آراء ومقالات

Recent Posts

Tags

Community

Email Notifications

Archives

August 2010 - Posts

رغم بلوغه الـ80 يعمل سائق أجرة على رغم أنه خال الرئيس السوداني

خال الرئيس السوداني عمر البشير

أضغط هنا لمشاهدة الموضوع بصوره أوضح

ضبط اجتماع سودانى متلبّساً!

كمال حنفي

من أقوى مظاهر شتات السودانين بالخارج تحوّل هذا الشتات إلى تجمّع يأخذ أشكالاً والوناً: روابط وجمعيات وأندية واجتماعات... تجمّعات تنشأ بمبادرات وأفكار وأفراد ناشطين ومجموعات, وفى أحيان قليلة تصنعها السفارات والقناصل... وكلها تنتج ظرف مكان أو ظرف زمان يحفظ الحد الأدنى للإرتباط بالوطن ماؤه وهواؤه وترابه!
الجمعة المنصرمة السابع عشر من رمضان التقطت بعدستى عينى وبعدسة كاميرا الديجتال فى العاصمة الالمانية برلين لحظة فى علم الاجتماع السودانى من الطبقة الأولى... ففى منزل السفير السودانى لألمانيا التقى سودانيو المانيا واصدقاؤهم ألمان وعرب ومسلمون ومسيحيون وآسيويون على مائدة رمضان تتناثر حولهم مأكولات ومشروبات سودانية الجنسيّة, وقبل ذلك وبعده تلتف حولهم لحظة سودانية يشاركهم فيها شخصيات المانية ترى السودان من زاوية الآثار والتكوين الفطرى والفولكلور فيرونه بلداً يرقد على كنوز!
الحضور السودانى فى ذلك الاجتماع من حاملى الشهادات العليا اوالقريبين منها, اكاديميون ومهندسون وأطباء وتقنيّون وباحثون عن الرزق الكريم ورجال أعمال, وشباب يعملون فى أعمال الرجال, والنُسخة النسائيّة من كل هؤلاء!
تلك اللحظة قَاربت بين أعضاء السفارة السودانية وقنصليتها وعدد من السودانيين الجدد, سودانيون ألمان وألمان سودانيون أنتجهم زواج سودانيين من ألمانيات أو ألمان من سودانيات, (مثال على ذلك زواج ألمانى من رباطابيّة)!
قبل أن يعلن حفل الإفطار عن نهايته التقى الحضور بلحظة إستثنائيّة: ألمان مسلمون فى انشاد من أشهى ما نثره الشيخ  محمد عبده البرهانى شعراً, بدأت بقصيدة رخيمة (إمامنا المصطفى)... فى البلد والعاصمة التى انطلق منها هتلر ليعلن عن نازيّته ومحاربة الحلفاء بها حرباً عالميّة ينبرى شباب ألمانى ليعلنوا (والصفح شيمتنا)... لم يملك بعض الحضور فى هذه اللحظة الروحية غير أن يعطوا غُددهم الدمعيّة حريّة التعبير!
يملك السودان الدولة والمجتمع والوطن الكثير ممّا يقدم به نفسه للشعوب الأخرى غير صراع السلطة والثروة والترتيبات الأمنية وترسيم حدود أصغر داخل حدوده الأكبر... يملك السودان أن يقدّم نفسه بأنّ الحدود ليس لها وجود بين مجموعاته, فَهُم يلتقون دائماً فى نقطة لن يعثر عليها المؤتمر القومى الجامع!!

