آراء ومقالات

Recent Posts

Tags

Community

Email Notifications

Archives

November 2012 - Posts

في السودان: الجيش ينحاز إلى الشعب مقدما

بقلم عبدالوهاب الافندي

29 نوفمبر 2012 — في منتصف الأسبوع الماضي، وبعد يومين من اختتام مؤتمر الحركة الإسلامية السودانية، خطب مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني الفريق محمد عطا في دفعة من خريجي الجهاز، مؤكداً أن هذه الدفعة قد تلقت تدريبات ذات طبيعة قتالية متقدمة، وأنها ستقوم بإنهاء التمرد في جنوب كردفان ودارفور خلال العام القادم، كما أنها ستقوم بالقضاء على من وصفهم ب "الطابور الخامس" في داخل العاصمة السودانية. وبعد يوم واحد من هذا الخطاب، أعلن جهاز الأمن عن اعتقال قيادات بارزة في القوات المسلحة، معروفة بانتمائها الإسلامي وشعبيتها داخل وخارج الجيش، واتهامها ب "محاولة تخريبية" لم توضح تفاصيلها. وقد تم اعتقال أشخاص من خارج الجيش، بينهم مدير المخابرات السابق صلاح عبدالله (قوش)، وعدد من المدنيين وضباط الأمن.

وقبل أن تنبري قيادات خارج وداخل الحركة الإسلامية للتصدي لهذه الادعاءات، وتصفها بأنها افتراءات في حق المعتقلين وتشويه متعمد لأنصار دعوة الإصلاح، أثار تسلسل هذه الأحداث أسئلة متعددة الأبعاد حول العلاقة بينها. ذلك أن إعلان الفريق عطا عن تلقي الدفعة المعنية من رجال الأمن تدريبات قتالية ذات مستوى عالٍ، وربط ذلك بإنهاء التمرد في دارفور وغيرها يثير بلا شك حفيظة القوات المسلحة، لأنه ليس من شأن مدير المخابرات الحديث عن إنهاء التمرد، أو غير ذلك من مهام القوات المسلحة. وعندما يحدث هذا، خاصة عندما يوحى بأن متدربي جهاز الأمن هم من سينهون التمرد، فإن هذا يمثل طعناً في أداء القوات المسلحة واغتصاباً لدور قادتها في تحديد مهامهم وتقييم إنجازها. في نفس الوقت، فإن المهمة الأخرى التي تحدث عنها الفريق عطا، وهي التصدي لمن وصفهم بالطابور الخامس، لا تحتاج إلى تدريبات قتالية من هذا النوع، لأن "الطابور الخامس" يتكون عادة من أفراد مدنيين في حالة تخف، ولا يحتاج الأمر سوى إلى تحديد هوية المطلوب ثم إلقاء القبض عليه.

التفسير المقنع لهذا التضارب هو أن الأهداف الحقيقية لتصريحات عطا وإظهار القدرات العسكرية لأجهزة الأمن هو إرسال رسالة للجيش بأن جهاز الأمن قادر على مواجهته إذا لزم الأمر. ولعل هذه الرسائل، إضافة إلى النتيجة المخيبة للآمال لمؤتمر الحركة الإسلامية، هي التي عجلت بالمواجهة بين الجيش والأمن، وهي مواجهة سوف تتفاقم، خاصة لدى اعتقال ضباط كبار في الخدمة من قبل جهاز الأمن. ذلك أنه حتى لو ثبتت صحة التهم الموجهة إليهم، فإنه كان من الواجب أن يتم اعتقالهم من قبل الاستخبارات العسكرية والتحقيق معهم من قبل القضاء العسكري. ولكن يبدو أن النظام أصبح لا يثق في أي قطاع من الجيش.

ولعلها كانت مفارقة أن رئيس عطا السابق في قيادة جهاز الأمن، الفريق صلاح قوش، كان هو من استن سياسة "عسكرة" جهاز الأمن وتزويده بقدرات موازية للجيش، وكان قد سبق خلفه عطا في انتهاج سياسة الخطب الحماسية وتوجيه التهديدات للمعارضين، كما سن سنة توجيه تهم "العمليات التخريبية" للمعارضين، ومن بين هؤلاء نائب الرئيس الحالي الحاج آدم الذي ظل مطارداً لسنوات. ولهذا كان مستغرباً اعتقال قوش مع مجموعة من ضباط الجيش العاملين واتهامه بالاشتراك معهم في محاولة انقلابية. ذلك أن قوش قد أقيل من منصبه قبل أكثر من عامين، وعين مستشاراً للرئيس، وهو منصب فقده أيضاً العام الماضي. وليس لقوش نفوذ في الجيش، ولا يعتقد أن له نفوذاً في الأجهزة الأمنية. ولم يحضر قوش مؤتمر الحركة الإسلامية الأخير، كما أنه لم يعرف عنه أي تحرك بين دعاة الإصلاح. ويرجح كثيرون أن اعتقال قوش كان عملية مقصودة لتشويه سمعة الضباط المشهود له بالكفاءة والسمعة الحسنة.

ويبدو أن الشخصية المحورية في هذه المواجهة هي العميد محمد ابراهيم عبدالجليل الشهير بود ابراهيم، وهو شخصية مهنية، يلتف حوله الضباط الشباب من الإسلاميين ويدينون بولاء شديد له. وتتفوق شعبية ود ابراهيم داخل القوات المسلحة على شعبية الرئيس، في مقابل وزير الدفاع الذي تدنت شعبيته إلى ما دون الصفر. وغير معروف عن ود ابراهيم أي نشاط سياسي، حيث اقتصرت مهامه على العمل العسكري، حيث كان ينتدب دائماً للمهمات الصعبة. وقد كان على رأس سبعمائة من الضباط وجهوا قبل عامين مذكرة احتجاج شديدة اللهجة للرئيس البشير تحتج على أوضاع القوات المسلحة وسوء الإدارة فيها.

لهذا السبب نأى العميد محمد ابراهيم بنفسه عن الشأن العام، وكان طريح الفراش حين وقعت واقعة هجليج وزاره وزير الدفاع في منزله يرجوه تولي قيادة العمليات، فاستجاب بعد أن كرر انتقاداته للوزير والحكومة. وكان هو من قاد المجموعة التي دخلت هجليج في عملية التفاف مباغتة من الجنوب، وحسمت المعركة. وبالإضافة إلى كفاءته العسكرية وتفانيه في عمله، عرف ود ابراهيم بالنزاهة والبعد عن أي شبهة فساد، حيث ما يزال يقيم في منزل حكومي متواضع ولا يملك منزلاً يخصه، رغم أنه يتحكم في ميزانيات تتجاوز المليارات، ولا تخضع لمحاسبة أو رقابة بسبب طبيعة المهام التي ظل يتولاها. لكل هذا ترى السلطة أن الرجل يشكل تهديداً لها بسبب ما يتمتع به من كاريزما وقدرات، رغم أنه ظل حتى الآن من أهل الولاء، وبعيداً عن الاستقطابات التي ضربت الحزب والحكومة في الآونة الأخيرة. ولكن يبدو أن صبر العسكريين، مثل كثيرين غيرهم من أنصار النظام من غير الفاسدين، قد أخذ ينفد، وهم يرون البلاد تترنح من كارثة إلى أخرى دون أفق منظور.

وكنا قد علقنا من قبل عندما صدرت مذكرة مجموعة من الإسلاميين تطالب بالإصلاح بأن اضطرار أنشط أنصار الحزب وأكثرهم فاعلية إلى رفع مذكرة بآرائهم ومطالبهم لقيادة حزب يؤكد انهيار مؤسسات الحزب قد انهارت وفقدان فاعليتها. وأعجب من ذلك ألا يصل خبر المداولات المتطاولة (ذكر معدو المذكرة أنها استغرقت عاماً كاملاً) التي شارك فيها المئات، إلى سمع قادة الحزب، حتى أن الرئيس الفعلي للحزب قال، حتى بعد صدور المذكرة، أنه لا يعرف شيئاً عمن أصدرها! وقد أردفنا بين يدي مؤتمر الحركة الإسلامية القول بأن الحكومة قد دخلت، على مايبدو، في حرب مع أقرب أنصارها. إلا أن الأحداث والمزاعم الأخيرة تكشف أبعاداً أخرى للأزمة لم تخطر حتى على بالنا. فقد كنا على يقين بأن النظام الحالي قد طلق السياسة وأخذ يحكم بثنائي القوة والرشوة. ولكن أن يصل الأمر حتى يضطر النظام إلى اللجوء إلى الأجهزة الأمنية لكي يستكشف آراء ومخططات أعضاء الحلقة الداخلية من جهازه العسكري، فهذا يكشف أن النظام معزول ليس فقط في داخل البلاد والحزب والحركة الإسلامية، بل أيضاً في داخل الجيش. أما إذا صح كذلك أن كوادر أمنية كانت من بين الناقمين، فإن الأمر يكون قد بلغ المدى.

وبغض النظر عن صحة التهمة في حق الضباط المعتقلين، فإن هذه المواجهة قد أوصلت الأزمة الداخلية في النظام إلى مرحلة اللاعودة. فإذا كانت المجموعة بريئة مما نسب إليها، فإن الحكومة قد افتعلت صراعاً مع الجيش لن تكسبه بالقطع. إما إذا صحت التهمة، وكان الأمر قد بلغ بقيادات الجيش الملتزمة أنها قررت قلب النظام والتخلص من القيادات التي توصل كثير من أنصار النظام إلى أنها فاسدة وفاشلة ومقصرة، فإن الأمر يكون أفدح بكثير. وفي هذه الحالة فإن النظام يكون قد أسدى لهذه المجموعة خدمة كبيرة، لأن الهجمة الإعلامية على هؤلاء القادة العسكريين قدمتهم إلى الشعب، وكشفت هويتهم، بعد أن كانوا يعملون في صمت بعيداً عن الأضواء، ولا يعلم بإنجازاتهم وتفانيهم إلا القلة داخل القوات المسلحة.

ولا يستبعد أن تكون بعض الأطراف تعمدت تسريب المعلومات عن نوايا هؤلاء حتى يتحقق لهم ما تحقق الآن من تغطية إعلامية واسعة. فلو أن انقلاباً وقع فجأة بدون مقدمات، فإن هذا قد يخلق بلبلة في أوساط القوات المسلحة وأوساط أنصار الحزب، وقد يؤدي إلى صدامات. وبنفس القدر فإن الجماهير قد لا تتجاوب مع التغيير لأنها قد لا تعرف مراميه وأطرافه. ولكن الآن، وبفضل إعلام النظام المحموم، علم القاصي والداني بأن هذه المجموعة معادية للفساد والاستبداد، ومنادية بإشاعة الديمقراطية، بدءاً بتحرير الإعلام، والفصل بين الحزب والدولة، والتوافق بين كل القوى السياسية على دستور ونظام سياسي جديد، وتنظيم انتخابات حرة يشارك فيها الجميع، وإبعاد الجيش كلياً عن السياسة وتحييده بين القوى السياسية. وعليه فإن أي تحرك للجيش على هذه الأسس سيجد المساندة من كل قطاعات الشعب، بما في ذلك أنصار الإصلاح داخل المؤتمر الوطني، وسيمثل أقرب الطرق وأقلها كلفة ل.

