشد شراسة في أكتوبر عام 2011، وخلفت وراءها مائتي قتيل، ثم جاءت الثالثة في الفولة الأسبوع الماضي، ما زال الاحتقان يسود المنطقة وقد سافر لها بالأمس وزيرا الداخلية والدفاع لمحاولة حسم الخلافات ووقف مسلسل الثارات المتبادلة.

المعالجات الآنية والتي تتجه لمخاطبة تداعيات الأزمة دون النظر إلى أسبابها الجذرية لن تجدي، وهي ليست انفلاتات عابرة، إنما هي نتيجة حتمية لسياسات خاطئة وممارسات جائرة، وهي ليست وقفاً على هذه المنطقة، بل إن هذه الأخطاء وهذه الممارسات تطال مناطق عديدة، وهي سبب الانفجارات هنا وهناك، والأسباب الجذرية ذات أبعاد سياسية وأبعاد أمنية وأبعاد اقتصادية، وما لم تعالج دفعة واحدة فإن هذه المعارك ستهدد أمن الوطن كله.

لقد اعتمدت الإنقاذ سياسة تفتيت المجتمعات القبلية، و (تسيس) العمل الإداري الأهلي والدستوري، فافتقدت الإدارة الجيدة، وأصبحت المناصب يتم تقاسمها على أساس قبلي يجامل قبيلة أو عشيرة على حساب أخرى، ويقوض أسس العدالة والمساواة، ويضعف الإدارة الأهلية التي أصبحت تعتمد على الولاء للحزب، وليس الكفاءة، مما يجعل المرارات والمظالم تتراكم.

ومنطقة جنوب كردفان تعاني من مشاكل اقتصادية ومن ضعف الخدمات و «عطالة» الشباب، خاصة أولئك الذين تم (تجيشهم) في الدفاع الشعبي، أو انضموا للمليشيات ونالوا تدريبات عسكرية، وثم وجدوا أنفسهم في العراء «عطالة» بلا عمل ولا مصدر دخل، وهي منطقة تنتج النفط، وليس لأهلها نصيب منه، فلا وفر لهم النفط وظائف ولا قدم لهم خدمات أو تنمية، بينما حصيلته تبني القصور في الخرطوم، فكيف لا تتصاعد وسطهم المرارات، وكيف لا ينفجرون أمام المظالم المتراكمة، بل إن انقطاع أجزاء واسعة من أراضيهم للتنقيب عن النفط حرمهم من مراع ومزارع في وقت هم يعانون من شح الأرض بسبب الجفاف والتصحر، مما يزيد حدة المنافسة حول أرض تضيق ولا تتسع.

والمنطقة في داخلها سلاح كثيف وحديث فتاك، وبات متاحاً في أيدي الجميع دون أي جهد حكومي لنزعه أو محاصرته مع غياب للدولة في منطقة تعاني من انعدام التنمية وضعف الخدمات و «العطالة» السافرة والمقنعة وانسداد الأفق أمامهم.

النظرة السطحية للمشكلة التي تتكرر في جميع أنحاء السودان ومحاولة معالجتها بمسكنات وقتية لن تجدي فتيلاً، لأنها لا تستهدف جذور المشكلة، وإذا تصالح القوم اليوم بجهد الأجاويد والمجاملات، فإن الصراع سيتجدد في غد قريب، بل وسينفجر في مواقع أخرى فعندما كانت الأنباء ترد عن اشتباكات (الفولة) في جنوب كردفان انفجرت المعارك في منطقة جبل عامر شمال دارفور بين قبيلة الرزيقات وقبيلة بني حسين، ولم تتوقف إلا بعد تدخل القوات المسلحة واستعانتها بالإدارة الأهلية لتهدئة الخواطر بعد أن ظل القتال متواصلاً ثلاثة أيام وراح ضحيته أكثر من ثمانية وثلاثين مواطناً.

إننا في حاجة لنظرة شاملة لهذه الأوضاع المتفجرة، والتي تنذر بعواقب وخيمة على وحدة السودان وأمنه واستقراره.

الفجر الجديد : وثيقة الفرصة الأخيرة .... الخلفية والأسرار

بقلم مبارك الفاضل المهدي

12 يناير 2013 - في البداية نهنئ الشعب السوداني بوحدة المعارضة السودانية حول وثيقة الفجر الجديد التي قدمت حلا" شاملا" ورسمت طريقا" واضحا" للخروج ببلادنا من خطر التفتت والصوملة الذي يتهددها، لقد تجلت ازمة الحكم الحالية بانفصال جنوبنا الحبيب وأندلاع الحرب الاهلية من جديد في جنوب كردفان والنيل الازرق بينما دخلت الحرب الاهلية في دارفور عامها العاشر.

لم يكن التوصل الى هذه الوثيقة سهلا" لأن قرابة ربع قرن من حكم الانقاذ عمقت الجراحات وفجرت التناقضات في الدولة والمجتمع السوداني بشكل غير مسبوق. لقد استقبلت قطاعات واسعة وكبيرة من الشعب السوداني وثيقة الفجر الجديد بحماسة وتأييد كبيرين لأنها أحيت فيهم الأمل بأستعادة وطنهم وآدميتهم المسلوبة واضاءت لهم الطريق للخروج من النفق المظلم الذي ادخلهم فيه نظام الأنقاذ، ولكن رغما" عن ذلك تردد البعض وارتبك امام ارهاب أجهزة الانقاذ واعلامهم المضلل ولذلك كان لزاما" علي كأحد المشاركين والمبادرين لتحقيق وحدة الصف المعارض حول سودان المستقبل ان اوضح الحقائق والخلفيات التي صاحبت اخراج هذه الوثيقة:

أولا": لقد اتجهت الجهود لتوحيد الصف المعارض منذ العام 2007 بهدف منع انفصال الجنوب واستعادة الديمقراطية فتنادت قوى الأجماع الوطني والتقت في مؤتمر جوبا في 2009 الذي قاطعه حزب المؤتمر الوطني وتوصلت فيه الى اتفاق كان من المأمول ان يبقي على وحدة السودان ويحقق السلام العادل والتحول الديمقراطي من خلال الانتخابات العامة في 2010 ولكن المؤتمر الوطني اصر على تزوير الانتخابات وترتب على ذلك انفصال الجنوب، وانفجرت وتوسعت الحرب الاهلية مرة اخرى وانقسمت قوى الاجماع الوطني الى معارضة سياسية سلمية وقوى ثورية تحمل السلاح وكان نتيجة لذلك ان اصدرت قوى الاجماع الوطني رؤيتها لكيف يحكم السودان وكيف يتم التغيير في وثيقة البديل الديمقراطي التي صدرت في يوليو 2012 في الخرطوم ثم تبعتها الجبهة الثورية باصدار وثيقة اعادة هيكلة الدولة السودانية وبالتالي تنادت القوى المعارضة لتوحيد الوثيقتين في وثيقة واحدة مشتركة خاصة وان الوثيقتين قد تطابقتا بنسبة تفوق ال 90% في بنودهما وعليه التام مؤتمر كمبالا لهذا الغرض فكان مولد وثيقة الفجر الجديد.