ثمن الإنفصال

د. محمد ابراهيم الشوش

المقال الرائع الذى كتبه الاستاذ راشد عبد الرحيم فى هذه الصحيفة عدد الثلاثاء 24 أغسطس الجارى عن -أقتصاد الانفصال -هو بحق كما وصفه قارئ  -خطاب المرحلة -.
 وكان يجب أن يكتب قبل عدة سنوات ويعلن فى كل منتدى , ويصل الى سمع كل سودانى فى الشمال والجنوب, اذ يصحح المعادلة الخاطئة فى أسلوب العمل نحو تحقيق الوحدة الجاذبة. فقد حسبنا مخطئين أن الدعوة الى الوحدة الجاذبة تعنى كسب ود أبناء الجنوب بكل السبل عن طريق التدليل والتذلل وأخفاء الحقائق الاليمة وأستجداء عطفهم على ما سيصيب السودان وشماله بصفة خاصة من خراب مالى، وتفكك داخلى تتمزق معه الاطراف فى الغرب والشرق وعلى ضفاف النيل فى الشمال. ولست أستكثر شيئا من التدليل على أبناء الجنوب فقد مرت عليهم ظروف قاسية بعضها من صنع أيدينا .    
ولكننا بتذللنا ولهفتنا لكسب ود الجنوبيين، قد اخطأنا الطريق الى قلوبهم وعقولهم وكشفنا ضعفا لا وجود له الا فى أدمغة بعض الخائرين - مما أغرى بعض الحاقدين وحقق شكوكهم أن الشمال المتهم فى نظرهم بالتعالى والاستبداد  ماهو الا بناء خرب يعتمد فى بقائه قائما  على الجنوب وفى معيشة أهله على أستغلال موارده . وشجعناهم على الاعتقاد الخاطئ بأن الانفصال لاثمن له وأنهم سينعمون بما ينعمون به من أمتيازات وحقوق مع ما سيجد من أمتيازات الانتماء لدولة مستقلة كاملة السيادة.
وفى هذا الاطار من التذلل والحرص على أرضاء الجنوبيين وكسب ودهم أخفينا عنهم مخاطر الانفصال على أقتصادهم وأمنهم، فشجعناهم على الاعتقاد بأن الأنفصال  لا عاقبة له .ومن هنا تنبع أهمية مقال الاستاذ راشد عبد الرحيم . فهو يبسط للجنوبيين الحقائق المترتبة على الانفصال لا بأعتبارها تعبيرا عن مشاعر الانتقام لأختيارهم الانفصال بل بأعتبارها مترتبات قانونية دولية تحكم العلاقات بين الدول المستقلة . فالمواطنون الجنوبيون  فى الشمال وكذا الشماليون فى الجنوب وفى لحظة الانفصال يصبحون رعايا دولة أجنبية  وعليهم ترتيب أوضاعهم فى البلد الذى يعيشون فيه. ويصبح أى عمل سياسى لأي من الطرفين على ارض الآخر تدخلا فى شؤون دولة أخرى يحظره القانون الدولى ويصبح العمل بأجر أو بغير أجر محظورا عليهم الا بقانون .وعليهم أن يتخلوا عن وظائفهم للمواطنين. وفى كلا البلدين المنفصلين جيش من العاطلين هم الأحق بالوظائف وعلى كل دولة أن تدفع نصيبها من الديون وفق حسابات دقيقة .وبالنسبة للنفط فأنه مجرد سلعة تجارية يقسم عائدها وفق مايقدمه كل طرف فى أستخراجها ونقلها وتسويقها .ونصيب الشمال بغض النظر عن الوحدة والإنفصال مثل نصيب الصين وماليزيا والهند.
والحرص على أن يسود السلام والتفاهم بين الدولتين إذا وقع الانفصال -لا قدر الله-لايعنى التنازل عن شبر من الاراضى أو قدر من الاستحقاقات. وعلى حكومة الشمال أن تبذل كل ما فى طاقتها لمد يد العون والخبرة والمساعدة للحكومة الوليدة وأن تحتفل بأستقلال الجنوب وتشهد أحتفالاته. وأن تسعى لأبداء حسن النية على أن لا يكون ذلك على حساب سيادتها وحقوقها الدولية الكاملة . وان يلتزم المقيمون فى كل دولة أن لايتدخلوا فى شؤون البلد الذى يعيشون فيه وان لايعبثوا بأمنه أو يعينوا عدوا أو خارجا عليه وان لا يثيروا الفتنة بين ابنائه. فلا أمتداد لأحد الدولتين فى أرض الآخر باسم قطاع الشمال أو الجنوب مما يحرمه القانون بأعتباره تخابرا مع دولة أجنبية.
وصدقونى أن وضع هذه الحدود والضوابط الصارمة هو وحده الذى يضمن وجود دولتين جارتين شقيقتين تكفى كل منهما شرها عن الأخرى. وكما يقولون فأن الاسوار المنيعة تخلق جارين متفاهمين.