الخلاصة هي أن الجيش قد سحب دعمه من النظام، وانحاز إلى الشعب، حتى قبل أن يتحرك الشارع. وهذه إشارة خضراء للجماهير لكي تخرج مطالبة بحريتها، وهي واثقة من أن الجيش لن يتصدى لها، بل بالعكس، قد يخرج للدفاع عنها إذا استهدفتها الأجهزة الأمنية. بل إن هناك مؤشرات إلى أن مكونات مهمة في القطاع الأمني قد سحبت بدورها دعمها للنظام وانحازت إلى معسكر الإصلاح. وهذا يؤكد أن العد التنازلي قد بدأ للتغيير الذي طال انتظاره، سواء أكان بمبادرة من الجيش، أم بتحرك شعبي ينحاز إليه الجيش ويدعمه.

سائحون: الإصلاح سريع الذوبان

بقم مجدي الجزولي

إن صح أن مدير الأمن السابق صلاح قوش وضابط الاستخبارات العسكرية العميد محمد ابراهيم عبد الجليل كانا يدبران لانقلاب قاعدته السياسية "سائحون" وفتى إعلانه غازي صلاح الدين فقد تورط أطراف هذا الحلف في أقصى فسالة البرجوازية الصغيرة وغرورها ولكن خابت خطتهم، أما إن كانت الحكومة قد استعجلت جميع هؤلاء بضربة استباقية خوفا من أن تقوى شوكتهم السياسية فقد رفعت سقف الصراع داخل حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية بل كذلك داخل أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية إلى مستوى ضرب النار.

أعلن "سائحون" عن أنفسهم بمبادرة للم شعث الحركة الإسلامية بين الوطني والشعبي وتجديد طاقتها، وأصبحوا بذاتهم منبرا سياسيا تنسب له المواقف ويصدر البيانات لكن بأجندة تنتهي عند حوش الإسلاميين، بل تكاد ترى الوطن ساحة لمغامراتهم. إذا كان جماعة "سائحون" هم أنفسهم الألف أخ أصحاب المذكرة فالتاريخ عندهم يبدأ بانقلاب 1989 ما قبله جاهلية وما بعده صفحات ليس فيها سوى إرادة الإخوان وسيرة صراعاتهم. انشغل "سائحون" بخاص أمرهم في كل نشاطهم، الظاهر منه والخفي، فلم تصدر منهم حتى رسالة واحدة لعامة الناس. لا تجد في أدب "سائحون" الشحيح ذكرا للشعب إلا كمادة عاطلة للسياسة، سيستقبل ولا بد صحوتهم إلى دعوة الإصلاح اليوم بالتكبير والتهليل بضمان بطاقات الدفاع الشعبي والأمن الشعبي التي يحمل معظمهم.

دخل "سائحون" مؤتمر الحركة الإسلامية الثامن وفي نيتهم قلب الطاولة على كرادلة المؤتمر الوطني والفوز بقيادة الحركة كأداة للقيامة السياسية على الرئيس البشير وحكومته. استعد الوطني لهذا التحدي المتوقع بتوسيع المؤتمر ليصبح منبرا أمميا حصدت فيه الحركة الإسلامية الموجودة فعلا مشروعية اقليمية وقبولا في نادي القوى الإسلامية التي صعدت إلى السلطة على أجنحة الربيع العربي، وفيهم من كان حتى وقت قريب ولي حميم لحسن الترابي، والذي بدوره خاطب الزوار الأجانب أن الإسلام إسلامي أنا، ولكن للحكم أحكام. لم يظفر "سائحون" بمرادهم في مؤتمر الحركة، فقد تآمرت ضدهم مكيفات قاعة الصداقة وقوى الربيع العربي الحاكمة والكثير من أخوانهم وأخواتهم الذين آثروا سلامة الدولة على سكة الثورة التصحيحية، فأقر المؤتمر ربط الحركة بقيد هيئة عليا تضم الرئيس ونوابه ورئيس البرلمان وانتخاب الأمين العام من داخل مجلس الشورى لا المؤتمر العام.

لم ينجح تدبير "سائحون" كما تصور أهله، لكن لم يجدد مجلس الشوري العهد لعلي عثمان ولا ذابت الحركة الإسلامية بالكلية في المؤتمر الوطني. بدلا عن البناء على هذا الكسب السياسي، على تواضعه، انجرف "سائحون" في سكة مؤامرة كانت ترادوهم كما يبدو تختصر الطريق إلى "الإصلاح" عبر كوبري القوات المسلحة، كل ذلك في حجاب عن الشعب صاحب الأمر بالأصالة، غمتي بين يدي عزيز قدير. أعلنت الحكومة كشف "المحاولة التخريبية" وحبست قوش وود ابراهيم ومن معه فخاطب "سائحون" أخيهم الرئيس يطلبون التفاهم، غاب عنهم الشعب في التدبير وفي النكسة كما كان سيغيب عنهم في الانتصار.

المحاولة الانقلابية...كشفت حجم خلافات الإسلاميين

قـــوش وإخـــوانـــه..الإسلاميون العسكر.. انقلاب أم تغيير «بعض» الوجوه؟!

تحليل:  أحمد يوسف التاي - أسامة عبد الماجد

المحاولات الانقلابية لتغيير نظام الحكم في السودان خلال الـ «23» عاماً الماضية والتي اصطلح عليها بـ«المحاولات التخريبية» على كثرتها وقوتها وكثرة عدد ضحاياها جراء ردة الفعل الحكومية إلا أنها لم  تثر جدلاً، وتترك تساؤلات كما فعلت الأخيرة التي تسرّبت المعلومات الكافية بشأنها وتناقلتها وسائل الإعلام المختلفة قبل أن يعلنها رسمياً وزير الإعلام الدكتور أحمد بلال في مؤتمره الصحافي أمس... ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا أثارت هذه المحاولة التي برز فيها اسم مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق الفريق صلاح قوش، والعميدمحمد عبد الجليل «ود إبراهيم»، واللواء عادل الطيب «سلاح الإشارة» ،لماذا أثارت دون غيرها كل هذا الجدل، ولماذا حظيت بالاهتمام المتعاظم من وسائل الإعلام العالمية والمحلية، هذا فضلاً عن استحواذها على مساحة واسعة على مجالس السياسة والإعلام، وعامة الناس..وثمة أسئلة أخرى لا تقل أهمية يمكن طرحها في هذا المقام: هل ما حدث حقيقة، أم أنها عملية مفتعلة لتصفية بعض الحسابات الشائكة داخل البيت الإنقاذي؟ وهل صحيح أن للعملية بعدًا خارجياً كما ذكرت الحكومة رسمياً؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟.

للإجابة عن كل تلك الأسئلة يمكن الإشارة ولو عرضاً إلى بعض المعطيات التي يمكن أن تسهم بشكل واضح  في الاقتراب من الإجابات الصحيحة، وذلك على النحو التالي:
قوش، الرجل الخطير:

أولاً: هذه المحاولة الانقلابية والتي تسمى «التخريبية» ــ في عرف الإنقاذ ــ تختلف عن سابقاتها، حيث كانت الحكومة في كل المحاولات السابقة تتهم جهات معارضة للنظام ذات انتماءات لأحزاب معارضة، الأمر الذي اختلف هذه المرة حيث أشارت أصابع الاتهام بشكل جلي إلى أقوى عناصر الإنقاذ نفسها، والدليل هو اعتقال قوش وهو يعتبر من أخطر عناصر الإنقاذ التي مرت على جهاز المخابرات والأمن، وكذلك العميد محمد عبد الجليل «ود إبراهيم»، وهو من أصلب عناصر الإنقاذ العسكرية، وكذا  اللواء عادل الطيب « سلاح الإشارة»، وهناك آخرون أكثر خطورة لم تفصح عنهم الحكومة، ربما لأن ذكرهم لن يكون مفيدًا لها على الأقل في التوقيت الحالي.

نبوءة الترابي

ثانياً: ظهور تلك الشخصيات  في المحاولة، واعتقالها له دلالات وأبعاد كثيرة مرتبطة بالإنقسام الداخلي وصراع مراكز القوى داخل المؤتمر الوطني، وهو أمر يؤكد بشكل قاطع نبوءة الدكتور حسن الترابي زعيم المؤتمر الشعبي الذي صرّح قبل أسبوعين بتوقعاته حدوث انقلاب عسكري من داخل الإسلاميين أنفسهم، حيث أشار إلى أنه لو حدث إنقلاب سيكون من الإسلاميين أنفسهم.. ولا شك أن تنبؤات الترابي لم تأتِ من فراغ إذ أن الأجواء الخلافية داخل صفوف المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية باتت تنبئ بأكثر من ذلك حيث جعلت الساحة مفتوحة لكل الاحتمالات.

خلافات عميقة

ثالثاً: إذا صح أن قوش وآخرين يرتبون لتغيير النظام القائم، فإن الأمر في مجمله يعكس دلالات خطيرة وهي أن حالة الانقسام داخل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني أصبحت عميقة جدا إلى الدرجة التي لا ينفع معها الحوار وليس كما قال وزير الإعلام في مؤتمره الصحفي: « محاولة إسقاط النظام أحلام ليس لها سيقان، والتركيبة الحاكمة على أفضل ما يكون وأعلى انسجام، وما يجري لا يشكل تهديداً لسلامة البلاد وأمان المواطنين»... ووزير الإعلام يقول ذلك وكأن اعتقال «13» من المشتبه بهم من بعض ضباط القوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات والمدنيين، وعلى رأسهم الفريق أول صلاح عبدالله »قوش« واللواء عادل الطيب والعميد محمد إبراهيم »ود إبراهيم« أمر طبيعي ..!!!. 


اغتيالات سياسية
رابعاً: ثمة دلالات أخرى وهي أن ما حدث يشير إلى أن أجواء الصراع بين النخبة الحاكمة في البلاد إذا ما استمرت على ما هي عليه، فإنه لم يُستبعد حدوث إاغتيالات سياسية، وتصفيات لبعض الشخصيات  في مقبل الأيام، طالما أن الخلاف بلغ ذروته ودفع البعض إلى التفكير في الانقلاب العسكري، ومعلوم أن مثل هذه المغامرات ليست نزهة أو طريقاً مفروشاً بالورود، إذ لابد من ضحايا محتملين، وهو أمر أيضاً تعززه بعض التنبؤات التي تشير إلى أن نهاية حكم الإسلاميين في السودان سيكون فيما بينهم.