ثانيا": اتخذ مؤتمر كمبالا منهجا" واضحا في التوصل للوثيقة المشتركة وذلك باعتماد كل البنود المتطابقة في الوثيقتين ونقلها كما هي دون تصرف في وثيقة الفجر الجديد أما القضايا المختلف عليها فقد تمّ حصرها منذ الجلسة الاولى للمؤتمر وهي: نظام الحكم رئاسي ام برلماني، مستويات الحكم الفيدرالي، الوحدة الطوعية وعدد الأقاليم، طول الفترة الأنتقالية، علاقة الدين بالدولة، الهوية، الترتيبات الأمنية الأنتقالية، وسائل التغيير.

وساستعرض فيما يلي كيفية توافق المؤتمرين حول هذه القضايا في وثيقة الفجر الجديد:

1- نظام الحكم رئاسي ام برلماني: وقد حسم لمصلحة النظام الرئاسي اذ ان النظام البرلماني كان مختلفا" عليه فيما بين قوى الاجماع الوطني فالتقت رؤية الجبهة الثورية وحزب الامة ورجحت كفة الرئاسي خاصة وان النظام البرلماني لا يصلح في ظل النظام الفيدرالي واثبت فشله في الديمقراطيات الثلاث السابقة.


2- مستويات الحكم الفيدرالي: الوثيقتان اتفقتا على النظام الفيدرالي ولكن اختلفتا حول عدد مستويات الحكم بين ثلاثة واربعة ولقد تم الاتفاق على اربعة مستويات وهي الاتحادي، الاقليمي، الولائي والمحلي مع مراعاة التكلفة الاقتصادية من اجل توفير الموارد للخدمات والتنمية، وعلى ان يتم مراجعة مستويات الحكم نحو مزيد من التقليص لتحاشي الترهل الاداري.


3- الوحدة الطوعية وعدد الاقاليم: تم الاتفاق على استبعاد مطلب الوحدة الطوعية الوارد في وثيقة الجبهة الثورية واحالته للمؤتمر الدستوري واستعاضة عنه تم زيادة عدد الاقاليم من خمسة الى سبعة بالاضافة الى العاصمة الخرطوم وذلك بافراد اقليم لجنوب كردفان واقليم للنيل الازرق علما" بان اتفاق اسمرا للقضايا المصيرية واتفاقية السلام في نيفاشا قد نصتا على استفتاء مواطني المنطقتين على مستقبلهما الاداري وبعد جدل ونقاش عميق حسم الامر لصالح توحيد الهيكل الفيدرالي على المستويات الاربع وكان ذلك اكبر مكسب لوحدة السودان اذ ان التصويت في النيل الازرق في ظل المشورة الشعبية في العام الماضي قبل اندلاع الحرب اتجه نحو المطالبة بالحكم الذاتي.


4- الفترة الانتقالية: كان هناك تباين بين اقطاب وثيقة البديل الديمقراطي حول طول الفترة الانتقالية اذ نادى المؤتمر الشعبي بأن تكون عاما" واحدا" وحزب الامة قال بسنتين وبقية القوى السياسية طالبت بثلاث سنوات وتم التوافق في وثيقة الاجماع الوطني على عامين ونصف العام بينما جاءت وثيقة الجبهة الثورية بستة اعوام فتوافق الاجتماع على فترة انتقالية تمتد لاربعة اعوام مع وعد بدراسة مقترح تقدمنا به للاجتماع بانتخاب مجلس تشريعي قومي بنظام القائمة الحزبية على مستوى السودان في نهاية العام الثاني ليتولى المجلس المنتخب مهام التشريع ويقوم باختيار وانتخاب اجهزة الحكم الاتحادي والفيدرالي للنصف الثاني المتبقي من الفترة الانتقالية.


5- علاقة الدين بالدولة: اعتمدت وثيقة الفجر الجديد ما اجمعت عليه القوى السياسية في مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية بمنع استغلال الدين في السياسة وذلك من خلال تحريم اي تشريع يتعارض مع حقوق المواطنة المتساوية او يخالف حقوق الانسان كما نصت عليه المواثيق الدولية. هذا النص وقع عليه في اسمرا مولانا محمد عثمان الميرغني والمرحوم الدكتور عمر نورالدائم والمرحوم الدكتور جون قرنق واقره وايده الامام الصادق المهدي عند خروجه في تهتدون في ديسمبر 1996 هذا الى جانب اعتماده من كل القوى السياسية المنضوية حاليا" تحت مظلة قوى الاجماع الوطني. ولكن برز الاشكال وحدثت البلبلة عند اضافة نص خلافي ورد في ديباجة وثيقة الجبهة الثورية اصرت عليه بعض الفصائل التي لم تشارك في مؤتمر اسمرا، هذا النص القائم بفصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة استغله المؤتمر الوطني وحوره تزويرا" مرددا" بأن الوثيقة نصت على فصل الدين عن الدولة وحقيقة الامر ان هذا النص لا يعني من قريب او بعيد ما ذهب اليه المؤتمر الوطني والناقلون عنه. لقد اوضحنا للفصائل التي اصرت على تضمين هذا النص بانه لن يخدم الهدف المنشود في منع استغلال الدين في السياسة لأن المؤسسات الدينية هي مؤسسات تنفيذية تتبع للدولة ويناط بها تنظيم ممارسة المجتمع لمعتقداته وشعائره وهو من صميم مسئوليات الدولة ولكن بما اننا استوفينا المطلوب بالنص على ما اتفق عليه في ميثاق أسمرا حول علاقة الدين بالدولة لم نر ما يضير من النزول على اصرار الاخوة في ايراد هذا النص بعد ان تشاور بعض ممثلي الاحزاب مع قياداتهم في الداخل.


6- الهوية: لقد اغفلت وثيقة الاجماع الوطني مخاطبة موضوع الهوية بصورة مباشرة بينما نصت وثيقة الجبهة الثورية باختصار على السوداناوية كهوية وبعد نقاش مستفيض وشفاف تم التوافق على النص الوارد في الوثيقة ( تتأسس الهوية السودانية على الرابطة الجامعة القائمة على مكونات الثقافة والجغرافيا والارث الحضاري الممتد لسبعة الف عام).


7- الترتيبات الامنية الانتقالية: لم تتطرق وثيقة الاجماع الوطني لها بينما استفاضت وثيقة الجبهة الثورية حولها وهذا طبيعي لامتلاكها قوات عسكرية وبعد نقاش تم الاتفاق بصورة واضحة على ترسيخ قومية ومهنية وحيادية مؤسسات الدولة النظامية الحافظة للامن والمنفذة للقانون ( الجيش، الشرطة والامن) بما يتيح التوازن والمشاركة لكافة اهل السودان. كما جاء بوضوح في الفقرة 4/د الاتي: اجراء ترتيبات انتقالية شاملة تفضي الى اعادة هيكلة واصلاح القوات النظامية الوطنية بصورة تعكس قوميتها وتضمن مهنيتها وحياديتها وقد تكرر هذا التاكيد بقومية القوات المسلحة ودورها كمؤسسة وطنية في البند 4/4. كذلك نصت الوثيقة بوضوح على حل جهاز الامن الحالي لانه جهاز تأسس حزبيا" لقمع المعارضين واستبداله بجهازين احدهما للامن القومي الخارجي والاخر جهاز للامن الداخلي يتبع للشرطة ونصت الوثيقة على حل الدفاع الشعبي وكل المليشيات الحزبية المماثلة التي انشاها نظام الانقاذ فمن اين جاء المرجفون بان الوثيقة تقوض اجهزة الدولة؟ انها على عكس ذلك ترسخ قومية الاجهزة وتقوض الاجهزة الحزبية للمؤتمر الوطني. جاء في البند 4/ج بتشكيل مفوضية قومية واكرر قومية مرة اخرى لاعادة تكوين قوات نظامية قومية من قوات الجبهة الثورية والقوات النظامية، لقد فسر البعض هذا البند تفسيرا" خاطئا" بعد ان نزع عن سياقه اذ انه وارد ضمن جملة من البنود تحت الترتيبات الامنية الانتقالية اكدت كلها على ضرورة استعادة قومية القوات النظامية، ان هذا النص لا يعني اكثر من استيعاب قوات الجبهة الثورية في القوات النظامية وهو نص موجود في اتفاقية نيفاشا وفي اتفاقية مالك عقار ونافع علي نافع في اديس ابابا في يونيو 2012 ومبدأ معمول به في اتفاقيات دارفور (ابوجا والدوحة) فما هو الجديد في هذا الامر يستوجب الطعن فيه؟.