حينما يستعصي القلم عن الكتابة في أمر البلد

أ.د. حسن مكي محمد أحمد

وهل يتمرد القلم؟ أم أن صاحب القلم ربما يدافع عن خوف أو كسل ، يلقي باللائمة على قلمه ، حتى يستريح وما القلم إلا آلة العقل، يطوعه العقل وتحركه الانامل المشدودة إلى العقل وتترجم عنه، والعقل من أسرار الله، فهو الحاكم على الجسم ، وحينما يطغى سلطان الجسم على العقل ، يسلمه للنوازع والشهوات، ونسمي ذلك بالنفس، بما فيها من أنواع الفجور والفسوق وكذلك التقوى، وحينما يتزكى العقل ويخرج على سلطان الجسم ربما يصبح روحا، بمعنى أنه يتجه إلى التدين وإلى التزكية ومحاولة تجاوز سلطان الجسم ولكن هيهات.
يظل العقل منازعاً  ما بين أشواق الروح ومطلوبات النفس، فحينما تتجاوز النفس مطلوبات الجسم وضغوط الغرائز تصبح نفساً مطمئنة روحاً لطيفة صاعدة، وحينما تنساق النفس مع الغرائز وضغوط الجسد ، تجعل من الروح أمراً هابطاً، على عكس ما أرادها الخالق، «ونفخنا فيها من روحنا» ولعل هذا من أمر المرجعية الإسلامية، التي قوام الصلاح والفلاح فيها معرفة الله سبحانه وتعالى والاتجاه إليه ، كل حسب طاقته ومقدراته، لأن القدرة والسعة المحكومة بالعقل هي مناط التكليف.
ولكن لماذا هذه المقدمة، التي قد تزهد الكثيرين من قراءة هذا الوارد، لأن الشهود في الكتابة عن أمر السودان، أصبح من الصعوبة والتعقيد، مثل ما أن إدارة السودان والحفاظ عليه أصبح بذات الصعوبة والتعقيد، خصوصاً أن السودان يعاني من ضغوط التخلف والفقر والتهميش مقارنة بأسباب النعمة والقوة الموفورة في الغرب، وفي ذات الوقت ، تتطلع طائفة السودانيين المهمومة بمطلوبات المرجعية الإسلامية في بناء السودان على مطلوبات هذه المرجعية. ولكن المرجعية تصبح أمراً نسبياً، مع حظوظ النفس وغواية السلطة ولكن كذلك شتان ما بين نسبية المرجعية والدعاوى الأخرى القائمة على إقصاء المرجعيات الروحية واستبدالها بسلطة الشعب أو الديمقراطية والعولمة.
ولعل الصراع حول الدولة والسلطة والثروة ، ومنذ استقلال السودان ، محكوم بتيار المرجعيات الدينية وتيار المرجعيات اللادينية ومواصلة التقدم على ذات الأسس التي وضعها كتشنر وونجت، باعتبارها الوصفة المناسبة لتأكيد العقد الاجتماعي السوداني والتطور والتقدم.
ولعل أيام الرئيس النميري الأخيرة في السلطة ، تكشف عن اتجاهات هذا الصراع، لأن الرئيس النميري زار الاشتراكية ثم الاشتراكية العربية ثم تصالح مع الغرب والجنوب في إطار اتفاقية أديس أبابا لعام 1972م، وأيد اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل مما عزز موقفه في صحائف الغرب. ولكنه خلط ذلك بالشراكة مع الاسلاميين في السلطة وتطبيق أحكام الشريعة حسب مفهومه ابتداء من سبتمبر 1983م، ثم اعدام المرحوم محمود محمد طه في يناير 1985م، مما أدخله في قطيعة مع الغرب، برزت في قيام حركة التمرد في الجنوب بقيادة جون قرنق والتي استهلت عملها بضرب مسلمي الدينكا في قطاع أويل، اريات وايقاف العمل في قناة جونقلي واستخراج البترول المكتشف في حوض المجلد وجنوب السودان، وحاول الرئيس النميري تصحيح حساباته مع الغرب بصفقة تهجير الفلاشا ولكن هيهات.
ثم كانت الانقاذ أو مشروع الحركة الإسلامية المغلف بسلطة المؤسسة العسكرية، في طبعاته المختلفة الشمولية والترابية ثم محاولات تصحيح الحسابات مع الغرب بصفقة نيفاشا وسلام دارفور ، طمعاً في استمرارية النظام والحفاظ على وحدة السودان أو الجزء الاكبر منه في إطار مرجعية إسلامية ولكن هيهات، فمصالحة الغرب لا تعدو أن تكون فجراً كاذباً أو حملاً كاذباً. أو إن صح الحمل فهو إعادة الحمل بالمشروع الغربي المحمول على محكمة الجنايات واوكامبو وتقرير المصير بانفصال الجنوب والتمكين لورثة مشروع كتشنر في إطار الجهوية والعرقية أو لافتات السودان الجديد وتحالف النخبة العلمانية المتحررة مع المشاريع العرقية والاثنية تحت مسمياتها المختلفة يسار ويمين وديمقراطية.
ولكن أين الديمقراطية في المرجعية الإسلامية؟ الديمقراطية كيان متكامل ، أساسه التجربة الأوروبية في المصالحة ما بين الدولة والكنيسة، كما في تجربة غرب أوروبا وأمريكا. أو اقصاء الكنيسة والدين تماماً كما في التجربة الشيوعية والتي لم يبق فيها من حاضن سوى التجربة الصينية.
اجتهد بعض الإسلاميين في استنساخ أو توليد ديمقراطية تتوافق مع المرجعية الإسلامية ، أساسها سيادة القانون «ولكن أي قانون» وتداول السلطة وكفالة الحريات ، ولعل هذا الاجتهاد مقبول، إن جاء في إطار « شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة واولو العلم، قائماً بالقسط لا إله الإ هو العزيز الحكيم» الآية الثامنة عشرة من سورة آل عمران بمعنى أن الشهادة وما فيها من قيادة وفتوى وعلم من اختصاص أهل العلم، ولذلك فإن الديمقراطية في الإسلام ربما كانت من اختصاص أهل الحل والعقد، والحرية في الإسلام ليست مطلقة، فالمرأة ليست حرة في جسمها كما تنص مثلاً اتفاقية سيداو والذكر ليس حرا في تصريف طاقاته الجنسية أو حتى التجديف في طاقاته العقلية، لأن سلطة الوحي فوق سلطة العقل أو سلطان الشعب.
ولكن ثم ماذا؟ ما تريد أن تقول يا من استعصى عليه القلم؟ أو قل أن عضلات عقله لا تريد أن تواصل الاسترسال في أمر الفجر الكاذب أو الحمل الكاذب المنطوي عليه مستقبل السودان في ظل نيفاشا وتقرير المصير ومحكمة الجنايات والحضور الاجنبي الممتد من مطار الخرطوم مروراً بدارفور وجنوب السودان، ما أقول لا يصلح أمر السودان إلا سلطان الجماعة، والجماعة الوطنية بتأليفاتها الدينية والوطنية حاضرة ، ولا يصلحها إلا لقاءات وتنازلات صادقة ، لا مكان فيها لتصفية حسابات أو نبش تاريخ فالتحديات الشاخصة، أكبر من مآلات الأحزاب وأكبر من صراع الشعبي والوطني واكثر من جراحات دارفور، ولعل التحدي الشاخص أكبر من طاقة الصف المتحد فكيف ببقايا صف ولله الامر من قبل ومن بعد.

مع مالك عقار بدون تجمل .. لن أُطمئنكم !!