خامساً: أما من حيث التوقيت فإن العملية اُختير لها توقيتاً حساساً للغاية، وهو التزامن مع مرض الرئيس البشير، والشائعات التي انطلقت في هذا الصدد، واستعداد وتسرع بعض الإسلاميين في اختيار خليفة للبشير، هذا فضلاً عن إسقاطات مؤتمر الحركة الإسلامية الذي كانت ربما نتائجه معروفة لدى المتهمين بالمحاولة ربما ربما...

الإسلاميون العسكر.. انقلاب أم تغيير «بعض» الوجوه؟!

قبل شروق الشمس بساعات قليلة من يوم أمس كان الفريق مهندس صلاح عبد الله «قوش» بمنزله بالخرطوم منهمكًا في القراءة وكان كل شيء من حوله فيه كثير من الروتين قبل أن تنقلب رأسًا على عقب.. حالة قوش رسمها لي صديق عزيز كان قد هاتفه بساعة أو يزيد قبل أن تأتي السلطات لتعتقله بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية لا يزال يكتنفها الغموض، حيث لم تُفصح الحكومة عنها شيئًا إلا تفاصيل قليلة جدًا مثل عدد المتهمين فيها وهم نحو «13» رجلاً أبرزهم قوش والعميد محمد إبراهيم عبد الجليل ومصطفى نور الدائم واللواء عادل الطيب من سلاح النقل بينما تناقلت مواقع إسفيرية أسماء عدد من الضباط والمدنيين وجلُّهم لا علاقة لهم بالمحاولة ولم يتم التحفظ عليهم مثل قائد الفرقة «20» بابنوسة اللواء كمال عبد المعروف قائد معركة تحرير هجليج، ووالٍ سابق بإحدى ولايات دارفور هاتفته وهو غارق في الضحك عندما أبلغته بورود اسمه، وبالسخرية التي عُرفت عنه سفَّه الأمر.

المهم أن جميع من تم ذكرهم إن كان رسميًا أو من باب التخمينات هم من أبناء الإنقاذ وممَّن أبلوا بلاءً حسنًا في مشروعها بدءًا من قوش الذي أدار جهاز الأمن في مدة عصيبة ويمتلك كل مفاتيح السلطة، وما من شفرة إلا والرجل يعرف كيفية فكها، بجانب العميد محمد إبراهيم عبد الجليل «ود إبراهيم» الذي عمل ضابط أمن بالقصر الجمهوري « 2001 إلى 2004» وهو من الضباط البارزين المجاهدين إذ يلقَّب بأمير الدبَّابين، وأذكر في رمضان الماضي لبَّينا دعوة إفطار بمنزله بحي المزاد بالخرطوم بحري الذي توافد إليه المئات من المجاهدين وهو من رجال المؤسسة العسكرية الذين يعرفهم الجيش الشعبي من خلال عمليات صيف العبور بالجنوب وتلشي بجنوب كردفان وتربطه علائق وثيقة بقيادات المجاهدين الذين تبوأوا مناصب وزارية على رأسهم وزير الكهرباء أسامة عبد الله ووزير الدولة بالرياضة السابق منسق الدفاع الشعبي عبد القادر محمد زين، وعمل ود إبراهيم قنصلاً بسفارة السودان بكينيا «2004 ــ 2008» وعاد والتحق بالاستخبارات العسكرية ثم إلى الأكاديمية العسكرية «إدارة التدريب».. شارك في عملية تحرير هجليج ويتردد أن المجاهد الوزير عيسى بشرى الذي حضر إفطار المجاهدين الأخير بمنزل ود إبراهيم وكذلك غازي صلاح الدين تربطه علاقة وثيقة بالرجل، وقد طلب من الرئيس أن يرافقه إلى هجليج.. ويلتف المجاهدون خلف ود إبراهيم خاصة عندما يردِّد معهم قصيدته ذائعة الصيت التي عرفه بها عامة الناس  «ليش ليش يا مجاهد» والتي تقول:

كلاشنكوفك والجيم أفهم .. في الرأس تنشينك لالا ترحم 
للقاء أعدائك لا تهاب الدانة لا تخشى لغم 

أنصار ود إبراهيم 

لكن من المهم التوقف عند محطة ود إبراهيم وليس قوش وذلك أن ثلاثة آخرين من الـ «13» مقربون جدًا منه، وقد تم القبض عليهم، وبحسب مصدر موثوق هم النقيب أمن علاء الدين محمد عبد الله من أبناء قوز المطرق بولاية نهر النيل كان بإدارة العمليات بجهاز الأمن والمخابرات قبل أن يتم نقله قبل عام ونصف إلى وحدة صغيرة قرب مدينة عطبرة تسمى سيدون وهي مناطق القيادي البارز بالوطني قطبي المهدي، والثاني نقيب أمن بإدارة العمليات إبراهيم عبيد الله من أبناء جنوب كردفان، والاثنان من المجاهدين القدامى الأصفياء شاركوا في عدد من متحركات الجهاد قبل التحاقهم بالجهاز وعملوا تحت إمرة ود إبراهيم بمناطق الإستوائية ويحبونه لوجه الله حتى إن علاء الدين عند احتلال هجليج استأذن قائده ورافق ود إبراهيم الذي قاد محور العرب «المسيرية» والذي ساهم في تحرير هجليج والثالث هو العقيد فتح الرحيم عبد الله من أبناء الدفعة «38» بالقوات المسلحة أول قائد للقوات المشتركة السودانية التشادية من «2010» إلى «2012» وعلاقته بود إبراهيم بدأت عندما كانا سويًا في مناطق غرب النوير، فتح الرحيم من الضباط الأكفاء وهو شخصية قيادية معروفة في أوساط الجيش وفي الأصل هو ضابط مدرعات، وبمناسبة المدرعات تم القبض على ضابط منسوب إليها يُدعى رشاد وهو الآن متفرغ حيث يدرس بكلية القادة والأركان، ولعل وجود اثنين من سلاح المدرعات جعل مواقع إسفيرية تورد اسم قائدها الأسبق اللواء «م» صديق فضل ضمن أصحاب المحاولة، وهذا ليس بصحيح، وفضل من أميز ضباط الجيش وتربطه علاقة وثيقة بالرئيس البشير وهو من استلم سلاح المدرعات ليلة «30» يونيو، وتم لاحقًا المفاضلة بينه وبين الشهيد إبراهيم شمس الدين أيهما يتم الإعلان عنه ضمن مجلس قيادة الثورة، وتم الاتفاق على أن يتولى فضل سد ثغرة.. فأدى واجبه على أكمل وجه إلى أن تقاعد للمعاش مؤخرًا. وتم القبض أيضًا على مقدَّم بسلاح المدرعات يُدعى حسن.

صراع البيت الواحد

قوة قوش وود إبراهيم تجلَّت في السلطة والمال اللذين كانا بيد الأول والتفاف المجاهدين خلف الثاني، وكان طبيعيًا تردُّد اسميهما في عدد من التعديلات الوزارية في وقت سابق، ود إبراهيم للداخلية وكذلك قوش، وهذا يعني أن الشخصين ورغم انحدارهما من مؤسستين نظاميتين إلا أنهما حاضران في المسرح السياسي، ومؤكد هذا أمر طبيعي طالما كانا مؤثرين كلٌّ في مجاله، لكن ظلت هناك حالة من الحذر تسيطر على البعض حال ذكر الرجلين سيما وأن إبراهيم كاد يعود للقصر مرة أخرى لربما مديرًا لمكتب الرئيس.

اللافت أن المجموعة المتهمة من الإسلاميين ما يعني أن الصراع هو صراع البيت الواحد، وبالتالي هنا تتكسر الحواجز بين المؤسسة الأمنية والعسكرية، إذ أن المتعارف عليه عدم مشاركة الأمنيين جنبًا إلى جنب مع العسكريين في المحاولات الانقلابية أو على الأقل ساعة الصفر التي تستهدف القيادة العامة بواسطة مدرعات.. لكن ثمة أمرًا لا بد من الإشارة إليه وهو الحديث عن تحفظات لـ«السائحون» و«المجاهدون» وكثير من الإسلاميين في المؤسسات النظامية على أداء شخصيات عسكرية ومدنية متنفِّذة في الحكومة، ولذلك لو نجحت المحاولة كان بائنًا أن التغيير لن يطول البشير أو على الأقل أن الرئيس سيكون في مأمن رغم أن أي محاولة تغيير تبدأ برأس الدولة، وسبب ذلك أن كل المذكرات المعلنة والخفية المطالبة بالإصلاح والتغيير لم تمس البشير، وهذا يعني أن مشكلة أولئك مع من هم دونه، المهم أن المثل الشعبي «أبو القدح بعرف مكان بعضي أخو» كان حاضرًا قبل الأجهزة الأمنية، مع أن الترابي قال ذات مرة: البديل للحكم سيكون إسلاميًا.   