8- وسائل التغيير: هناك خلاف معلن ومعروف بين قوى الاجماع الوطني والجبهة الثورية حول وسائل التغيير، كان هذا التباين واضحا" في الوثبقتين ولذلك كان راي وفد الداخل ورأينا استبعاد هذا البند من الوثيقة الموحدة لأنه غير قابل للتوفيق في هذه المرحلة طالما ان نظام الانقاذ رافض لوقف العدائيات ورافض للحل التفاوضي وقد تراجع وتنصل عن الاتفاق الذي وقعه نافع علي نافع مع مالك عقار في اديس ابابا في يونيو 2012 ولكن راى بعض المشاركين بان حزفها قد يشكل تساؤلا" واتهاما" ولذلك اوردوا في ختام الوثيقة بوضوح بان لكل طرف وسائله في النضال وان الجبهة الثورية لا ترفض النضال السلمي لاسقاط النظام بل تفضله وتؤيده وهو لا شك تطور ايجابي يحسب لمؤتمر كمبالا.

وفوق كل ذلك ترك المؤتمرون الباب مفتوحا" أمام مزيد من المشاورات بقصد تطوير الوثيقة حيث اتخذوا قرارا" بتشكيل لجنة لمراجعة الوثيقة بغرض التحسين وتجويد الصياغة وفقا" لما تتلقاه من ملاحظات من القوى السياسية في الداخل ومنظمات المجتمع المدني وفصائل الجبهة الثورية على ان تقوم بدراستها ورفع توصياتها لاجتماع مجلس التنسيق المشترك الذي تجري مشاورات لتشكيله من ممثلي القوى الموقعة على الوثيقة. وقد جاء تشكيل هذه اللجنة تأسيا" بمؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية الذي شكّل لجنة لذات الغرض ترأسها المرحوم الدكتور عمر نورالدائم تقدمت بتوصياتها لاجتماع هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي الذي تداول حولها واقرّ التعديلات على ميثاق اسمرا.

لقد انتقد البعض وعاب قيام اللقاء بدون اجندة مسبقة او تحضير جيد، بعضهم بحسن نيّة وآخرون بقصد الطعن في قيمة الوثيقة الوطنية، وهذا غير دقيق لان الحوار حول القضايا التي ناقشتها هذه الوثيقة ظل متصلا" بين قوى الاجماع الوطني والجبهة الثورية بفصائلها المختلفة كما ان الحركة الشعبية – شمال، كبرى فصائل الجبهة الثورية، كانت عضوا" فاعلا" في قوى الاجماع الوطني قبل اندلاع الحرب في العام الماضي، اضافة" على ان القضايا الواردة في الوثيقتين ظلت محل حوار مكثف منذ مطلع التسعينات ومثال على ذلك قضية الدين والدولة التي صدر بها اعلان نيروبي في عام 1993 وميثاق اسمرا في عام 1995، وايضا" مسائل الحكم الفيدرالي والهوية والتحول الديمقراطي.

لقد تمت الدعوة لهذا الاجتماع لمناقشة جند واحد وهو توحيد وثيقتي البديل الصادرة من قوى الاجماع الوطني في الداخل واعادة الهيكلة الصادرة من الجبهة الثورية وذلك من اجل توحيد رؤية المعارضة السودانية حول برنامج الانتقال ومستقبل نظام الحكم في السودان.

هذه شهادتي للتاريخ حول وقائع اجتماع كمبالا وأود في ختام هذا المقال ان ابعث بثلاث رسائل:

الرسالة الأولى للشعب السوداني العظيم الصابر والقابض على الجمر ادعوه الى الالتفاف حول هذه الوثيقة بكلياته لأنها تعتبر الفرصة الأخيرة للمحافظة على ما تبقى من ارض الوطن، لقد بنى نظام استراتيجيته على تفتيت كل مكونات الشعب السوداني من احزاب سياسية ونقابات واتحادات وقبائل وهدم الخدمة المدنية وقومية الاجهزة النظامية والمشروعات القومية من اجل فرض سيطرته ووصايته على السودان واهله ولكن وثيقة الفجر الجديد هي الأمل في اعادة صياغة الدولة السودانية على العدل والحرية والمساواة والاعتراف بالواقع التعددي لبلادنا حتى نجعل من التعدد قوة ونفتح الطريق امام السلام والتحول الديمقراطي واستعادة مكانة السودان في الساحتين الاقليمية والدولية. ان التقاء القوى السياسية والعسكرية في الوسط والهامش يساهم في ردم الفجوة التي تسببت فيها الانقاذ عبر الفتنة العرقية والقبلية ودون ذلك التلاحم ستلجأ قوى الهامش للمطالبة بحق تقرير المصير مما يؤدي الى مزيد من التفتت والتشظي للوطن الذي فقد حديثأ ثلث اراضيه ومواطنيه بانفصال جنوب السودان.

الرسالة الثانية: لقياداتنا التاريخية والحديثة مؤكدا" لهم أن هذه الوثيقة غطت كل القضايا محل الجدل في الساحة السياسية منذ الاستقلال، القضايا التي بسببها دخلت البلاد في حرب اهلية في الجنوب واستمرت لسنوات طويلة أزهقت فيها ارواحا" عزيزة على الوطن وبددت فيها الثروات والموارد وضاعت فرص كبيرة كان من الممكن ان تجعل من السودان نموذجا" ناجحا" للتنمية وتصاهر الاعراق والثقافات في افريقيا والعالم، حدث كل ذلك بسبب اصرار النخب التي حكمت منذ الاستقلال على اعتماد هوية احادية للسودان، وعلى الذين لا ينتمون اليها القبول بذلك طوعا" او كرها". كما كرست النخب الحاكمة، مدنية كانت ام عسكرية حكما" مركزيا" قابضا" ادى الى تهميش غالبية سكان السودان ثم جاءت ثالثة الاثافي، حكم الانقاذ الانقلابي الذي فرض ابشع استغلال للدين وتطرّف في فرض احادية دينية وثقافية واثنية وحرم الشعب السوداني من مكتسباته التاريخية في مجانية العلاج والتعليم ودمر الزراعة معاش السواد الاعظم من أهل السودان فعم الفقر وانفجرت ثورة الهامش المسلحة بسبب القهر والظلم وحرب الابادة والتطهير العرقي الذي مارسته وتمارسه الانقاذ. اقول لقيادات الاحزاب التي مهر ممثلوها هذه الوثيقة بتفويض وعلم وتنسيق كامل ان هذه الوثيقة مفتوحة للتحسين بقرار الاجتماع في جلسته الختامية، لذلك لا تبددوا الوقت وتتخذوا من هذه جزئيات زريعة للهروب من المسئولية الوطنية فشعبنا يموت بالالاف يوميا" وبلادنا تحترق وتتفتت ليس فقط بفعل الحرب الاهلية ولكن بفعل سياسات الانقاذ التي جلبت الفقر والجوع والمرض فعليكم ان تغتنموا هذه الفرصة الاخيرة وتتقدموا الصفوف لقيادة الثورة الشعبية لاسقاط النظام او تترجلوا فاسحين المجال لمن هم اقدر على القيادة والتضحية فليس هنالك نضال دون تضحيات.