حوار: فتح الرحمن شبارقة .. تصوير: إبراهيم حامد

الأجواء في باحة فندق كورال بالخرطوم ظهيرة الخميس الماضي، كانت تهيئ الأمزجة لحوار بلا خطوط حمراء مع نائب رئيس الحركة ووالي النيل الأزرق المنتخب الفريق مالك عقار. إلا أن ضيق زمن الرجل، وإجاباته التي كانت تخرج دونما تلطيف أحياناً، لم تغرني بالإسترسال، ولم تشجع بالطبع، على طرح أسئلة إتهامية أكثر مباشرة.. ومع ذلك، فإن عقار لم (يُقصًر) في هذا الحوار كما يقولون، فقد نفى بشدة أنه أصبح الوحدوي الوحيد وسط مجموعة من قادة الحركة الإنفصاليين، تحدث بنبرة وحدوية نادرة هذه الأيام، ووصف الإتفاقية بأنها ناقصة وبحاجة إلى «كديب» سيتم عبر المشورة الشعبية. و»الكديب» لمن لا صلة لهم بالزراعة يعني مراجعة ازالة الحشائش، وهو يلامس ما فعلته (الرأي العام) مع عقار هذه المرة، فقد سبق أن جلست إليه في حديث (مُر) قبل نحو ستة أشهر  راجعته في هذا الحوار:
......
* كثيراً ما تتحدث عن المشورة الشعبية، إلا أن ماهيتها تحديداً مازالت غامضة وغير مفهومة لدى الكثيرين؟
- المشورة مثل الشخص الذي قام بزراعة مشروع، فهو ينظفه النظافة الأولى من الحشائش، ثم بعد ذلك لازم «يكّدِب» المشروع بتنظيفه مرة أخرى عشان يطلع عيش، وهذه هي المشورة الشعبية.
* هذا شرح زراعي ربما لمفهوم المشورة ، ما الذى تعنيه سياسياً فما زالت غير واضحة؟
- معنى ذلك، إن الإتفاقية عندما وقعت في العام 2005م قال طرفاها أنها غير مكتملة لأسباب موضوعية في ذلك الوقت. فتوصل الطرفان لحدِ أدنى إن هذه الإتفاقية ناقصة ولازم تستكمل. وإستكمال هذه الإتفاقية لا يتم إلا بإستشارة كل أبناء النيل الأزرق في هذه الإتفاقية المكونة من ثلاثة بنود (تقسيم السلطة، تقسيم الثروة، والترتيبات الأمنية) وفيها كذلك آليات للتنفيذ، ونحن قلنا في هذه الإتفاقية بعد الإنتخابات مباشرة تُخضع لشعب النيل الأزرق ليُستشاروا في كل هذه الترتيبات.
* أين أنتم الآن من إجراءات المشورة الشعبية خاصة وأنه مرّ زمن طويل على الإنتخابات؟
- الآن نحن في مرحلة تنوير الناس عن الإتفاقية وإجراءات المشورة الشعبية لأنها هي إجراءات وليست إجراء واحد، فالإجراء الأول كان القانون، والإجراء الثاني الذي بدأنا فيه بالنيل الأزرق هو تعريف الناس بالمشورة، والمرحلة الثالثة هي مرحلة أخذ آراء الناس فيما يتصل بالإتفاقية.
* أخذ آرائهم في ماذا إجمالاً؟
- نحن نعرف للمواطن السلطة ذاتها التي يُمكن أن تُقسم، ومعايير التقسيم ومؤسسات هذه السلطة هل هي سلطة في الولاية أم في المركز؟، ثم نرى رأي المواطن في السلطة القائمة الآن في الولاية.. هل ترضى طموحه أم يرغب في أكثر من ذلك؟ وفي أي جانب يريد إستزادة من السلطة؟  فالسلطة ليست شيئاً واحداً وإنما فيها جوانب تطبيق كثيرة. والجزء الثاني من المشورة متعلق بالثروة، وسنذهب في تفاصيل أي ثروة نحن نريد تقسيمها؟ ومقارنتها بالوقت الحالي.. هل هي كافية أم غير كافية؟. فالمشورة الشعبية في كلياتها ليست ( (Game ) بيننا والمركز، هي عملية حوار بين الولاية المعينة مع المركز في تنزيل الصلاحيات والسلطات والثروة لهذه الولاية، فهي في النهاية عملية لن يكون فيها طرف رابح أو طرف خاسر.
* المشورة تناقش في مجلس تشريعي الولاية، ومجلس تشريعي الولاية أغلب نوابه من المؤتمر الوطني ألا تخشون شيئاً هنا؟
- أنا أريد أن أصحح شيئاً واحداً، فلا شئ هنا إسمه مؤتمر وطني أو حركة شعبية، فهذه مشكلة بين الولاية والمركز. وفي هذه الولاية مؤتمر وطني وحركة شعبية وحزب أمة، فالعملية إذن ليس بين الحركة والوطني، وإنما كما قلت لك بين الولاية والمركز.
* لكن المجلس التشريعي المنتخب هو المطبخ الذي تُعد فيه المشورة الشعبية؟
- مافي حاجة إسمها مطبخ للمشورة. إنت (شيل) عملية الأحزاب دي خالص فهي لا علاقة لها بهذا الامر، فالمشورة يقوم بها المجلس التشريعي المنتخب وهو منتخب من أبناء النيل الأزرق.
* البعض يضع المشورة في مصاف تقرير المصير، إلى أي مدى برأيك يمكن أن يكون هذا التموضع صحيحاً؟
- « ختها في أي حتة عايز تختها» فهي ليست عملية يوم وليلة وإنما أكثر تعقيداً من إستفتاء جنوب السودان.
* هل ثمة تخوفات في مسألة المشورة الشعبية؟
- تخوفات من ماذا؟
* من أن تفرز نتائجها مثلاً معادلة سياسية وأمنية جديدة في علاقة الولاية بالمركز أو العكس؟
- وهل المركز لا يعرف أين حدوده؟ أم الولاية لا تعرف أين حدودها؟. أصلاً هناك أنواع كثيرة من الحكومات اللا مركزية  وهذا يتوقف على أى نوع سيتفق عليه الناس، فهناك حكومات ولائية وحكومات أقاليم ولكل حكم إقليمي أو أعلى من إقليمي  أو ذاتي أو فيدرالي يُتفق عليه صلاحيته، وهذه مقاييس عالمية معروفة ولن نضعها  في النيل الأزرق فالإتفاق السياسي هو الأهم.
* كأنك تريد أن تقول لا مشاكل حتى الآن في المشورة الشعبية؟
- حتى الآن لا توجد مشاكل.
* عندما تقول حتى الآن.. يبدو أنك تتوقع مشاكل عما قريب؟