دعم  ودور الدول الكبرى تجاه الانقلابات

كتب : المثنى عبدالقادر

المحاولة التخريبية التى أحبطتها السلطات المختصة فجر أمس «الخميس» التى كان محدداً لها الخميس الماضي بحسب وزير الإعلام د. أحمد بلال عثمان الذي قال إن هنالك «بُعداً خارجياً» تم رصده في مجموعة المشتبه فيهم المعتقلين، وحسب التاريخ السياسي للانقلابات، فإن أمثالها في العالم لا تقوم إلا برضاء وقبول دولي، خاصة أن التعاون الخارجي بين أطراف الانقلاب مع الخارج قد لا يتضح منذ الوهلة الأولى، لكن الشئ الثابت أن، انقلاب الإنقاذ 1989م وجد اعترافاً من مصر ثم من عدد كبير من الدول التى باركته، هذا، كما أن حديث وزير الإعلام أمس وضع تساؤلات عديدة، خاصة عندما نفى حديث الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة العقيد الصوارمي خالد سعد، عندما تحدث عن الاختراقات في القوات المسلحة، ولعل سيناريو دولة مالي وما حدث فيها من انقلاب عسكري أعقبه هجوم للمتمردين، ثم حالة انفلات أمني كان قريباً من المخطط الذي أُحبط صباح أمس، لكن المؤكد أن حالة الاختراقات التى أكدها وزير الإعلام تشير لوجود الاختراق الخارجي أكبر مما يمكن تصوره، خاصة أن الانقلابات تستبق الدعم الخارجي قبل القيام بها، ويضيف الوزير بأن الدعم الداخلي للانقلاب تم عبر الشائعات التى انطلقت منذ زيارة رئيس الجمهورية إلى السعودية للاستشفاء، وهنا يكون السؤال هل تلقى فعلاً أعضاء المحاولة الانقلابية دعماً خارجياً، فكل المحاولات الانقلابية تكون قصيرة العمر تماماً كما حدث في دولة مالي أخيراً، حتى إذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً، نتذكر ثورة 1952 التي جرت في مصر رغم أنها كانت ثورةً شعبيةً إلى حد ما، لكن كان هناك تغاضٍ أمريكي عنها، وهي تنقلب إلى ثورة عسكرية، وحتى في سوريا 1949، وفي السودان عام 1985، يعني أن تاريخ الانقلابات في المنطقة العربية وفصيلتها كله شاهد على أن الدعم الخارجي إما أن يأتي لاحقاً، وإما أن تكون هناك إشارات إيجابية قبل تنفيذ الانقلاب بشكل ما، وبحسب الدراسات التى أجرتها مراكز بحثية دولية عبر استطلاعات عامة، فإنها اتفقت على أن أكثر من 95% من الانقلابات تكون بدعمٍ خارجي، لأنه لا يستطيع أحد أن يقوم بالانقلاب إلا العسكر، فلذلك دائماً الأصابع تكون خارجية، وفي مثل ثالث نجد أن آخر انقلاب جرى في موريتانيا أكبر دليل على هذا، لأننا شهدنا في الأيام الأولى للانقلاب سكوتاً أمريكياً لم ينددوا به، لكن سفراء أمريكا وفرنسا والدول المؤثرة استدعوا في اليوم الثاني للانقلاب وبعد ساعات من وقوعه، وهذا يعني أن هناك أكثر من مشارك في الانقلاب، لكن الدلالات التى ستترسخ في العقلية اللاحقة والأسئلة التى يجب الإجابة عنها، هل يفتح هذا الانقلاب شهية العسكريين العرب في الجيلين الثاني والثالث لتصحيح أوضاعهم بالقوة، هذا بالإضافة أن كثيراً ما تعطي الوثائق الأمريكية والفرنسية والبريطانية التى يفرج عنها بعد أكثر من ربع قرن من حدوثها ربط تلك الانقلابات بها سواء عبر دعم مباشر أو غير مباشر، أو أقلّه الاجتماعات المتكررة التي تنعقد بين سفراء تلك البلدان وقادة الانقلاب منذ اللحظة الأولى لوقوع الحدث، وحتى فترات متقدمة منه، إلى جانب مستوى التنسيق الذي تعكسه الوثائق المتوفرة في كثير من الحالات، ما يشير إلى الاهتمام الرئيسي لتلك البلدان بضمان ما  لها من نفوذ ومصالح عسكرية، كالقواعد ومخزون الأسلحة والتحالفات الإقليمية وغيرها، إلى جانب ما نعرفه جميعاً عن مصالحها الاقتصادية المتعددة، لكن وقوع السواد الأعظم من الانقلابات في التاريخ العربي ضمن مرحلة ما، عرف بالحرب الباردة، وهكذا سيتأكد في بعض الأحيان وجود تنسيق مسبق بين حركة زعيم انقلابي وإحدى الدول الكبرى لإنجاح تحرك الأولى وضمان مصالح الثانية، هذا ما تشير إليه بعض الوثائق والمذكرات كتلك المتعلقة بانقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949، أو انقلاب عبد السلام عارف في العراق عام 1963، بينما تشير غالبية الوثائق إلى انطلاق الدول الكبرى على مبدأ التفاوض والتنسيق أو الاعتراف وتقديم الدعم اللازم والمشروط، بعد التأكد من سيطرة الانقلابيين على جميع أرجاء البلاد. قد لا تبدو هذه ظاهرة منطقية، فلماذا يحتاج الانقلابي إلى الدعم الخارجي بعد إحكام سيطرته على البلد؟

الإنقاذ.. مشوار طويل مع المحاولات التخريبية

تقرير: هنادي عبد اللطيف

لا يمكن إسقاط الإنقاذ إلا عبر عملية انقسام داخل أجهزة الحزب ومحاربته لنفسه»، جملة خرجت من نائب رئيس البرلمان هجو قسم السيد مستبعدًا حدوث أي محاولة لإطاحة الإنقاذ من سدة الحكم سواء عبر الثورات الشعبية أو الانقلابات العسكرية. وبالأمس بعد أن تم إحباط محاولة تخريبية لتنضم إلى بقية المحاولات التي استطاعت الإنقاذ السيطرة عليها. والتي يراها عضو القطاع السياسي بالحزب الحاكم ربيع عبد العاطي أن بعضها لا تخرج من كونها تخريبية وأن ماحدث أول أمس هو أشبه بجماعة ومخطط مجموعة من الآراء المتشددة ولها اتجاهات متباينة مع متخذي القرار وهي محاولة لا تعتبر أن تكون انقلابية، فالانقلاب الوحيد هو الانقلاب الذي قاده البعثيون في أوائل عهد الإنقاذ ــ حد قوله.

انقلاب وتخريب

جرت عدة محاولات ما بين تخريبية وانقلابية ضد الإنقاذ منذ مجيئها، وأول الأمس تم الإعلان عن محاولة تخريبية تم إحباطها من قبل أجهزة الأمن والمخابرات وهي من ضمن المحاولات التي  تم الإعلان عنها وهذه المحاولة الأخيرة ضمت عسكريين ومدنيين وذلك بحسب وزير الإعلام من خلال المؤتمر الصحفي الذي كشف من خلاله أن منفذي »المحاولة التخريبية« التي أعلن عنها جهاز الأمن تمت من قِبل قيادات عسكرية ومدنية محسوبة على الإسلاميين الحاكمين في السودان، حيث شملت الاعتقالات بعض عناصر مجموعة ما يسمى بـ«السائحون« داخل الحركة الإسلامية. يذكر أن »ودإبراهيم« يتميز بتأثير لافت وسط العسكريين والإسلاميين.

الإنقاذ والانقلابات

أول محاولة انقلابية كانت بعد ستة أشهر من مجئ الإنقاذ وهو الانقلاب البعثي الشيوعي بقيادة اللواء محمد علي حامد واللواء الكدرو الذي ردعته الإنقاذ وأعدمت بعض من قام به، وتلتها محاولة البعثيين في شهر رمضان عام 1990، ثم أحبطت محاولة  انقلاب الشيوعيين الذي خطط له عصام ميرغني وبقيادة فتحي أحمد علي في العمارات، وكان مخططاً أن تكون رئاسة الانقلاب في كسلا، وأن يهبط القائد العام الذي يقود الانقلاب بطائرة هناك. وفي العام 2004 تم الإعلان والكشف عن محاولة انقلابية اتهم بها المؤتمرالشعبي بزعامة د.حسن  الترابي وكان محدد لها  ساعة الصفر الثانية من بعد ظهر الجمعة، وبحسب بيان وزارة الداخلية آنذاك فإن قادة الانقلاب الذين ألقي القبض عليهم اعترفوا »بأن المسؤول التنفيذي الأول والمباشر لهذا العمل هو الحاج آدم يوسف مسؤول الاتصال التنظيمي في المؤتمر الشعبي«..ويأتي الانقلاب الأشهر في العام 1999 وهو الذي عرف بحركة 28 رمضان بقيادة الفريق خالد الزين والتي أعدم فيها «28» ضابطاً. وفي بداية العام الحالي في شهر أبريل تم اعتقال مبارك الفاضل من قبل أجهزة الأمن كما اعتقل معه مسؤول كبير في حزب الأمة والإصلاح و«12» من ضباط الجيش المتقاعدين بتهمة القيام والتخطيط لأعمال تخريبية في البلاد. وأكد جهاز الأمن أنهم اعتقلوا مجموعة الضباط المتقاعدين بناء على معلومات وتقارير رصدت تحركات للقيام بـ«أعمال تخريبية»، للقيام بانقلاب عسكري الحكومة.

تبريرات الحكومة

ومع كل انقلاب تأتي تبريرات الحكومة خاصة إن كان هناك مشاركون من الجيش أو الأجهزة النظامية وربما تكون هذه المحاولة الثانية التي ضمت عسكريين من الجيش كالمحاولة التي كانت في بدايات الإنقاذ وأُعدم فيها «28» ضابطاً من القوات المسلحة الأمر الذي أثار تساؤلات في كل مرة عن حقيقة وجود تململ داخل الجيش لكن سرعان ما نفت الحكومة على لسان وزير الإعلام وجود تململ وسط الجيش، مضيفاً أن الأوضاع الآن في الخرطوم مستقرة.

غازي: مهرطق واحد لا يكفي

بقلم مجدي الجزولي

20 نوفمبر 2012 — انتهى مؤتمر الحركة الإسلامية إلى قبول مقترح الدستور الجديد بضبانته حيث أقر المؤتمر انتخاب الأمين العام من مجلس الشورى لا من المؤتمر العام، وقبل كذلك تشكيل قيادة عليا للحركة من عضويتها الملتزمة في قيادة الحكومة والحزب والأجهزة الخاصة بلغة الدستور. ترجمة ذلك بالعربي الفصيح أن من يرأس المؤتمر الوطني والحكومة سيحتل أوتوماتيكيا قيادة الحركة الإسلامية، وبالعربي الدارجي أن الرئيس البشير أصبح بإرادة المؤتمر الثامن "أمير أعلى" الحركة الإسلامية كما هو رئيس البلاد ورئيس المؤتمر الوطني وقائد للجيش ودراج عاطلن.

إذا صح ما نقلت الانتباهة فقد آثر غازي صلاح الدين، أبرز المرشحين لمنصب الأمين العام، السلامة المنزلية على ملاواة قيادة عليا لم يرض بتشكيلها، كما لم ترضيه موافقة أغلبية المؤتمرين على انتخاب الأمين العام من مجلس الشورى، فرفض الترشح بالمرة وسالت بالمقابل مشاعر شباب الإسلاميين من أنصاره جداول. إذا صح أن غازي انسحب أو لم يصح فقد انتخب مجلس الشورى الزبير أحمد الحسن أمينا عاما للحركة الإسلامية خلفا لعلي عثمان محمد طه، كما انتخب مهدي ابراهيم رئيسا للمجلس وعبد الله سيد أحمد ولطيفة حبيب نائبين له. كان غازي عند أنصاره مرشح "الأمل والتغيير" في الحركة الإسلامية لكن انكسر خاطرهم كما يبدو كما انكسر خاطر شباب الشيوعيين الذين حملوا الشفيع خضر وحده مسؤولية "نفض" الحزب الشيوعي بطاقة العصر وخاب فأل من تنادوا لنصرة ياسر عرمان في انتخابات 2010 عندما أعلن الانسحاب.