ورسالتي الأخيرة ابعثها للمشير عمر البشير وحزبه، المؤتمر الوطني، وما تبقى من الحركة الاسلامية اقول لهم ان وحدة الحركة السياسية في الوسط والهامش هي ترياق مضاد لتشظي ما تبقى من الوطن اذ انها رسمت خريطة طريق للسلام والتحول الديمقراطي والانتقال السلمي للسلطة تفاديا: لمزيد من الاحتراب والدمار، انني اناشدكم مواجهة الواقع واغتنام هذم الفرصة للترجل سلميا" اذ لم يعد هناك مجال للمناورة او استخدام الوسائل المجرّبة البالية من اعتقال وارهاب وتهديد بحل الاحزاب فاذا ذهبتم في هذا الطريق وعدتم الى مربع الانقاذ الاول فستكون النتيجة هي دفع كل القوى السياسية في اتجاه العمل المسلح، كما حدث في ليبيا وسوريا، (قلت لقادة جهاز الامن عند اعتقالي في ابريل الماضي عليكم الاختيار بين احترام الحقوق الدستورية للعمل السلمي من اجل التغيير او الحجر على الحريات والحقوق الاساسية وقمع المعارضين وبالتالي ترجيح كفة العنف والعمل المسلح)، انها الفرصة الاخيرة للأنتقال السلمي قبل انفجار الثورة، فاما قبول اجماع اهل السودان في هذه الوثيقة والعمل على نقل السلطة طوعيا" للشعب عبر القوات المسلحة كما حدث في مصر وتونس واليمن واما مواجهة الشعب السوداني بكلياته ومن المؤكد أن ارادة الشعوب لا تقهر.

التمويل الأجنبى لمنظمات المجتمع المدني واتهامات النائب الاول للرئيس

بقلم علاء الدين بشير

الخرطوم 5 يناير 2013 - ضمن حديثه للتلفزيون الحكومي الأربعاء 2 يناير الماضي ازاح النائب الاول للرئيس، على عثمان محمد طه، الستار عن الدوافع الرسمية التى حدت بالسلطات إلى ابتدار حملة لأغلاق المراكز الثقافية ومنظمات المجتمع المدني، والتي تم منها حتى الآن اغلاق مركزي الدراسات السودانية والخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية. وتلخصت هذه الدوافع (الرسمية) فى تلقي هذه المراكز (حسب علي عثمان) أموالاً من جهات أمريكية لتغيير النظام او خلخلته وان هذه الجهات الامريكية ماهي إلا واجهات للمخابرات الامريكية، و أضاف : "كلنا يعلم أن هناك كثيراً من اجهزة المخابرات الدولية وقوى النفوذ العالمي تتخذ منظمات المجتمع المدني واجهات لتمرير اجندتها وهذا ليس بسر".

و وعد النائب الاول للرئيس بنشر اسماء المنظمات السودانية (التى ضنّ عليها بصفة الوطنية) التى تلقت اموالا امريكية، للرأي العام كما وردت فى كتاب قال انه صدر فى الولايات المتحدة الامريكية.

اول ما تجب الاشارة إليه ان مبدأ تلقي منظمات المجتمع المدني أموالاً من الخارج هو امر مشروع وفقا للأعراف الدولية، وحتى للأعراف الوطنية، فحتى قانون العمل الطوعي لعام 2006 المعيب و المرفوض من قبل المجتمع المدني والسياسي، لم يمنع الحصول على تمويل أجنبي، ولكنه اشترط الحصول على موافقة الوزير المسؤول أولاً، وطبقا لمدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية الذي تم اغلاقه الاسبوع الماضى، الباقر العفيف، فان الوزير السابق، احمد هارون وعد قادة منظمات المجتمع المدنى بعد احتجاجهم على المادة التى تقيد الحصول على تمويل من الخارج بموافقة الوزير فى القانون، بأنه لن تفعّل المادة ضد المنظمات ولكنه لن يستطيع حذفها من القانون. وقال مدير ادارة المنظمات، بمفوضية العون الانساني، علي آدم حسن لصحيفة (المجهر السياسى 26 أغسطس2012 ضمن تقرير للصحفى،محمد محمد عثمان) "إن القانون أصلا يمنع تمويل المنظمات الوطنية من جهات خارجية، إلا اننا تسهيلا لعمل المنظمات الوطنية لا نتمسك بهذا الامر تجاوزا، ونترك المنظمات تأتي بالتمويل من الخارج لتمويل مشروعات من جهات خارجية" ثم تابع "وهذه المشروعات لا تتم إلا عبر مراجعة المفوضية وموافقتها عبر اتفاقية فنية بين الطرفين فى القطاع المعني سواء كان فى التعليم أو الصحة أو غيرها من القطاعات".

ظلت تلك المادة موجودة فى القانون واستمرت المنظمات تتلقى تمويلا خارجيا منذ العام 2006 و حتى العام 2012 .وقانون العمل الطوعي للعام 2006 كان اول قانون اختبر به الشعب السودانى نزاهة النظام والتزامه بالدستور الانتقالى للعام 2005 و الذي اشتمل لأول مرة على وثيقة كاملة للحقوق كفلت الحق للمواطنين فى انشاء الجمعيات و المنظمات المدنية و السياسية، واحتاط الدستور لأحابيل النظام فى التفافه على الحقوق الدستورية و مصادرتها عبر القوانين باستحداث عبارة: (وفقا لما ينظمه القانون فى مجتمع ديمقراطى)، حيث الزم المشرّع بتفصيل قانون يغلّب جانب الحرية والسعة فيها على القيد، حيث ان المبدأ الاصيل فى الدساتير ان الحقوق و الحريات لا تضار بالتشريع وانما تزدهروتتسع به. وقد رفعت منظمات المجتمع المدني دعوى دستورية ضد القانون في المحكمة الدستورية فى ذات العام الذى وضع فيه القانون ولكنها جمّدت ولم يبت فيها حتى اليوم كأكثر الأدلة سطوعاً على سوء النية وعدم استقلال المؤسسات المعنية بالعدل والقضاء فى البلاد .