- أنا ما بعرف لكن حتى هذه اللحظة التي أتحدث فيها معك لم تواجهنا أي معوقات أو مشاكل.
* دعنا ننتقل لمحورٍ آخر.. فمن الملاحظ أنك أصبحت الوحدوي الوحيد وسط مجموعة من قادات الحركة الإنفصاليين فيما يبدو؟
- أنا لا أتفق معك في الرأي، فكل الحركة تنادي بوحدة السودان، كما أن الأمر ليس بهذا التشخيص.. مالك وحدوي وفلان غير وحدوي. فالحركة الشعبية برنامجها هو الوحدة على أسس جديدة.
* كل الحركة؟
- نعم كل الحركة من قائدها وحتى الشخص العادي فيها.
* لكن إجتماع المكتب السياسي الآخير للحركة أشار إلى أن برنامجها المتمثل في إقامة سودان علماني موحد على أسس جديدة إصطدم بمحاولات فرض الوطني لمشروعه الإسلامي العروبي؟
- إذا كانت هناك رؤيتان متضاربتان، فلا بد من أن تحدث تنازلات وإلا فإن السودان سينهار.
* طيب مع تقابل مشروع الحركة مع مشروع الوطني كيف نحافظ على السودان من الإنهيار؟
- الخروج من الإنهيار موجود في القصر الجمهوري وليس في الصحف، فإذا إتفقت مؤسسة الرئاسة المكونة من الرئيس البشير والنائب الأول سلفا كير والنائب على عثمان، فإذا إتفقوا على الوحدة سينزلونها على شعوبهم، وإذا إتفقوا على الإنفصال سينزلونه على شعوبهم. فالوحدة لا نستطيع أن نتحدث فيها بالعواطف والأمنيات، فالقيادة موجودة في القصر الجمهوري وهي صاحبة القرار.
* عندما تقول إن كل الحركة مع الوحدة ألا ينطوى مثل هذا الحديث على قدرٍ من المبالغة؟
- أنا أتكلم عن أن الحركة الشعبية هي حركة وحدوية، فأي قائد فيها يتكلم عن الإنفصال؟
* السيد باقان أموم مثلاً؟
- أعطني نصاً قال فيه باقان إنه إنفصالي.
* صحيح أنه لم يقل إنه إنفصالي، ولكنه قال إن كل الجنوب يمضي في إتجاه الإنفصال؟
- في الشمال كذلك هناك ناس يتحدثون عن الإنفصال وناس يتحدثون عن الوحدة، وفي الجنوب نفس الشئ، لكن الحركة الشعبية هي حركة وحدوية.
* وحدوية حتى الآن؟
- حتى بعد بكرة
* لكن باقان وسلفا كير يتحدثان عن إن آوان الوحدة الجاذبة قد فات وعلى الجنوبيين أن يختاروا ... ؟
- قاطعني بقوله:
هذه أشياء تقديرية، ولا يوجد شخص حتى هذا اليوم يعرف مالذي سيختاره الجنوبيون.
* لكن يبدو أنك مازلت تتوقع الوحدة؟
- أتوقع الوحدة لأن الحركة توجهها وحدوي فلماذا لا أتوقع الوحدة.
* وهل تشاطرك قيادات اخرى في الحركة هذا التوقع المتفائل بوحدة البلاد؟
- أنا أقول لك الحركة وحدوية فلماذا تريد أن تجزئها إلى قيادات وحدوية وإنفصالية.
* لأنه أصبح هناك فرز واضح للكيمان داخل الحركة؟
- هذا الفرز موجود في رأسك وليس في الواقع.
* لا.. هو في الواقع كذلك، فأنت تكاد تكون الوحدوي الوحيد داخل الحركة؟
- هذه قراءتك أنت، وأنا أعبر عن الحركة.
* د. نافع قال في مؤتمره الصحفي الآخير ما معناه إن الحركة حسمت موقفها في إتجاه الإنفصال؟
هذا رأيه، ويمكنك أن تذهب لنافع وتسأله.
* يرى البعض إنك تُغرد خارج سرب الحركة ويستدلون على ذلك بمواقف لك عديدة منها في السابق موقفك الرافض لمقاطعة الإنتخابات في قطاع الشمال والآن بأحاديثك الوحدوية؟
- أنا نائب رئيس الحركة الشعبية وأُطروحات ومنفستو الحركة التي أقودها يقول بوحدة السودان الطوعية على أسس جديدة ولم يقل لي أحد حتى هذا اليوم إن الحركة غيرت رأيها في هذه الحكاية، ولم نجلس في مؤتمر لنقول إن الحركة غيرت رأيها في الوحدة.
* ألا ترى إن الإنفصال فيه خيانة لمبادئ الحركة؟
- لماذا يكون الإنفصال خيانة؟
* لأن الحركة بقيادة قرنق قاتلت من أجل إقامة سودان موحد على أسس جديدة؟
- وهل نحن وصلنا الآن لوحدة على أسس جديدة؟.. إذا وصلنا إلى وحدة على أسس جديدة وحدث الإنفصال فإنه في هذه الحالة يكون خيانة.
* البعض يرى إن خوفك من الإنفصال ما هو في الواقع إلا خوف على مستقبلك الشخصي؟
- إبتسم بسخرية وقال:
أنا ليست لدي مشكلة في مستقبلي الشخصي.
* خوف على الولاية إذن؟
- برضو ما عندي مشكلة، فالولاية لايمكن أن تكون بلا خطة في حال الإنفصال ولا يمكن أن تُقاد كقطيع من الإبل فلا بد من أن نتحسب لكل شئ.
* أنتم متحسبون للإنفصال في الولاية إذن؟
- السودان كله متحسب للإنفصال.
* هل يمكننا أن نتعرف على ملمح من خطتكم التحسبية للإنفصال؟
- للأسف الشديد لا.
* برأيك ما هي المخاطر المحتملة في حال الإنفصال؟
- لن يكون هناك سودان بعد إنفصال الجنوب، فالسودان «سيتفرتق» إلى دويلات كثيرة.
* ألا ترى إن هذا الحديث غير مطمئن ؟
لكن أنا لم أجيء هنا كي أُطمئن الناس، أنا جئت أقول الحقيقة وكل شخص على كيفه يطمئن أو لا يطمئن.
* بوصفك والياً لولاية تماس هل تتوقع حدوث مشاكل حدوية في حال الإنفصال؟
- كل شئ وارد.
* هل من سبيل لجوار آمن مع الإنفصال؟
- الوطني والحركة يناقشان في ترتيبات مابعد الإستفتاء، وأفتكر إن في هذا تحسباً لأي مشاكل يُمكن أن تحصل فهم يتوقعون حدوث مشاكل.
* كيف تنظر لمستقبل قطاع الشمال في الحركة في حال حدوث الإنفصال؟
- طبعاً سيستمر كحزب.
* حزب في الشمال؟
- طبعاً بالتأكيد، « ح يمشي وين يعني ؟ ح تطويه؟».