عبر عن معضلة التجديد هذه الأديب الأميركي ت. س. إليوت في كتابه "ملاحظات نحو تعريف الثقافة" حيث ذكر أن هنالك منعطفات يكون فيها الخيار بين الهرطقة والكفر لا غير، أي يكون السبيل الوحيد للحفاظ على عقيدة ما حية وفاعلة هو الهرطقة برأي جديد وإلا بار القديم بالمرة وكفر الناس به. في ذات المعنى قال الإمام المهدي "لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال"، وما خروجه العظيم على السائد من عقيدة وممارسة دينية في عصره إلا هرطقة كبرى عند الذين رفضوا دعوته. خرج المرحوم عبد الخالق محجوب على القيادة "الانتهازية" للحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) كما وصفها بهرطقة ثورية مستهجنة أول الأمر، كما تمرد حسن الترابي على جماعة الأخوان المسلمين ليسود الجناح الذي قاده على مدرسة "التربية". يسهل، من موقعنا اليوم، أن نشير إلى الإمام المهدي وعبد الخالق والترابي كأعلام أفراد صنعوا الأحداث بإراداتهم الذاتية لا غير دون اعتبار للبيئة التاريخية والقوى الاجتماعية التي احتضنت مبادراتهم. إن أرسلوا الرسائل فقد استقبلها وأشاعها غيرهم، وتحولت أفكارهم الأولية إلى طاقة مادية حية بالممارسة لتغتني مرة وأخرى بدروس التجربة نجاحا وفشلا. العبرة إذن ليست فقط في "القيادة الملهمة" فمهرطق واحد لا يكفي وإنما في إرادة الجماعة وبسالتها.

رؤية جديدة لتحرير فلسطين

إعداد:إسماعيل آدم محمد زين

جاء ميت رومني لدولة إسرائيل كما جاء قبله معظم مُرشحي الرئاسة الأمريكية-جاء بهم نفوذ اليهود و قوتهم و لكن رومني فاق الجميع في التملق لليهود حين وقف في القدس ليطرح حديثاً لم يكن مضطراً للبوح به ،مما يؤكد يأس هذا الرجل –لقد كرر حديث المؤرخ بول"إن إسرائيل من بين مائة دولة إستقلت أخيراً ،كان إستقلالها بمثابة المعجزة!!!" و ذهب بعيداً في التملق ليؤكد أن" القدس عاصمة لإسرائيل" بالرغم من أن سفارة الولايات المتحدة مازالت بتل أبيب !!و لا تحزنوا أيها الأحبة أهلنا في فلسطين –فمثل هذا الحديث يؤكد حقوقكم و يحفزكم للعمل بجد لتحرير فلسطين .

لقد أتيت بكلمة طرح للتأكيد علي أن حديث رومني من ساقط الكلام –فلا تحزنوا أيها الأحبة.و كلمة نستخدمها في السودان بذات المعني.فعندما نقول طرحت الماعز –نقصد "أسقطت جنيناً"

إن رومني يؤكد بانه غير جدير برئاسة أميركا :هذه الدولة العظيمة التي وقفت في وجه النازية و ألحقت بها هزيمة نكراء و كذلك لقنت الإمبراطورية اليابانية درساً مع الفاشية في إيطاليا و خلصت العالم من شرور كثيرة و ما زالت الولايات المتحدة دولة محترمة و ديمقراطية-تُراجع أخطائها و تحاكم مجرميها مهما علا شأنهم.سيأتي اليوم الذي نشاهد فيه بوش الإبن في قفص المحكمة مع كل مخططي قوانتونامي.

و نعود لرومني- أعتقد بأنه قال ما قال أو طرح قوله في القدس نتيجة لضعف الفلسطينيين و إنقسامهم و ضعف أشقائهم العرب للأسف.و هو ضعف و عجز بين بالرغم من الربيع العربي-الذي أخرج شعوباً عربية من سباتها الطويل:أملنا في ان تتواصل الثورة للنهوض بهذه الشعوب المغلوبة.

يغالط رومني في حقيقة مهمة و هي أن إسرائيل لم تكن موجودة في عام 1948 عندما أُعلنت كدولة و لم تكن موجودة عندما تم تفكيك دولة الخلافة التركية و لم تري الوجود بهذا الإسم إلا لفترة وجيزة في التاريخ و منذ قرون سحيقة.

لقد إجتهد اليهود في بناء دولة قوية و ديمقراطية  و متقدمة و ذات قاعدة صناعية و علمية هائلة كما تمتلك جيشاً قوياً –حقائق لا بد من التسليم بها إذا أردنا أن نسترد فلسطين.!!!

و من هنا نبدأ كيف سنحرر فلسطين؟ أعتقد بأن الفلسطينيين يحتاجون لرؤية جديدة-رؤية ترتكز علي إنهاء إسرائيل العنصرية و قيام دولة تسع الشعبين،مع إيقاف أية هجرة لليهود و السماح بعودة الفلسطينيين إلي ديارهم و تعويض من يرغب.

رؤية مماثلة لما حدث في جنوب إفريقيا العنصرية –حيث تم إستيعاب البيض في نسيج الدولة الجديدة و كثير كمنهم وُلدوا فيها و لا يعرفون غيرها وطناً.إن تقاعس العرب و إهمالهم قد أدي إلي وضع مماثل –حيث نجد كثيراً من الإسرائليين لا يعرفون وطناً خلاف إسرائيل و قد أصبح أمراً و اقعاً-علينا التعامل معه بعقل و حكمة.لذلك علي الفلسطينيين التخلي عن حكوماتهم الحالية و اللجوء لحمل السلاح وبدء صراع طويل ربما يمتد لمئات السنين-تماماً كما حدث في جنوب إفريقيا و عليهم عدم الإستعجال و التمثل بمانديلا- نيلسون مانديلا حكيم إفريقيا و إبنها العظيم الذي تحلي بأخلاق الأنبياء و قاد شعبه في صبر و ألم حتي توج النصر.

لاسبيل لتحرير فلسطين مع وجود حكومة يمكن لإسرائيل أن تفعل ما تشاء برئسها ،بل و إغتياله و وضع كل الشعب في سجن كبير-مما يضعف الروح المعنوية للشعب.

هذه هي رؤيتي و علي قادة الشعب الفلسطيني أن يتركوا التناحر و عليهم أن يعلموا بأنه لا سبيل لتحقيق أهدافهم في ظل الأوضاع الحالية و عليهم الإستفادة من الربيع العربي لتحريك الموارد العربية لخدمة قضيتهم.و عليهم أن يعلموا أن وجود إسرائيل سيكون نعمة كبيرة لنقلها خبرة و تراث العالم مع العلوم و التكنولوجيا و لن يكون في وسعنا الحصول عليها في ميئات السنين مع حكوماتنا الحالية-و الناظر في تاريخ الهجرة اليهودية يجد إعجازاً و همة-حيث إستطاعت دولة إسرائيل إستيعاب أعداداً عظيمة من السكان بمختلف سحناتهم و لغاتهم بل إستطاعت توفير السكن إلي ملايين البشر بينما دولنا الفاشلة تمتلئ مدنها بالسكن العشوائي و تعجز عن التخطيط.

من ثمرات الربيع العربي توحيده للوجدان و إشعاله لقنديل الوحدة العربية حيث نشهد حالياً مقاتلين من ليبيا و العراق يدافعون عن الشعب السوري!!!

بعد الرؤية لا بد لنا من هدف واضح يسعي الجميع لتحقيقه و هو إنشاء دولة تسع الجميع و لن يتحقق ذلك إلا بجعل إسرائيل غير قابلة للحكم و العيش و ليتحرك الشعب الفلسطيني في داخل حدود 1948 مستخدماً أي سلاح.

مع اللجوء لسلاح المقاطعة –علي مستوي الأفراد و الجماعات و الدول و في إعتقادي سلاح المقاطعة فعال جداً و إلا لم لجأت إليه أميركا و أوروبا ضد إيران و سوريا و بدرجة ما ضد كل الدول الإسلامية و العربية في مجالات التقنية المتطورة.

فلتغب فلسطين عن الخارطة و لتعد إليها و هي أكثر نضارة و بهاءً- دولة تسع الجميع و تسود فيها قيم الدين و الإنسانية -..الإخاء و المساواة و الحرية و ليكن حديث رومني حافزاً لكافة الفلسطينيين للسعي بجد و همة نحو أهدافهم الكبيرة.

ودعوة الجميع – خاصة مفكري فلسطين مثل عزمي بشارة للنظر في هذا الأمر و التفكير بجدية في أنجع  السبل لتحقيق الأهداف و قبل ذلك تحديد تلك الأهداف بدقة.

كتبت هذه المقالة قبل ظهور نتيجة الإنتخابات الأمريكية.و قبل الأحداث الأخيرة في غزة..

اللجوء السياسي والاغتراب.. هل يساهمان في تنمية الاقتصاد؟؟

تقرير: راحيل إبراهيم

عشرات المهاجرين من السودان الذين يقصدون الهجرة يدخلونها من بوابة اللجوء السياسي وذلك لأن اللاجئ عندما يخرج من وطنه الأصلى، يكون حجته المعاناة من اضطهاد بسبب عرقى أو سياسي، ويدّعي انه غير قادر على الحصول على الحماية من بلده وغير قادر على العودة مرة أخرى بسبب الخوف من الاضطهاد، ولكن قد يكون السبب الرئيس هو العامل الاقتصادي البحت، حيث ظل معظمهم يعاني من عدم الحصول على وظيفة ثابتة بعد تخرجه بعد أن ضاقت مواعين العمل الحكومي عن استيعابهم، وحتى الذين حصلوا عليها فان العائد لا يفي بمتطلبات الحياة في ظل الازمة الاقتصادية الطاحنة، وكثيرون يرون ان عائد العمل بالدول العربية لا يلبي طموحهم لتأمين المستقبل أو لا يكاد يختلف عن العائد بالسودان لذا فكثيرون يرون أن لا جدوى من الاغتراب بها برغم سهولة ايجاد العمل وسلاسة دخلها ويحبذون الدول الاوربية ويتحايلون على صعوبة الحصول على العمل أو مجرد الدخول للدولة الاوربية المعينة باللجوء السياسي هذا مع وجود فئة أخرى تضطر الى اللجوء حقيقة بفعل معارضتهم للنظام السياسي الحاكم والسؤال المهم هل يساهم اللاجئ السياسي أو المغترب العادي في رفع اقتصاد السودان؟؟

فبالرغم من ان السودان يعد من الدول الكبيرة التي ترفد الخارج بالموارد البشرية وهو من الدول المساهمة في بناء الكثير من المجتمعات الا أنه لم يعرف كيفية الاستفادة من عائد هذه العمالة فى تعزيز ودعم التنمية الاقتصادية..