ويتضح من ما سبق أن القيد على التمويل الاجنبى للمنظمات ليس موقفا مبدئيا لدى النظام الحاكم فى السودان ولكن القيد واقع على المنظمات غير الموالية له وعلى توظيف تلك الاموال فى ما يراه النظام خطرا على سيطرته وبقائه فى الحكم و بالتالى دمغ المناوئين له بأنهم متورطون فى انشطة تهدد الامن القومى المفصّل على مقاس نظامهم و احيانا على اشخاص فى النظام وهذا مبحث اخر ناتى له فى حينه . وبحسب ناشطين فى المجتمع المدني غير الموالي للنظام، فقد تعرضت منظماتهم للتضييق من قبل السلطات قبيل انتخابات العام 2010، فيما يتعلق بالتمويل الخاص بالتدريب على رفع الوعى الانتخابى للاعلاميين والنشطاء. ويربط البعض الآن بين اغلاق المراكز الثقافية والتضييق على النشاط المدني العامل من اجل التوعية والتنوير بتزامنه مع ارهاصات الدستور الجديد الذي يسعى النظام الى طبخه بليل، وتفصيله على حسب مفاهيمه الايدولوجية و مصالحه المادية الضيقة، واقصاء الآخرين . ومع ان النائب الاول للرئيس قال ان الكتاب الامريكى ذكر ان التمويل الغرض منه (تغيير النظام وخلخلته)، الا ان محرري صحيفة (سودان تربيون) الالكترونية نفوا بعد اطلاعهم على النسخة الالكترونية للكتاب ان يكون قد اشتمل على ذلك.

و تبرز حاجة المجتمع المدني الى التمويل الاجنبي، بصورة ملجئة، في ظل الوضع الراهن، الذي فاق فيه النظام الحاكم من حيث استبداده وقسوته وتضييقه على شعبه - وخاصة المعارضين له - دولة الاستعمار الاوربي، فتجفيف الموارد الذي يتبعه النظام مع خصومه طال حتى المجتمع المدني الذي يمارس دوره فى التوعية والتنوير، وليس له اجندة عاجلة لاسقاط النظام، وان كان يرمي على المدى البعيد، وعبر تغيير المفاهيم – سلميا - إلى تغيير وتحديث كامل البنية و النظم السياسية التى انتجت النظام القائم و فرّخت الاستبداد بأشكاله المختلفة . وقد بلغ الصلف وقهر واذلال الخصوم من المثقفين و المعارضين السياسيين عند النظام ان لاحقهم فى ارزاقهم و ارزاق ابنائهم لدرجة الملاحقة لمن قرر منهم أن (يفرش) ذرة بالملوة فى سوق كادوقلي، وذلك الآخر الذي اتجه الى عمل (كشك مديدة) فى أم درمان.

التمويل ومصادره الاجنبية لا يعنى تبعية من تلقوه الى الجهات المانحة، كما حاول النائب الاول للرئيس ان يوحى بذلك حينما قال: "وهناك الآن كتاب عن الولايات المتحدة يسمي (rogue state) يتحدث عن ارتباط المخابرات الامريكية بتمويل انشطة منظمات المجتمع المدني في العديد من البلدان الافريقية والعربية، بل ذكر بالتحديد اسم بعض المنظمات السودانية، ولا اقول الوطنية التي تتلقى اموالا". فالمعلوم من الامر بداهة ان المنظمات الوطنية تتقدم بمشاريعها التى تريد تنفيذها فى بلدانها ومجتمعاتها الى الجهات المانحة ولا احد يملي عليها مشروعا بعينه، وانما يتم اختيار المشاريع والبرامج المراد تطبيقها من قبل المنظمات الوطنية بناءً على حاجة مجتمعاتها وقيمها والقناعات الفكرية والسياسية للعاملين في المجتمع المدني الوطني، فهم ووفقا لقناعتهم تلك يرون ان خط التطور والتحديث في مجتمعاتهم وتوصيل الخير اليها يتم عبر هذا الطريق، ولا تنفذ هذه البرامج عبر خلايا ماسونية، وانما تقام فى شكل ندوات او ورش عمل مفتوحة و معلن عنها قبل قيامها بأيام وتكون محضورة اعلاميا احياناً كثيرة، بل و يكون المشاركون فيها فى احيان كثيرة من اقطاب النظام الحاكم، او من ذوي القربى الفكرية له او كتبا مطبوعة و مطروحة فى ساحة المقارعة الفكرية الحرة او فيلما ذو محتوى هادف او حفلا موسيقيا راقيا غير مبتذل او برامج للتدريب و رفع قدرات الشباب و وعيهم . كما ان هذه الجهات المانحة ولأنها مساءلة من حكوماتها وامام دافع الضرائب في بلدانها، فانها تنشر اسماء المنظمات التى دعمتها والمبالغ التى سلمتها لها والبرامج والمشاريع التي تريد انفاذها فى بلادها بالتمويل الذي تلقته منها. و منظمات المجتمع المدنى الوطنية أغلبها تقيم جمعياتها العمومية بحضور ممثل للحكومة وتخضع حساباتها للمراجعة القانونية وتعلن للجهات الحكومية حجم المبالغ التى استلمتها وأين صرفتها.

اما بخصوص ما يحاول ان يصور من ارتباط للمخابرات الامريكية بتمويل منظمات المجتمع المدنى، ففى تقديرى ان هذا الربط كان من ادوات التشويه والاغتيال السياسي للخصوم في مراحل سابقة ابان الحرب الباردة وما بعدها، اما الآن وبفضل الله اولاً، ثم بفضل انتشار الوعي النسبي وهجرة السودانيين الكثيفة فى السنوات الماضية الى الولايات المتحدة خاصة و الدول الغربية عامة ، فان مثل هذه الدعاوى ما عادت تثمر ودوننا الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق وكيف ان آلة الدعاية الرسمية ظلت طوال 21 عاماً ترفعه للسودانيين على انه مخلب الغرب والصهيونية العالمية ولكننا رأينا جميعا كيف كانت الحشود التى استقبلته فى الخرطوم وليس في جوبا.

البداهة تقول انه لا توجد جهة استخبارية في العالم تتعامل مع المجتمع المدني تأتي وتقول له انها مخابرات، والمجتمع المدني حينما يتقدم بطلبات للتمويل يتقدم الى منظمات لها وجودها الحسي والمعنوي وسمعتها الحسنة فى بلدانها منذ عشرات السنين، ولا يوجد مبرر منها للسعي والتنقيب حول صلة هذه المنظمات بأجهزة المخابرات فى بلدانها وحتى وان وجدت هذه الصلة فما الفرق فى التحليل الاخير بين وزارة الخارجية الامريكية او الكونغرس او المعونة الامريكية او مركز الدراسات الاستراتيجية و الدولية بواشنطن او مركز كارتر الذى اعطى مشروعية نسبية لتزوير الانتخابات السابقة مثلا و بين المخابرات الامريكية؟، اليست كلها مؤسسات للدولة الامريكية وعاملة من أجل حماية المصالح العليا للأمة الامريكية، أو كما يقولون هناك؟، ما الفرق بين هذه المؤسسات الامريكية وبين وزارة الخارجية البريطانية او البرلمان الاوربى او الاتحاد الاوربى او غيرها من المؤسسات الغربية طالما قالت ان جزءا من حماية مصالحها العليا هو رعاية قيم حقوق الانسان والديمقراطية والحكم الراشد وبناء القدرات واغاثة المتضررين من الكوارث الطبيعية والاوبئة والامراض ..الخ .. (والكضاب وصلوا لي خشم الباب) كما يقول المثل السودانى الدارج !! . وقادة المجتمع المدنى و العاملون فيه على تفاوت بينهم، بعضهم عاش فى الغرب ودرس فيه، يعرفون جيدا مثالب الحضارة الغربية ووجهها الدميم، ويختلفون معها بمقدار ويرفضون نزعات الهيمنة والوصاية ويناهضون ضمن نشاطهم الفكري والسياسي وعملهم المدني في مجتمعاتهم الاسس التى قامت عليها الرأسمالية الغربية، ولكنهم فى المقابل ايضا واعون للقيم المشرقة فى الحضارة الغربية، بل ان بعضهم يتبنى مشروعا للحداثة والتغيير مختلف فى جوهره مع المفاهيم الغربية للحداثة والتطور، هم قبلوا اليد الممدودة من الغرب فى عالم انفتح على بعضه و يمضى حثيثا ليكون حكومة واحدة و نحن مشتبكون معه شئنا ام ابينا فهذا قدرنا المقدور ومن جهات قالت لهم نحن حلفاء لكم من غير وصاية ولا املاء بل و انها لها مصلحة فى ذلك حيث اننا مصنفون دولة فاشلة و اتفق لدى الغربيين ان الخطر القادم اليهم من البلدان الفاشلة اكبر من التهديد الذى كانت تمثله لهم دول الكتلة الشرقية فى السابق وبالتالي تلقي التمويل منهم ليس عيبا وانما العيب في التنازل عن الاجندة الوطنية الحقيقية، وهي استعادة الديمقراطية والحرية والعدالة وايقاف الحروب الاهلية وكفكفة آثارها وتعزيز الوحدة الوطنية الحقيقية والعمل من أجل كرامة الانسان السودانى و هذا من مهام المجتمع المدنى و المراكز الثقافية التى تتعرض الان لهجمة شرسة من نظام المؤتمر الوطنى الحاكم .