بيني وبينكم ..توارد خواطر..أم سرقة أدبية..؟

فتاة دون السادسة عشر بقليل كانت برفقة والدها وهما يخرجان من المسجد عقب صلاة التراويح أمس الأول، حياني والدها فانتبهت هي، وسألتني: هل أنت صحفي..؟.. أومأت لها بالايجاب، فقالت: بالله عليك.. اكتب عن برنامج اسمه (بيني وبينكم) يقدمه التلفزيون السوداني، وهذا الاسم (مسروق) من برنامج آخر في قناة الرسالة ، يقدمه الشيخ الدكتور محمد العوضي..
صدمتني الدهشة.. وحاولت أن أتأكد من الذي سبق الآخر، فقلت لها: لم أرِ برنامج د. العوضي هذا، لكني رأيت برنامج تلفزيون السودان، فلمّ لا يكون (دكتورك) قد أخذ الاسم منه..؟.. أجابتني بكل ثقة: د. العوضي ظل يقدم البرنامج لسنتين ماضيتين، وهذا هو موسمه الثالث..!!.. حينها لم أجب.. ولكني طرقت مفكراً.. هل ما حدث (سرقة) أم (توارد خواطر)..؟!
.....
شُبهة اقتباس
 يُعرف د. محمد عبد الرافع توارد الخواطر على أنه نوع من الاتصال الفكري والروحي بين شخصين -وربما أكثر- ونجده على نطاق واسع في الموسيقى والادب والفكر السياسي والاجتماعي، بل أنه ينتشر في الحياة العامة على نطاق واسع، وفي بعض البحوث العلمية قبل عصر المعلومات وسرعة انتقال المعلومة، نجد كثيراً من العلماء توصلوا لنفس الاكتشافات بنفس الطريقة، في نفس الوقت.
ويواصل د. محمد قائلاً: وهذا التوارد نجده في الفنون وخاصة الشعر منذ قديم الزمان، وقد يختلف الناس حول تسمية التشابه هذا، فالبعض يعرف التشابه في المنتوج الابداعي على أنه توارد خواطر، وفي درجة أخرى يسمى اقتباساً، أما في آخر درجاته فيسمى سرقة أدبية، وربما يحدد نوع التسمية الزمن الذي تم فيه انتاج العمل ذي الدلالات المشتركة، وبعد ذلك تأتي مقدرة الشاعر -إذا اخذنا الشعر كمقياس- على النظم بعيداً عن شبهة الاقتباس..
* يقول امرؤ القيس في معلقته:
وقوفاً بها صحبي على مطيهم
يقولون لا تهلك أسىً وتجمل
ويقول طرفة بن العبد:
وقوفاً بها صحبي على مطيهم
يقولون لا تهلك أسىً وتجلد

فرق التوقيت
 ونرى بوضوح أن الاختلاف في النص كان في حرفين فقط، وفي الدلالة المعنوية كان التطابق كاملاً، ومن المعروف أن الشاعرين عاشا في فترة زمنية متقاربة حتى أن بعض الباحثين يؤكد أنهما عاشا في نفس الفترة دون أن يلتقيا، ومن المسلم به كذلك أنهما من فحول شعراء العرب، إذن هما ليسا بحاجة للاقتباس وبالتالي تنتفي شبهة السرقة مهما كانت، ويبقى الأمر توارداً للخواطر..
لكن، وبحسب  رأي د. محمد يشترط أن لا تكون فكرة سبقت الأخرى بزمن.. أي أن كل الفكرتين قد تمت بمعزل عن الأخرى، وهذا ينتفي في حالة برنامج (بيني وبينكم) الديني، إذ أننا تأكدنا بأنه يبث منذ سنوات على بعض القنوات الدينية، آخرها (قناة الرسالة)..

اختلاف المضمون
من جانبه أكد الأستاذ معز ضو البيت بالمصنفات، أن تسجيل البرامج يتم عبر عدة خطوات فيتم تقديم الفكرة واختيار الاسم، للمصنفات الفنية عبر ورق مطبوع، وكوبون ورسوم تدفع، ويخضع (البرنامج) لفترة تقييم تمتد بين يومي  إلى اسبوع، حتى يتم التأكد من عدم وجوده مسجلاً باسم شخص أو جهة أخرى، وبعد ذلك تُعطى شهادة تسجيل مصنف..
في حالة البرنامجين اللذين نحن بصددهما، حملا نفس الاسم، لكن اختلف المضمون، إذ أن برنامج قناة الرسالة برنامج ديني يثير قضايا ساخنة وجدلية ليبرز الموقف الاسلامي منها، والآخر الذي يخص تلفزيون السودان برنامج منوعات يجمع ما بين الفن والثقافة والأدب والاجتماع.. إذن اختلف المضمون، ولكن الاسم ظل كما هو.. فهل هذه سرقة..؟!
يجيب مسؤول المصنفات قائلاً: تسجيل المصنف يتم للفكرة والاسم معاً، وأي تعد تجاه الاسم أو الفكرة، يقتضي المساءلة..