هذا الوضع جعل د. عثمان حسن عثمان ـ مدير إدارة البحوث والدراسات بمركز السودان لدراسات الهجرة والتنمية والسكان ـ الى ضرورة رعاية ومساعدة وتدريب وتأهيل المغتربين «أياً كان نوع هجرتهم» وفقاً لحاجة سوق العمل العالمي وتيسير سفرهم وتحسين مظهرهم ومساعدتهم من خلال استخراج الوثائق المطلوبة لتحقيق نصيب أكبر من سوق العمل العالمي مشيرًا إلى أن المغترب أصبح يقدم خدمة ويتقاضى أجراً يعود جزء كبير منه إلى الدولة فيما يعرف بتحويلات أو عائدات المغتربين.. وقد اشار خلال الورقة العلمية التي تحمل عنوان «آليات تعزيز دور المغتربين في دعم الاقتصاد الوطني» والتي قدمها في المؤتمر العلمي السنوي الأول «السودان الواقع وآفاق المستقبل» والذي نظمته جامعة إفريقيا العالمية كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في وقت سابق من هذا العام وأكد أن من إيجابيات الهجرة توطين ونقل التكنولوجيا الى الداخل بجانب دور المغترب في الاقتصاد السوداني والذى يتمثل فى تحويلات المغتربين أو العاملين بالخارج والتى تعد من أهم مصادر الإيرادات بالعملات الأجنبية، وذلك نسبة لمساهمتها في تحسين موقف ميزانية الدولة من المدفوعات، وتخفيض العجز في الحساب الجاري، وزيادة معدل نمو الناتج المحلى الإجمالي، وبالتالي المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً وان السودان يعد من الدول النامية التي تواجه نقصًا من موارد النقد الأجنبي ويحتاج فعلياً لتخفيف مستوى الفقر والبطالة بتوفير فرص العمل وإيجاد مصادر للدخل الاستهلاكي والإنتاجي بزيادة التكوين الرأس مالي، وهذا لا يتم الا بالهجرة.

ووفقًا لتقديرات البنك الدولي فإن تحويلات المغتربين قد تصل إلى «10» مليارات دولار خلال الأعوام الخمسة المقبلة وقدرت في العام «2010م» بـ«3.2» مليار دولار فضلاً عن الموارد التي يدفعونها نظير الخدمات التي تقدَّم لهم في الداخل والخارج ورسوم الجمارك التي يدفعونها على مستورداتهم. علماً بأن التحويلات التي تتم عبر القنوات الرسمية والسوق الموازي يتم توظيفها لعمليات استيراد السلع والخدمات الشيء الذي يحقق موارد مالية حقيقية للخزانة؛ وهذا يوضح العلاقة بين الهجرة والتنمية. ويقدر عدد المهاجرين السودانيين بحوالى مليوني فرد عبر أكثرهم من خلال المنافذ غير الرسمية ودون استيفاء شروط وضوابط الهجرة إما بالتسلل عبر الحدود براً عبر الحدود مع ليبيا ومصر بل وحتى عبر البحر الأبيض المتوسط بالقوارب إلى أوروبا وقد أكد مؤتمر اقتصاديات الهجرة الأول في العام الماضي أن هنالك ملايين المهاجرين السودانيين بأوربا ومليارات الدولارات بين أيديهم وكان يمكن أن تسهم في معالجة ندرة النقد الأجنبي.

ايضًا نجد ان تحويلات المغتربين تتأثر بعدد من العوامل الداخلية والخارجية، تؤدي لتحسن أداء المؤشرات الاقتصادية، ومعدل نمو الناتج المحلى الإجمالي، واستقرار سعر الصرف ومعدل التضخم، إضافة إلى تقدم تطور البنية التحتية والاقتصادية للدول المضيفة للعمالة واضعاف هذه الاستفادة للسودان كل هذه اذا تمت الاستفادة من العائدات بالصورة الصحيحة.

من الورم إلى الوهم أمراض السياسيين في السودان

بقلم فتح الرحمن شبارقة:

قال وهو يحاول كتم ضحكته عندما تفاجأ فيما يبدو بسؤالي عما إذا كانت للسياسيين في السودان أمراض خاصة بهم، أو ربما أمراض تصيبهم أكثر عن غيرهم من عامة الشعب. قال د. عمر محمود خالد:

(التايفويد مثلاً لا تصيب السياسيين عندنا في السودان، لأنها تأتي بسبب الطعام الملوث، وهم لا يأكلون الطعام الملوث طبعاً)، ثم واصل في حديثه نصف الضاحك عبر الهاتف: (والملاريا يسببها البعوض، ولذلك هي لا تصيب السياسيين كثيراً)، ثم فضّل عدم نشر ما قاله بعد ذلك من حديث مثير عن أمراض السياسيين في السودان. غير أن كثيرا من الصحفيين الذين تربطهم علاقات خاصة مع الكثير السياسيين بحكم مهنة المتاعب، يعلمون أن أغلب أولئك السياسيين يعانون أكثر من غيرهم في بعض الأحيان من أمراض (الغضروف والضغط ونقص وزيادة السكر في الدم).

مرض السكري
رغم أحاديثهم الماسخة، إلا أن أغلب السياسيين في البلاد يعانون في الواقع من داء السكر، ويحتفظون بحقن الأنسولين والحبوب الخاصة لخفضه في مكان قريب جداً منهم، فهي مثل كراسيهم تماماً، ما أن يفارقوها حتى يجدوا أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه سياسياً وصحياً بالضرورة.

ويعزو د. كمال عبد القادر وكيل وزارة الصحة السابق إصابة السياسيين بداء السكري أكثر من غيرهم إلى تغيير نمطهم الغذائي فجأة وقلة حركتهم خاصة بعد أن يتبوأوا مناصب رفيعة. وقال كمال لـ (الرأي العام) إن كثيرا من السياسيين والمسؤولين كانوا في السابق متحركين و(حايمين بأرجلهم ساكت) ولذلك لا يشكون من السكري الذي تزيد نسبة الإصَابة به بسبب تغيير النمط الغذائي وقلة الحركة.

وبسبب قلة الحركة وعدم الرياضة، يلاحظ د. كمال زيادة في أوزان كثير من السياسيين في البلاد بصورة قادت بدورها لمرض آخر وهو التأثير على (الرُكب)، وتابع: (الزيادة في الوزن بتحصل بسبب أنهم بياكلوا كثيراً وما عندهم وقت للرياضة بسبب مشاغلهم الكثيرة ولذلك يشعرون بمشاكل في المفاصل لأن رُكبهم وأرجلهم مثل لساتك العربية صممت لحمولة محددة وما أن تزيد عنها حتى تبدأ المشاكل في الظهور).
الغضروف وضغط الدم

حدثني وزير سابق ان أشهر الأمراض التي كان يتقاسمها أغلب السياسيين هو مرض الغضروف، وعزا ذلك لأنهم من أكثر الناس ركوباً للسيارات وقطعاً للفيافي بسيارات الدفع الرباعي للتواصل مع الجماهير وخطب ودهم خاصة في مواسم الانتخابات، حيث يزيد السفر لساعات طويلة في طرق غير مُعبّدة وما ينتج عن ذلك من (دقداق)، يزيد من فرص الإصابة بالغضروف. لكن من الملاحظ أن هذا الحديث كان مثل ذلك الوزير، في السابق، حيث نجد أن أغلب تحركات السياسيين خاصة ممن هم في الحكومة تتم عبر الطائرات التي يتم استئجارها لأغراض زيارات السياسيين لقاء (4) آلاف دولار للساعة الواحدة.

غير أن المرض الذي لا يزال محتفظاً بنسبته العالية وسط السياسيين في السودان هو مرض ضغط الدم، حيث توفر مجريات الأحداث بالبلاد في كل يوم حيثيات كافية لرفع ذلك الضغط بالنسبة لسياسيي الحكومة والمعارضة على حدٍ سواء، وربما يتسبب في (فقع المرارة) بلغة الباشمهندس الطيب مصطفى رئيس منبر السلام العادل، وهو المنبر الذي يتسبب للمفارقة في (فقع مرارة) سياسيين آخرين.

العينات الحميدة
آخر الأخبار القادمة من السعودية حقنت الكثيرين بمصل الإطمئنان عندما أكدت نتيجة الفحص لعينة الأنسجة المأخوذة من الرئيس البشير أنها حميدة، ومن المعلوم بالطبع انّ صحة الرئيس ظلت تمثل الشاغل الرئيسي لأكثرية السودانيين طوال الفترة الفائتة، حيث أجرى الرئيس عمليتين بسيطتين في الحبال الصوتية بالدوحة والمملكة العربية السعودية تعافى بعدها، حيث يتوقع أن يصل غداً إلى البلاد بعد رحلة إستشفائه الناجحة.

وفيما أكدت الفحوصات المعملية الدقيقة بالسعودية المتطورة طبياً أن عينة الرئيس من الصنف الحميد. لكن في حالات سياسيين أخرى كانت نتيجة فحص العينة خبيثة، ولعل المثال الناصع في هذا الإتجاه هو المرض الذي أصاب سكرتير الحزب الشيوعي الراحل محمد إبراهيم نقد.

أورام لا علاج لها
عندما سألت (الرأي العام) الأستاذ كمال الجزولي زميل نقد وأكثر الناس قرباً منه ربما عن أسباب وفاة نقد، قال: (كل كلمات العزاء لا تفي الفقد الجلل، رغم أنه أعدنا لرحيله، إذ عانى من العلة زمناً طويلاً، حتى بعد ذهابه الى لندن لم تكن الأخبار مبشرة، حيث اتهم بأنه مصاب بورم في الدماغ، وأبدى الأطباء أسفهم لعدم إمكانية التدخل الجراحي بسبب عدم جدواه في شاكلة هذا النوع من الأورام، التي لا يوجد لها علاج ناجع ونهائي، كما أن الدواء ليست له فاعلية، وإنما هناك بعض الأدوية التي لا يمكن التقليل من مضاعفاتها)، وأضاف كمال الذي كان يتحدث إلينا بمكتب رئيس التحرير في يوم وفاة نقد: (لم تعد هناك حاجة لبقائه ببريطانيا، وتقرّرت عودته للخرطوم، وبالفعل تم الحجزعلى أن يعود «اليوم الجمعة»، ولكن حالته ساءت بصورة كبيرة يوم الثلاثاء، ودخل في غيبوبة أُعيد على إثرها إلى المستشفى، وهو فاقد للوعي تماماً إلى أن توفاه الله عند الساعة السابعة والنصف..).

ومما تناقلته بعض المراصد الطبية أخيراً كشفت الأرقام الجديدة التي أصدرها مكتب الإحصائيات الوطنية في بريطانيا عن أن مرض السرطان استطاع التفوق على أمراض القلب المزمنة ليصبح هو المرض القاتل الأول على مستوى العالم، حيث وجد الباحثون أن ما يقرب من ثلث الأشخاص حول العالم يموتون الآن بسبب الإصابة بنوع واحد أو أكثر من أورام السرطان، وذلك وفقاً لاحصائيات الوفيات للعام 2011م.
أمراض عامة الشعب.

كل تلك الأمراض السابقة تصيب عامة الشعب، غير أننا نجدها عند السياسيين بوجه خاص، أو كما قال د. كمال عبد القادر (السياسيون تصيبهم أمراض العامة لكن بجانب ذلك لديهم أمراضهم الخاصة)، ولم يستبعد د. كمال إصابة السياسيين بالملاريا التي تصيب عامة الشعب لأن أكثر البعوض يتواجد في حي المطار الذي يوجد به أكبر عدد من السياسيين السودانيين في مكان واحد. ولكنه لم يستبعد كذلك أن يعض البعوض أياً من السياسيين هناك لأنه يحب الدم الخفيف، كما أكد أنهم يصابون بالأمراض التي تنتج عن تناول الطعام الملوث، حيث يأكلون في المناسبات العامة التي يحدث فيها تسمم أحياناً كما حصل في اليومين الماضيين لأكثر من مائتي مواطن بشمال الخرطوم كان من الممكن جداً أن يكون من بينهم مسؤولون رفيعون.. فالمسؤولون يرتبون لهم في زياراتهم وجبات تشبه ما كان يطلق عليه في السابق (عشاء الفنانين) الذي يحوي عَادةً ما لذّ وَطَابَ من طعام.