اما اذا كان النائب الاول يقصد حين ربط المجتمع المدني بالمخابرات الامريكية انه – أي المجتمع المدني - ضالع فى انشطة تخابر وتجسس، فوثائق ويكلكس وقبلها التقارير في كبريات الصحف الامريكية والاوربية كشفت عن من هم المتخابرون الحقيقيون لصالح الغرب ومن تخلى عن المستجيرين به من (اخوة الدين)، ومن يريدون خطب ود اسرائيل ويوّسطون لها الوسطاء الدوليين، وليس ببعيد عنا ضربة مصنع اليرموك وما صرح به الناطق الرسمى باسم الجيش حول الاختراق في الأجهزة الامنية والعسكرية للنظام . وعلى التحقيق ان الكثيرين لا يرون فى التعاون من اجل الحرب على الارهاب عيبا اذا ما كان عودة الى الحق و مراجعة للاخطاء و التصورات المعادية للسلام العالمى و فى سياق رؤية كلية للاصلاح نابعة من الذات و ليست محض مخاتلة و اتقاء للعصا الامريكية و الغربية الغليظة.!!.. هل يمكن لعاقل ان يتصور ان تخرج معلومات امنية او عسكرية او اقتصادية لأى جهة غربية من المراكز الثقافية فى الخرطوم ومن المثقفين القائمين عليها او الذين يرتادونها؟. ليس لنظام الانقاذ مشكلة مع المخابرات الامريكية فيما يبدو لنا، فهي لا تسعى لتغيير نظامهم كما قال على عثمان، بل هي كانت ولا زالت السبب – الظاهر - ببقائهم فى الحكم حتى الآن عبر التوصيات التى ترفعها للادارة الامريكية عن التعاون الجيد للنظام السوداني في محاربة الارهاب وكيف انه لا غنى عن المعلومات التي يوفرها النظام السوداني واجهزته الاستخبارية من اجل حماية المصالح الامريكية فى المنطقة، بل ويرى بعض المحللون ان امريكا كانت ولا تزال من الناحية العملية وراء تعطيل تنفيذ مذكرة القبض على الرئيس البشير رغم تصريحاتها المؤيدة لها ظاهريا.

ان الدمغ بالعمالة للامريكان او (الانبطاح) لهم كان من الاتهامات المستمرة التى تكال للنائب الاول للرئيس وشيعته الذين رافقوه فى مفاوضات السلام من داخل نظامه وحلفائه المقربين، لذلك كان الأجدر به ان يربأ بنفسه عن المزايدة فى هذا الاتجاه، فاعتماداً على منطقه هذا فانه من اكبر المتعاونين مع المخابرات الامريكية، نتيجة قيادته لمفاوضات السلام مع الحركة الشعبية فى كينيا وتوقيعه على اتفاق سلام معها، و من عجب ان القيادى بالمؤتمر الوطنى ، قطبي المهدى قال عنه فى حوار مع صحيفة (الشرق الاوسط) فى سبتمبر من العام الماضي "انه (أي اتفاق نيفاشا) وضع من قبل المخابرات الامريكية ومراكز الدراسات الاستراتيجية الامريكية" هذا الاتفاق الذي أعطى النظام الحاكم ستة اعوام اضافية فى الحكم باعتراف دولي ووفر له فرصة ثمينة من اجل رتق ما انفتق من ثيابه ولكنه خاتل كعادته، منتظرا الطوفان ! .. فهل نلوم النائب الاول للرئيس على عثمان محمد طه على توقيعه اتفاق السلام ام نشكره عليه .. وهل نلوم منظمات المجتمع المدنى الوطنية على استنادها على المؤسسات الغربية فى التمويل من اجل خدمة مواطنيها الذين افقرتهم ماديا و فكريا حكومة النائب الاول للرئيس ام نشكرها على صنيعها ذلك ؟

!!! الذين يسرقون الشمس

بقلم: د. هشام محمد عباس ـــ أستاذ جامعي

* الذين يسرقون الشمس .. محاولة ابداعية جديدة عالجها المخرج الشاب الطيب صديق عبر فيلم روائي قصير شارك فيها عدد من نجوم الدراما السودانية تناول عبره بالرمز والوضوح ما تستغله بعض الجهات لتساهم في تأزيم قضية دارفور عبر نموذج إحدى القصص الشهيرة التي كان ابطالها الأطفال الذين تم تهريبهم إلى واحدة من الدول الأوربية.

* الملفت في الفيلم هو العنوان فالشمس ترمز للآمال والاحلام ومستقبل الأجيال وللأطفال الذين سيقودون التقدم والنهضة وبهذه السرقة فإن الإحتلال يعود من باب آخر ونوافذ مختلفة عبر دورب جديدة.

* أبدع الكاتب عادل إبراهيم محمد خير في التأليف ونعلم سهولة تحويل النص المكتوب سواء كانت قصة أو رواية إلى فلم وصعوبة إستدعاء الخيال للتعبير عن قضية اجتماعية أو سياسية أو ثقافية مرتكزة على التداول الشعبي من غير وجود قالب أدبي يحتويها ويوظفها لكاتب السيناريو.

* وقمة ابداع (الذين يسرقون الشمس) أنه تنتقل إفتراضياً إلى أمكنة متعددة شملت دارفور وفرنسا وغيرها دون أن يشعر المتلقي بمحدودية مكان التصوير.

* لقد إستخدم الفيلم الروائي (الذين يسرقون الشمس) مفردات لغوية سهلة الوصول إلى قلوب المتلقين وعكست اللهجة المحلية بدارفور مع القيام بالترجمة الفورية باللغة الإنجليزية على الشريط مما جعل البعد الدولي متوافراً لاتساع دائرة تلقي المشاهدة وانتقاله من الإطار المحلي إلى الإطار الدولي.

* لقد استخدم الفيلم مؤثرات صوتية غاية في الروعة عكست التراث المحلي وخاطبت الوجدان وكانت مزيجاً من الموسيقى المؤلفة خصيصاً للفيلم بإتقان عالي ووصلات غنائية قصيرة بإيقاع جذاب عبَّر عن القضية بروح الآسى والتحسر.