لا مساءلة..!!
هذه المساءلة يقلل منها الأستاذ المخرج حامد عثمان -الذي يقوم بالاشتراك في اخراج البرنامج- ويقول: إذا أخذنا الفكرة أو الاسم من قناة سودانية مثلاً، تكون هذه المشكلة، ولكن خارج السودان، لا يمثل هذا (سرقة) للاسم، وهذا البرنامج مشاهد فضائياً، فاذا كان هنالك أية مشكلة لوصلتنا شكوى من الاخوة في قناة الرسالة، ولكن هذا لم يحدث إلى الآن..!!
لكن وفق الإدارة الجماعية للمصنفات الفنية كما يقول الأستاذ معز، فان هذه الادارة تقوم بالمقاضاة إنابة عنك إذا كنت منضماً لها، وهي تتيح لك مساءلة كل من يتعدى على حق المؤلف، وفي أي مكان..
عن اختيارهم للاسم، يقول حامد: جاءت فكرة الاسم بمبادرة من الأستاذ الطيب عبد الماجد مقدم البرنامج، ودلالة الاسم نابعة من (الونسة السودانية العادية)، ونقصد بها بين التلفزيون والمشاهدين، أو بين الطيب وضيوفه..
ويؤكد حامد أن الحيز الجغرافي المعين الذي وجد فيه البرنامج بعيداً كلياً عن مكان وجود البرنامج الآخر، وينوه إلى أنهم كانوا يعلمون بوجود برنامج قناة الرسالة، بل وأضاف: هناك برنامجاً آخر، كوميدي.. ويحمل نفس الإسم..!! ومن قبل وجدنا ان برنامج (عزيزي المشاهد) موجود بنفس الاسم في احدى الفضائيات العربية، وكما قلت، فإن ذلك خارج نطاقنا، خاصة ان فكرتي البرنامج مختلفتين..!!

إذن..
بين حُجة حامد وفرضية قانون المصنفات ومفهوم الإدارة الجماعية، يظل برنامج (بيني وبينكم) متواصلاً ويحتفي مساء اليوم بحلقته رقم (20)، وهذا يفتح الباب واسعاً للكثير من الكسالى الذين سنراهم يتسابقون لتقديم برامج أجنبية وعربية بعد سودنتها، أو على الأقل (سودنة) أسمائها، فلن نستغرب أن نرى برنامج (عوض وينفري)، أو (ساعة عواطف)، وربما نتابع أيضاً (الساعة العاشرة والربع)..
كل ذلك يبقى متاحاً في ظل هذا الفضاء المفتوح، مادام أن هناك حيزاً جغرافياً، يفصل بين هذه البرامج..!! إلى أن يشتد ساعد الادارة الجماعية، وترمي مثل هذه الاقتباسات والشبهات في مقتل..!!

 

الجـنــيه .. خيارات ما بعد الاســتـفتـاء

الخرطوم: عبدالرؤوف عوض

اكد بنك السودان المركزي عدم بدء أي مباحثات حول مستقبل العملة للجنيه بعد الاستفتاء. وقال د. صابر محمد الحسن محافظ البنك المركزي ان هذا الأمر متروك للجنة الاقتصادية المكونة من الشريكين.
وأشار د. صابر الى أن النقاش حول قضايا العملة والصيرفة بعد الاستفتاء لم يبدأ، إلا أن خبراء اقتصاديين وأكاديميين قالوا إن هنالك خيارات عديدة لمستقبل العملة بعد الاستفتاء منها الاحتفاظ بالجنيه للدولتين مع تغير القيمة لكل بلد أو البحث عن عملة لكل دولة  أو احتفاظ بلد بالجنيه والآخر يبحث عن عملة جديدة «بديلة».
ويقول أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم د. محمد الجاك ان هنالك خيارات عديدة منها احتفاظ الجنوب بالجنيه أو العكس او احتفاظ الجميع معاً بالجنيه مع تغير قيمة الجنيه، وذكر الجاك في حديثه لـ«الرأي العام» انه يمكن احتفاظ أي بلد بالجنيه وأن تبحث الأخرى عملة بديلة، مشيراً الى وجود خيار آخر يتمثل في جعل السياسات المالية المشتركة وان يكون هنالك تعاون في شكل تكامل اقتصادي بتوحيد السياسة الاقتصادية في حال حدوث الانفصال، وقال الجاك في حال اختيار الدولتين للجنيه فإن قوة العملة تعتمد على الإقتصاد في كل بلد قائلاً: لا شك  ان الشمال بالخبرة سيكون في مركز القوة خاصة وان الجنوب يحتاج الى وقت أكبر لتقوية العملة باعتبار ان دولة الجنوب سوف تكون دولة  ناشئة.
وفي السياق قال الخبير المصرفي شوقي عزمي ان قضية العملة لا تتعلق بالتسوية السياسية معرباً عن أمله بأن تكون العملة « الجنيه» موحدة ،قال إن هنالك تبايناً في أسعار الصرف في العملة الحالية  بين الشمال و الجنوب، محذراً من تداعيات الخلاف في العملة، مبيناً بأن ذلك سيؤدي الى انهيار اقتصاد الشمال و الجنوب، واعرب عن أمله ان تكون العملة موحدة في حال الانفصال أو الوحدة.
وكان د. صابر محمد الحسن قال في ندوة أخيراً أنه «حسب رأيه الشخصي» فإن هنالك  ثلاثة خيارات للعملة اختيار الجنيه للدولة الأم وأن تبحث الدولة الوليدة عملتها أو ان تكون للدولتين عملة جديدة أو الإبقاء على العملة   موحدة، إلا  انه رأى استحالة الخيار الأخير نسبة  لإختلاف السياسات النقدية بين الجانبين.

استقطاب السودانيات لتحكيم مباريات كرة القدم
نسرين مهدي

 

الخرطوم: ينشط اتحاد الخرطوم المحلي لكرة القدم لاستقطاب الفتيات من خلال دورات تدريبية مكثفة لتأهيلهن لإدارة مباريات كرة القدم مستقبلا، وذلك بعد أن استطاعت فتيات سودانيات إدارة مباريات كرة قدم بنجاح في الموسميين الماضيين.