والسياسيون في السودان، على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم، يتواصلون بشكل كبير مع الناس في مناسباتهم المختلفة، فتجدهم في مقدمة الحضور فرحاً وترحاً، يشربون من الماء الذي يقسمه على الحاضرين في الغالب أحد الصبية دون أن يكترث كثيراً بمستوى نظافته، وغالباً ما يضطرون للمجاملة والأكل في تلك الموائد بتلقائية حميدة دون حذر أو خوف من تلوث محتمل، وهو الأمر الذي يعد ظاهرة سودانوية خاصة، فلا يمكن تصور الرئيس المصري السابق حسني مبارك مثلاً وهو يتناول طعاماً هكذا في بيت فرح أو ترح أو يشرب لبن إبل حتى يتسمم ومساعده كما حدث للرئيس البشير ومساعده د. نافع قبل بضعة أعوام بالبطانة حسبما تناقلت بعض المراصد الصحفية.

فحص الكبار
السياسيون وكبار الشخصيات في دول العالم المتقدم على الأقل، دائماً ما يلجأون إلى إجراء فحص طبي دوري كامل، فقد استطاع الأطباء في أمريكا تدارك مرض خطير للرئيس وقتها رونالد ريجان حيث تم اكتشافه أثناء فحص دوري في دورته الرئاسية الأولى، فشفي منه بفضل الكشف المبكر وواصل دورته الثانية وهو في كامل صحته. ولكن ذلك لا يحدث في السودان، فالمسؤولون السودانيون حسب وكيل وزارة الصحة السابق (متوكلين ساكت) ولا يجرون فحوصات دورية للإطمئنان على صحتهم التي في الغالب ما تشغل بال كثيرين في حال تعرضها لأية انتكاسة محتملة.

أمراض السياسيين، غالباً ما يتم التكتم عليها من قبلهم ولا يتم الحديث عنها إلا بعد أن تصل مرحلة عسيرة على التجاوز والإهمال، وأحياناً يتم كشفها بمحض الصدفة، ففي حديث سابق أجريته مع السيدة وصال المهدي حرم د. الترابي، قالت إنّ الحكومة سبّبت الضغط والسكري لزوجها. فيما لا يعرف أكثر الناس شيئاً عن صحة مولانا محمد عثمان الميرغني شيئاً.. فمولانا ظل يحيط حياته الخاصة بسياج سميك من التعتيم ولم يرشح من أنباء عن صحته سوى (نزلة برد)، وكذلك الإمام الصادق المهدي، فرغم أن جميع تحركاته تتم تحت أضواء كاشفة إلاّ أنّ المعلومات عن حالته الصحية على وجه الدقة تبدو شحيحة للغاية، ولكن من المعلوم للجميع أنه قليل الأكل وكثير الرياضة، وهو الأمر الذي قد يجنِّبه بعض أمراض السياسيين.

أمراض نفسية
المفاجأة التي كان يخبئها د. كمال عبد القادر وذكره في آخر اللقاء معه، هي أن المرض الأول بالنسبة لبعض السياسيين في السودان هو مرض نفسي، خاصة عند بعض الكبار الذين يشعرون بأنهم مميزون ويتوهمون بأنهم يحتكرون (الصاح)، حيث أورد حيثيات كثيرة تؤكد ما ذهب إليه، وبعض الأسماء نحجبها بناءً على طلبنا وليست طلبه هذه المرة. ولكن دائرة ذلك المرض النفسي تتسع عند كمال لتضم أغلب السياسيين في الحكومة والمعارضة على حدٍ سواء، فكليهما يتحرك في مجموعة محددة تفكر بنفس طريقته وتتحرك.. ولذلك تشكوى المعارضة في كل الأحوال ولا ترى في الحكومة أو البلد شيئاً جميلاً لأنها ببساطة لا تريد أن ترى غير بعينيها هي فقط، ولا تسمع إلا ما يشجيها بالطبع. أما السياسيون في الحكومة فهم مصابون بنزعة تبريرية وليس لديهم إستعداد لسماع أي انتقاد للأوضاع بالبلاد، وعندما يسمعون شكوى من هذا القبيل، يعتبرونها كلام معارضة ومؤامرة، ويقولون على الأرجح: (شوفوا البلد دي كانت وين، ونحن ودّيناها وين، والناس دي ما بتحمد الله)!!.

مهما يكن من أمر، فإنّ الأجواء السياسية التي يعمل فيها السياسيون في السودان (معارضة كانوا أو حكومة) تصيبهم بالكثير من الأمراض العضوية وربما النفسية، صحيح قد تعاني بعض قيادات المعارضة من أمراض الفقر، وقد تعاني بعض قيادات الحكومة من أمراض الثراء. ولكن السياسيين في الجانبين يتسببون بسياساتهم ومواقفهم الخاطئة على الأرجح، في مرض الشعب السوداني..

السـودان ورحـلة البحث عن حُـلفـاء حينما كثر الخرق على الوزير

بقلم د. يوسف الكودة

كما قد يكون الإمتاع بالسماع للجميل من الأصوات وإلقاء الشعر وغير ذلك من أمور أقول فقد أمتعنا كذلك مقدم برنامج (حتى تكتمل الصورة) من خلال شاشة قناة النيل الأزرق بنزعِهِ لكثيرٍ مما يهم المواطن من فم وزير الخارجية السوداني في لقاء تم مساء أمس الأول هذا رغم أن ما ذكره الوزير كان معروفاً لدى غالبية الناس ولم يكن مفاجئاً وإنما كانت المتعة والمفاجأة – وعلى غير المعتاد – أن يصرِّح بذلك مسئول في تلك القامة من المسئولية وعلى فضائية سودانية تحظى بمشاهدة عالية  المستوى من السودانيين وغيرهم وعلى الهواء مباشرة دون أن تتوفر أي فرصة لمقص رقيب.

ويلاحظ أن الوزير كان قد صبَّ جمّ استيائهِ من غياب لتنسيق وتناغم مع حكومتهِ فقط على من هم على سدة الحكم في الفترة الحالية إبان توليهِ المسئولية بالوزارة في حين أن ما تعيشهُ البلاد بما يشمل وزارة الخارجية وفي كافة مناحيها إنما هو نتاج تراكمات لسياسات عديدة خاطئة صاحبت حكومة الإنقاذ منذ مجيئها بداية بـ(أمريكيا روسيا قد دنى عذابها) وعلى ذكر ذلك قيل: إن الأمريكان عندما سمعوا ذلك حاولوا وقبل كل شيء إستمالة الروس لموقفهم الرافض للإنقاذ موشين لهم بأن هؤلاء – أي أهل الإنقاذ – يقولون: (إن أمريكيا وروسيا قد دنى عذابهما) فما كان من الروس إلا أن علقوا مستغربين (both of them?) يعني الاثنان معاً دون أن يأخذوننا واحداً بعد الثاني؟.

ومن ضمن ما نسوقهُ من أدلة وأمثلة على أخطاء قاتلة ارتكبها السياسيون بحق هذه البلاد ما فعلهُ (الشعبيون اليوم) يوم أن كانوا (وطنيين) وقتها مما لا علاقة له بسياسة ولا اعتدال ولا حكمة وذلك يوم أن أسس زعيم الشعبي ما يعرف بـ(المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي) والذي جمع حولهُ وفيه كل من هو معارض لوطنهِ وجاء بهم إلى السودان ليعينهم على نضالهم وجهادهم ضد حكوماتهم فكان ما كان من أضرار لحقت بالبلاد ربما هي غير مرئية الآن أمام شاشة الوزير، فقد كان لذلك ما بعدهُ من ما تعيشهُ البلاد اليوم من عزلة.

وقد حكى لي الدكتور حسن الترابي من عظمة لسانهِ ومباشرة لأذني أنه كان قد تمت دعوتهُ من قبل الملك فهد وذلك بعد غزو العراق للكويت وذلك لما رأى الملك فهد رأياً عاماً لعدد كبير من الحركات الإسلامية في العالم يساند علناً ذلك الغزو، فربما كان الملك فهد يعشم في دور من الترابي لإصلاح ذلك، وكذلك حتى السودان كان هو الآخر إمرءٌ من قومهِ في الموقف من الغزو فحكى لي الدكتور الترابي ذلك وعبرة الضحك تتملكهُ مستغرباً كيف تختم له السفارة تأشيرة دخول في حين أن جوازهُ يحمل تأشيرة سابقة لزيارة لعدة سفريات مريداً بذلك إيضاح مدى التهافت في طلبهِ وكيف أن السفير السعودي كان في انتظارهِ في المطار في وقت مبكر للغاية وكيف أنه قد سمّع الملك من المواعظ ما سمّعهُ لينطلق بعدها إلى بغداد للقاء الرئيس صدام حسين.

ومما تجدر ملاحظتهُ في هذا الصدد أن عدداً من محسني الخليج الداعمين لمنظمة الدعوة الإسلامية بالخرطوم لم يتمالك إلا أن يضع يدهُ على رأسهِ وذلك عندما شاهد أحد قادة المنظمة بالخرطوم والمعروف لديهم يعانق الرئيس صدام حسين حين زيارته له بعد الغزو مباشرة. ومما يستغرب له المراقب ويعجب أيضاً ما حكاهُ معالي السفير الكويتي (السريع) رحمه الله في مذكراتهِ بعد الغزو وهو أن أحد قادة الإنقاذ وقتها وقبل أن ينحاز الآن لـ(الشعبي) جاءهُ طالباً منه تسليم مباني السفارة الكويتية للسفير العراقي بالخرطوم! الأمر الذي وضع السودان عند الكويتيين وقتها سنين عددا ضمن ما يعرف بـ(دول الضد).

ولذلك أقول لوزير خارجيتنا: لا تظن أن ما هو ماثل أمامك من عقبات هو فقط بسبب غياب ما تبكي عليه من تناغم ممن هم حولك من مسئولين، فإن ما كان قبلك من أخطاء وقبل المفاصلة لهو أشد وأنكأ مما تشكو منه أنت الآن بل هو السبب الحقيقي الذي يمنع من أن تحرز الوزارة أي تقدم يذكر.