* استخدم المخرج الشاب الطيب صديق أغلب أنواع اللقطات عبر الكاميرا مما جعل المتلقي يشعر بالتنوع وطبيعة المكان ساعده على ذلك تمكنه من استخدام الخدمات الإنتاجية من ديكور واكسسوار وغير ذلك اضافة إلى المعالجة التقنية الممتازة للصوت والإضاءة وانعكس ذلك في صورة تجعل المتلقي وكأنه جزء من المشهد الفيلمي.

* لقد ناقش الفيلم قضية كبرى وهي عكس وجهة النظر السودانية في قضية دارفور ومحاولة الخطاب الدولي لابراز بعض الحقائق الغائبة عن الإنسان الغربي حيث أصبحت قضية دارفور من الأوراق التي تمارسها بعض المنظمات على الحكومات الغربية للضغط عليها في محاولة لتجريم الحكومة السودانية.

* قال الطيب صديق في (38) دقيقة هي زمن الفيلم ما لم تستطع أن تقله الدبلوماسية السودانية عبر سفاراتها ومستشاريها الإعلاميين ومنابرها وفي تقديري أن صوت السودان في المرحلة القادمة لن يصل ما لم يتم تطوير أفكار الإنتاج التي يقودها أمثال الأستاذ الطيب صديق.

* والفيلم نفسه تحدث عن محلية الخطاب السياسي عندما زار أحد المسئولين أسر ضحايا الأطفال المختطفين وخطب خطبة عصماء متوعداً الخاطفين وحفرت بعد ذلك سيارته رمال القرية فكان خطاباً للمجاملة أكثر منه لتجريم الغرب عبر المنابر الدولية.

* كما توجه الفيلم برسالة ناقدة للنخب المثقفة عندما صورهم وهم في مركز ثقافي بعيداً عن الميدان يتناقشون فيما بينهم ولا تصل افكارهم أكثر من حدود باب المركز دون ان يستطيعوا ايصال الظلم عليهم وعلى مجتمعهم إلى الآخرين.

* لقد استخدم الفيلم طريق (الرواية) لايصال الأفكار وتسلسل المشاهد عندما بدأت الفنانة الرائعة (فائزة عمسيب) تحكي لاحفادها الصغار حكاية الأطفال المختطفين وفي ذلك رسالة أن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا في الأساطير والأحاجي وحكايات المستحيل جنباً إلى جنب مع حكايات المرفعين وحكايات التماسيح والغول وغير ذلك من القصص التي تخاطب الخيال.

* لقد كانت ليلة رائعة وولاية نهر النيل تحتفي بأبنها الذي نشأ بمدينة الدامر الذاخرة بالتاريخ والعلم والمعرفة والإبداع وذلك عبر ليلة تكريمية دعا إليها والي نهر النيل ونظمتها هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية نهر النيل لابنها المخرج الطيب صديق بمناسبة فوز فيلمه بالبورنزية في مهرجان تونس الأخير وذلك من بين أكثر من مائتين فيلم مشارك وقد تمَّ في الليلة التكريمية عرض الفيلم الفائز اضافة إلى فيلمه عن أرملة الراحل البروفيسور عبد الله الطيب (جريلزلدا) الطيب أو جوهرة كما يناديها عبقري الأدب عبد الله الطيب.

* لقد قدم هذا الفوز وهذا الإحتفاء التاريخي رسائل مهمة أولها قدرات الشباب في الإنتاج الإعلامي والترويج لأعمالهم اضافة إلى امكانيات وخبرات الإعلاميين في الولايات حيث نشأ الطيب بين استديوهات الإذاعة والتلفزيون في ولاية نهر النيل وجاء إليها باكراً وخرج منها إلى الخرطوم وهو مزود بالخبرات والمعارف الإعلامية، أما الرسالة الثالثة فهو الوفاء من زملائه بالاعلام المحلي وعلى رأسهم الأستاذ/ مزمل سليمان حمد مدير هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية نهر النيل الذي انتقل إليها حديثاً من الإذاعة السودانية ليواصل العطاء الذي بدأه.

* الذين يسرقون الشمس آلة دبلوماسية جديدة تخاطب بوعي وادراك ولن تستطع الحكومات وحدها التعبير عن حقيقة الأمر في السودان وعن ثرائه الإجتماعي والثقافي ما لم تتهيأ الفرص لأمثال الأستاذ الطيب صديق ليعبروا بإبداعهم إلى عقل الغرب وعاطفته عبر طريق قصير وذكي.

* لابد لي من من كلمات شكر وثناء لكل الذين عطروا ساحات وحدائق تلفزيون عطبرة ليشاهدوا (الذين يسرقون الشمس) وهم يكرمون ابنهم الطيب ومعه أصدقاء المهنة والعمل والإبداع.

* ونقول لفضائيات بلادي ... متى نشاهد الذين سرقوا الشمس؟

ماذا تفعل عندما ينتحر عدوك؟

بقلم: محمد أحمد الحسين

ربما لأوّل مرّة أتَّفقُ مع مبعوث أمريكي ولا أظنُّ أنَّ المبعوث برنستون ليمان كان سيقول ما قال لصحيفة (الشرق الأوسط) اللندنيَّة لو أنَّ تكليفه لم ينتهِ في نهاية عام «2012م» فقد صدع بشيء من الحقيقة التي يُخفيها كل الدبلوماسيين لأنَّها لا تتَّفق مع رؤية إدارتهم المنحازة لدولة جنوب السودان.

قال ليمان في إجابة عن سؤال حول سبب تردُّد الجنوبيين في تحسين علاقاتهم بالسودان: (يظل القادة في الجنوب يتصرَّفون وكأنَّهم لا يزالون يحاربون الشماليين في الغابة.. أحياناً أتشاءم وأقول إن الحركة الشعبية يمكن أن تقبل، ليس فقط انتحاراً اقتصادياً ولكن أيضاً انتحاراً سياسياً، تفكِّر الحركة وكأنها جيش تحرير يمكن أن يعود إلى الغابة ويحارب بصرف النظر عن مصير بقية المواطنين)!!

بالله عليكم هل كنا نقول بغير ما يقول هذا الرجل الذي اعترف أخيراً بأنَّ الحركة تمارس الانتحار الاقتصادي والسياسي وهي تتصرَّف بمنطق الغابة بعيداً عن منطق رجال الدولة المسؤولين عن إطعام شعبهم وإقامة المنشآت والبنيات الأساسية اللازمة للنهضة والتطوُّر؟!

صحيح أنَّه لم يقُل صراحةً لماذا تنتحر الحركة اقتصاديّاً وسياسيّاً لكننا قلناها مراراً وتكراراً إن السبب يعود إلى ذلك الحقد الأعمى الذي تسبَّب في اشتعال التمرد عام «1955م» أي قبل أن ينال السودان استقلاله وهو ذات الحقد الذي ظل يسود مسيرة الدماء والدموع طوال العقود الماضية والذي دفع قرنق لتبنّي مشروع السودان الجديد الذي عبَّر عنه باسم حركته (الحركة الشعبيَّة لتحرير السودان) وظلَّت الحركة ــ ويا للعجب ــ تحتفظ باسمها الاستعماري حتى بعد أن (استقلَّت) بدولتها!!

(تفكِّر الحركة وكأنَّها جيش تحرير) هذه هي العبارة التي تفوَّه بها الأمريكي ليمان.. والصحيح أن الحركة تفكِّر باعتبارها (جيش تحرير) وليس (كأنها جيش تحرير).

عندما كتبتُ أنَّ الحركة تمارس الانتحار كنتُ أُوجِّه رسالتي لأولئك الغافلين الذين ظلّوا يُحسنون بها الظنّ ويُديرون خدَّهم الأيسر ثم الأيمن ثم الأيسر ثم الأيمن وهي تُمعِنُ في لطْمهم من هنا وهناك ولا يرعوون أو يتَّعظون وهي تلدغُهم المرَّة تلو المرَّة.

ظلَّ هؤلاء يتضاحكون مع باقان وهو يكيل لهم ولشعبهم ولبلادهم السِّباب والشتائم وظلُّوا لا يصدِّقون وهو يحدِّثُهم عن مشروع السودان الجديد الذي سيعملون على إنفاذه ولم يستجيبوارغم الضائقة الاقتصادية والمجاعة لمطلوبات اتفاقية أديس أبابا.

وأخيراً شهد شاهدٌ من أهلها هو ليمان بقوله إنَّ الحركة الشعبية تمارس الانتحار فهل تنقذ عدوّك عندما ينتحر أم تسهِّل عملية الانتحار؟!

من أسفٍ فإن أهلَنا الطيبين يُنقذون الحركة كلَّما أوشكت على أن تدُقَّ عنقَها وتهوي إلى قعر جهنَّم فمتى يُفيق هؤلاء متى متى متى؟!

متى يعلم أو يقتنع الغافلون أنَّ قطع رأس الأفعى يُغني عن قطع الذنب وأنَّ الطريق إلى كاودا يمرُّ عبر جوبا وأنَّ اقتلاع الحركة الشعبية من جوبا أسهل من اقتلاع عملائها في كاودا؟!

العالم النحرير الأستاذ محمد طه الحسن الخطيب كان فقده على أهله وعلى منطقته جللاً وهكذا شأن العظماء.

أتيح الفرصة للأستاذ محمد أحمد الحسين ليذرف بعض الدمعات على رجل حقَّ للبواكي أن يبكِيْنَه لعلَّ ذلك يكون مواساة لأهله المكلومين ولصديقي عبد الدافع الخطيب الذي بلغ حزنُه على عمِّه الفقيد مبلغاً عظيماً:
لكِ الله تعالى يا تنقسي فقد رحل عنكِ الخطيب

إن المحن والمصائب والكوارث قد تصيب وتنزل بالناس أو الشعوب أو الأوطان في بعض الأحيان وتهون ويطويها النسيان ولكن بعضها قد يكون قاسيًا ومفزعاً وذا وقع أليم وخطب جسيم وذا خسارة فادحة كبيرة يصعب احتمالها والصبر أو السلوان عنها، ذلك الخطب الفادح قد حلَّ قبل وقت بتنقسي الجزيرة المنكوبة أصلاً.. بل حلَّت بالوطن كله برحيل الأستاذ الجليل والعالم الكبير محمد طه الحسن الخطيب سليل آل الخطيب بتنقسي قادة الأئمة وأهل القرآن وحماة الدين بها عبر السنين. أفل نجمُهم الوهّاج وانخسف قمرُهم الوضَّاء بانتقال الراحل إلى دار البقاء وإلى مثواه الأخير مشيعًا على الأكتاف في موكب من جمع غفير أغلبهم من طلابه ومريديه من أهل تنقسي بالخرطوم والبلد ثم أهل الشجرة حيث داره العامرة بينهم كقلعة حصينة يلوذون بها في مواسم الأعياد والانتخابات لممثلي المنطقة في الرسميات وكان موكب التشييع مهيبًا يعلوه الخشوع وتحفُّه السكينة وتنسكب من عيون الجميع وتنهمر الدموع حزناً على غياب الراحل الرفيع الشأن عنهم في رحلة اللا عودة مخلِّفاً سيرته العطرة مع حصيلة وذخيرة علمية أو ثقافية وفكرية غرسها في عقولهم مع أعمال اجتماعية ووطنية سوف تُلقي بظلالها عليهم وترفرف روحه فوقهم تذكِّرهم بقيمها وبفقد الخطيب أيضاً ورحيله فقدت جزيرة تنقسي عَلَمًا بارزاً من أعلامها البارزين وفقيهًا من علمائها المحقِّقين وابنًا باراً من أبنائها المخلصين إذ كان عاشقًا لها شفوقاً بها ومهمومًا بمشكلاتها وقضاياها يلهج بها دائمًا ويسأل عن أحوال أهلها وهو مريض طريح الفراش وحتى قُبيل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة وتصعد روحه الطاهرة إلى بارئها رب العالمين.

وإذا رجعنا إلى الوراء وإلى تاريخ الراحل حين كان طالبًا للعلم بمصر نجده حافلاً بالكثير فيها بالذي لا يُحصى ولا يُحصر من الأعمال والإنجازات. وحيث كنتُ له رفيقًا وصديقاً وزميلاً نعتنق منهجًا واحداً ونسلك طريقًا مستقيمًا معتدلاً في جني المعرفة وإن كان الراحل قد سبقني في الذهاب إلى مصر ببضع سنوات وعاد قبلي منها بعد أن مكث للدراسة بالأزهر الشريف خلال جزء من أربعينيات القرن الماضي وجزء من خمسينياته أيضًا حاز فيها أعلى شهادات كلياته ثم ترك مصر وودَّعها بعدما خلَّف وراءه فيها مكانة وشهرة كبيرة في أدوار ونشاطات منوَّعة في مُحيط الطلاب كان يتقلَّدها في مهارة وحسن قيادة وتنظيم وتدبير سواء كانت اتحادات جامعات أو كليات أو أندية ثقافية خاصة كالنادي السوداني أو روابط وتقلد رئاستها لعدة سنوات حتى عودته نهائياً إلى السودان بعد أن أثراها وأغناها بالمنجزات والأعمال والمناشط من كل نوع ولون عاد إلى السودان الذي كان خير سفير له وأشجع مناضل عنه وجده قد تحرَّر وفُكَّت أغلالُه من الاستعمار البغيض، عاد إليه الراحل ليصبح مربي جيل ومعلم شباب بالمرحلة الثانوية، وكانت كعودة السيف إلى قرابه والليث إلى منيع غابه، عاد إلى حلقات الدروس وإلى ساحات التعليم لينثر درر العلم ويفجِّر ينابيع المعرفة في الأدب واللغة العربية والدين لطلابه الكثيرين من موقع تربوي إلى آخر ثم صعد إلى الإدارات التربوية فتطوَّر فيها وجدَّد وأبدع ولكن لم يلبث فيها كثيراً حتى اختير ليكون ملحقًا لسفارتنا بمصر لخبرته بمشكلات الطلاب وقدرته  على حلها ثم عاد من تلك المهمة إلى السودان وظلَّ في خدمته حتى أُحيل إلى المعاش وفيه أخذ يواصل نشاطه التربوي وتأليف الكتب في موضوعات مختلفة أعجب كثيرٌ من القراء بها كما أُذيع نماذج من موضوعاتها في الإعلام المتطوِّر للإفادة منها. ألا رحم الله الراحل الكبير محمد طه الخطيب وأدخله جناته ذات النعيم المقيم.