وبالعودة لزيارة الترابي للرياض للقاء الملك فهد فإنها كانت فرصة لإحداث علاقة طيبة مع دولة عظمى كالسعودية لكن يبدو أن الزائر فضـّل غير ذلك، وهكذا ظلت البلاد  تترنـّح جرّاء سياسات قاتلة واحدة تلو الأخرى منها وليس آخرها محاولة فاشلة لاغتيال رئيس مصر الشقيقة هي الأخرى أدخلت البلاد في متاهة جديدة على ما عليها من مصائب والملف لم تزل الشقيقة مصر تحتفظ به لعلها تحتاج إليه في يوم ما أسود، كل ذلك وغيره كان سبباً في استعصاء أن يكون السودان مستقراً بل منع البلاد من أن تتخذ أصدقاء فضلاً عن حلفاء.

وأما قول الوزير إن البلاد لا تحتاج لحلفاء بقدر ما هي في حاجة لتقنية عسكرية عالية تدافع بها عن نفسها وأن إسرائيل لم تعتدِ علينا لعدم وجود حلفاء وإنما كان يمكن أن يتم ذلك الاعتداء حتى في ظل وجود تحالف فهو قول غير دقيق وإلا لماذا لم تستطع إسرائيل الاعتداء على قطر تلك الدولة الصغيرة والتي لا تمتلك مع غناها معشار ما تمتلكهُ إسرائيل من تقنيات عسكرية؟ فكيف صبرت إسرائيل على رئيس قطر وهو يجوب قطاع غزة المحاصر إسرائيلياً يجوبهُ طولاً وعرضاً جيئة وذهابا ويدفع الملايين من الدولارات لمنظمة إرهابية على حد تقييم إسرائيل وهي منظمة (حماس) التي تجعل الدوحة مقراً لبعض قياداتها بل صارت إسرائيل تبكي وتشكو من تلك الزيارة قائلة بأن ما يقوم به أمير قطر هو عبارة عن دعم لمن يرمينا بالصواريخ؟. دعم من قطر على مرأى ومسمع من العالم والمجتمع الدولي لا مجرد ظنون كما اتهم السودان.

أنا في تقديري أن ما قامت به إسرائيل من قصف لمصنع اليرموك هو عبارة عن عملية تشفٍّ وتنفيس من حالة اختناق عاشتها إسرائيل جرّاء زيارة أمير قطر لما تحاصر من قطاع، فلما لم تستطع إرسال تلك الصواريخ تجاه قطر القوية (بحلفائها) يا سيادة الوزير آثرت إرسالها تجاه السودان وهذا هو دائماً ديدن الجبناء ولا سيما أن الانتخابات الإسرائيلية  كانت تقتضي عملاً مثل هذا يصعب تنفيذه في إيران أو قطر فكان السودان هو الأنسب كما كان ذلك أيضاً امتصاصاً لما قامت به قطر من استفزاز للإسرائيليين.

أقول: نحن في حاجة ماسة لحلفاء حتى ولو لم تكن كلمة حلفاء هذه بالمعنى الإصطلاحي لحليف الذي يتحفظ عليه الوزير، ولكننا في حاجة ماسة لبناء صداقة قوية مع الغرب وغيره صداقة قوية مبنية على شراكة متينة لمصالح متبادلة.

ولكن هل يا ترى أن هذا الذي نطلبه ونرجوه ممكن القيام في ظل سياسات حالية وتاريخ حسبما ما بيـّنا؟

والله المستعان.

اليرموك ..علاقة ثلاثية الابعاد

بقلم عبدالله مرسال

30 اكتوبر 2012 — السؤال المشروع والذي ارهق كاهل السودانيين عقب استهداف مصنع اليرموك الحربي في ضاحية الخرطوم هو لماذا تم قصف المصنع وليس مكاناً آخر من ارض السودان الواسع، ان التقارير التي تحدثت منذ فترة طويلة عن وجود علاقة ثلاثية الابعاد ، تجمع ايران الممول وحماس ومنظمات اخري المستفيد ة والنظام الانقاذي الحاضن ، تبدو ان هذه التقارير اثبتت صحتها خاصةً بعد قصف المصنع من قوي خارجية ، فشل النظام علي مواجهتها بدعوي امكانيات المهاجمين فوق قدراتهم، كما فشلوا في ادارة الدولة نفسها ، هذه العلاقة وصلت حتي مرحلة انشاء مصنع حربي بتمويل وخبراء ايرانيين لإنتاج اسلحة وذخائر وصواريخ طويلة المدي وقصيرة المدي وإمداد حركة حماس وبعض الحركات الاسلامية الاخري ، هذا اذا ما تم ربطه بقصف سابق للساحل الشرقي للسودان علي مرحلتين من جهات اجنبية ولذات الشكوك لديها تجاه ما تم قصفه وفق تلك التقارير.

فالإجابة واضحة في الهدف من وراء قصف المصنع ، واياً كانت تلك الجهة التي استهدفت الساحل الشرقي واليرموك فلها دوافعها وأدلتها التي تجعلها في يقين من أمرها بأن المصنع يحوم حوله شكوك ومما يزيد من الامر حيرة تضارب تصريحات المسؤولين عقب ضرب المصنع مما يؤكد بجلاء غياب المعلومة لديهم الامر الذي يعزز افتراض ان ادارة المصنع ليس بأيدي سودانية وإلا كانت المعلومة وصلت في الحال ، فالفرق شاسع بين الحريق الداخلي نتيجة لتطاير الشرر وضربات صاروخية جوية بتلك الشدة .

ان محاولات اتهام الجبهة الثورية السودانية أو خلق رابط ما بين العملية ومنفذها من ناحية والمقاومة المسلحة من جانب آخر هي محاولة يائسة مع خبث واضح لا يخفي علي فطنة المواطن المتتبع لتصريحاتهم وهي اتهامات تمتاز بالبلاهة مما جلبت لهم سخرية المواطن السوداني ، وربما قصدوا الاستفادة من قصف المصنع بالخروج ببعض الفوائد عملاً بالمثل رُبّ ضارة نافعة ومن بين هذه الفوائد وفق تقديراتهم هي :-

* ربط الجبهة الثورية السودانية بما تسميه بالصهيونية العالمية حيث لم تسلم ثورة أو معارض للنظام في السودان الا وتم وصمه بعلاقات بدول ودوائر غربية واسرائيل ، امّا فشلاً في مواجهته أو اغتيالا للشخصية والمعارضة ، واكثر ما عاني من ذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان وشهيدها الدكتور جون قرنق ديمبيور وبالتالي الجبهة الثورية السودانية ومكوناتها ليست استثناءاً من هذه القاعدة ، وقد ظل النظام يجتهد في ايجاد المبررات والاسباب التي تمكنها من اثبات نظرية ما تسميه بالمؤامرة ضد الاسلام والدولة السودانية وذلك للآتي :-

ا- للتغطية علي فشلها في مواجهة المقاومة الثورية وكذلك حماية حدود الوطن والتي تعتبر مسؤولية اية دولة والعجز في ذلك يعني عدم وجود الدولة نفسها وبالتالي مجموعة بلطجية او مليشيات تفرض سلطتها عبر قوة اتيحت لها علي الغير .

ب- محاولة استعداء المواطن ضد المقاومة الثورية او المعارضين للنظام .

ج- الحصول علي تأييد داخلي بتصوير الوضع علي انه صراع بين العروبة و الاسلام والمناؤيين له لمذيد من التعاطف الشعبي .

د- كذلك الحصول علي دعم بعض الدول وخاصة العربية والاسلامية ، مستفيدة من الصراع التقليدي بين تلك الدول وإسرائيل .

ان النظام اكثر العالمين بعدم وجود صلة ما بين الضربات الجوية والمقاومة الثورية ،رغم تضررها ومناطق الهامش من هذا المصنع والذي جلّ انتاجه يذهب الي دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق وأجزاء اخري من الهامش السوداني ، تدميراً للزرع والضرع وقري مسحت من الارض ومصادر مياه فضلاً علي آلاف القتلي والجرحي ،هذا المصنع بدلاً من ان يساعد في تنمية قدرات الجيش القومي للدفاع عن الارض والمواطن فدمّر الاثنين معاً .. والجيش نفسه فقد قوميته يوم ان تقاضي الطرف عن الدفاع عن حمي الوطن واسترجاع اراضيه المحتلة في الشرق واقصي الشمال الشرقي من قوي خارجية وصار يقتل مواطنيه ويدمر مقدرات الوطن ، فالجيش استحق المثل.. اسدٌ علي وعلي تلك القوي الخارجية نعامة . وذلك واضح من القصف العنيف للطيران العسكري لمناطق شرق الجبل وهشابة في شمال دارفور وتراقص وتمايل وزير الدفاع علي اشلاء وجثث من قتلوا في جبال النوبة بفعل قصف طائراتهم الحربية وربما كان ذلك هو الرد العملي للجيش علي الذين قصفوا مصنع اليرموك الحربي .

لو صدقت اتهامات النظام للجبهة الثورية وعلاقتها الوثيقة بالدوائر المذكورة والحصول علي دعم منها لكان الوضع مختلف ولما وجد النظام ليلقي التهم جزافا .ولو توفرت للجبهة الثورية امكانيات من هذه الدوائر لما قصفوا المصنع فهو للدولة وان اساء النظام الاستخدام والإنقاذ تعلم اين يمكن ان يقصف ؟ ان المسؤولين ولمداراة فشلهم في الحماية والمواجهة قالوا ان التكنولوجيا المستخدمة للمهاجمين عالية القدرة والكفاءة وهي فوق طاقتنا وقدراتنا ... نعم فقدراتهم لا تتجاوز حد قصف القرى النائية والقضاء علي كل ما هو حي فيها . وفي نفس الوقت يتهمون الجبهة الثورية بالحصول علي دعم الدوائر الغربية وإسرائيل ولو كان الامر كذلك لاكتمل مشروع اسقاط النظام منذ فترات سابقة .

أن تهمة حصول الحركات المسلحة علي دعم خارجي ليست بالجديدة ولن تتوقف طالما كانت الثورة مستمرة والانقاذ علي سدة الحكم ، وقد اتهمت دول ودوائر ومنظمات بدعمها للحركات المسلحة وقادة الانقاذ الاكثر دراية من اين يأتي الدعم لهذه الحركات ؟ ففي عمليات ضد الجيش السوداني في ام دافوق وقريضة وطوفين اداريين وعمليات صغيرة اخري استطاعت المقاومة الحصول علي اكثر من 200 عربة وآلية عسكرية بكامل الاسلحة والذخائر فضلاً علي كميات من الوقود والمؤن والإمدادات اللوجستية الاخري تكفيها لفترات طويل قادمة . وكل ذلك تم في 3 اشهر فقط وهي اشهر خمول تكون العمليات فيها بطيئة نسبياً لظروف الخريف مما يعني ان الوضع مختلف في المرحلة المقبلة بالنسبة للحكومة مع مقاومة ثورية لها دوافعها القوية في اسقاط النظام ولها القدرة علي التطور عدداً وعدةً وعتاداً وتدريباً وتأهيلا...

كاتب هذا المقال هو الناطق الرسمي باسم حركة تحرير السودان – جناح مني مناوي ويمكن الاتصال به عن طريق الايميل Tagel190@gmail.com.