وتعتبر نسرين مهدي من جيل الحكام الجديد التي تحمل العديد من الطموحات الرياضية إلى جانب عملها كمساعد تدريس في إحدى الجامعات السودانية. وتقول إن تشجيعها لفريق الهلال قادها إلى صافرة الحكم، مشيرة إلى أن البداية كانت بمحض الصدفة عندما شجعها سكرتير اتحاد الكرة على دخول دورة تدريبية للتحكيم.

وتضيف، حسبما أوردت صحيفة "الإتحاد" الإماراتية، أن خلفيتها الكروية وعشقها الكبير للنادي الأزرق (الهلال) وانخراطها في روابط المشجعين جعلها أقرب للوسط الرياضي رغم سيطرة الرجال عليه. وتؤكد أن التجربة مثيرة في حد ذاتها خاصة أن الجمهور لم يعتد على مشاهدة امرأة تمسك بالصافرة لتدير وقائع مباراة ساخنة. وتقول إنها بدأت كمساعد رابع مراقب يقوم بأعباء إجراء التبديلات في المباراة، ورفع لوحة الزمن بدل الضائع.

وتوضح مهدي إن أسرتها التي تهوى تشجيع كرة القدم وخاصة والدتها لعبوا دورا في إبراز شخصيتها في الملعب، وعلمتها أن النجاح يحتاج إلى إصرار. وتضيف أن الحكم مثل الموسيقار الذي يدير عدد من الآلات الموسيقية لتخرج المباراة كمقطوعة موسيقية لا مجال فيها للنشاز عندما يطبق الحكم قوانين اللعبة بشكل حاسم.

المرأة السودانية المهاجرة تؤكد دعمها للوحدة الوطنية

 

الخرطوم: أكدت المرأة السودانية المهاجرة وقوفها ودعمها للوحدة الوطنية داعية للتنسيق بين جهاز المغتربين والإتحاد العام للمرأة السودانية والسفارات لإستخراج أوراق ثبوتية لأبناء جنوب السودان بالخارج لحفظ حقوقهم في المشاركة في الإستفتاء وتقرير المصير.

وذكر موقع "سودان سفاري" أن الملتقي الثامن للمرأة السودانية المهاجرة في ختام أعماله بالعاصمة السودانية الخرطوم، أكد علي تمكين المهاجرات المقيمات في المناطق البعيدة في الدول المضيفة المشاركة في البرامج والأنشطة التي تسهم في خدمة قضايا الوطن.

وأوصي بتفعيل دور المهاجرات للإسهام في حل مشكلة دارفور من خلال تصحيح المفاهيم الخاطئة حول المشكلة لدي المجتمعات المضيفة التي تأثرت بالأكاذيب التي روجتها الدول المعادية للسودان.

وأكد الملتقي على ضرورة تبني جهاز المغتربين لقيام مشروع الصندوق القومي لدعم العودة الطوعية كوسيلة فاعلة في دعم اقتصاديات المغتربين وتشجيعهم علي الاستقرار في السودان وتمليكهم الوسائل لكسب العيش إضافة إلي متابعة الجهاز لإنفاذ قرار بنك الأسرة والذي يرمي لتوفير سلفيات مصاريف الدراسة للمعسرين من الطلاب.

السودانيون يقضون وقت القيلولة داخل الثلاجات

الخرطوم:  يتزاحم هذه الأيام أهل مدينة بورتسودان علي ساحل البحر الأحمر في السودان على أصحاب ثلاجات حفظ الفاكهة من اجل قضاء قيلولة نهار رمضان الحار هذا العام داخل الثلاجات بمقابل مادي.

 

وذكرت صحيفة "الرياض" السعودية أن الكثير من الصائمين بالمدينة يلجاون الى استغلال مخازن الفاكهة المبردة كي يتقوا شر حر أيام فصل الصيف الشديد، والذي أودى هناك بحياة 14 شخص حسب السلطات المحلية، نتيجة الاصابة بضربات الشمس التي طالت الى الان 200 شخصا منذ شهر يوليو وحتى أغسطس الجاري.

 

وقال وزير الصحة بولاية البحر الاحمر مكي خضر مكي أنه أمر بايقاف عمل عمال الشحن والتفريغ داخل ميناء بورتسودان اثناء ساعات النهار خوفاً من انتشار الضربات مع ارتفاع قياسي في درجات الحرارة. مشيرا إلى انه اتفق مع اصحاب العمل وعمال الشحن والتفريغ بالميناء على ان يكون العمل ليلا بدلا عن ساعات النهار.

 

وذكر أن الخطوة تأتي في اطار التحوطات التي تقوم بها الوزارة للحفاظ على ارواح الاهالي. واوضح ان مستشفى بورتسودان والمراكز الصحية في الاطراف استقبلت العديد من الحالات التي تم اسعافها.

 

وهرب الكثير من سكان المدينة الي مناطق اخري في السودان خوفاً من الحرارة القاتلة. وتعاني مدينة بورتسودان مع درجات الحرارة المرتفعة من انقطاعات متكررة في المياه والكهرباء رغم السدود الجديدة وبرغم محاولات استيراد الطاقة من اثيوبيا المجاورة.

حول الاستفتاء والترسيم .. الناظر مختار بابو نمر: قبيلة المسيرية ستنقرض إذا فقدت أبيي

حوار: مالك طه

قبل أن أدخل معه في تفاصيل الحوار الصحفي، سألته وأنا أتحدث معه عبر الهاتف عما اذا كان موجودا في الخرطوم أم أنه في مضارب قبيلة المسيرية؟  اجابني (الخرطوم اسوي فيها شنو..انا قاعد في المجلد) واضاف بضحكة خفيفة(انا منتظر الاستفتاء).
للمفارقة فإن الاستفتاء الذي ينتظره الناظر مختار بابو نمر احد ابرز الشخصيات في قبيلة المسيرية، هو ذات الاستفتاء الخاص بابيي التي يرفض الناظر ترسيم حدودها من ناحية الشمال وأعلن ذلك بصورة جهيرة في تفاصيل هذا الحوار.
لم يكتف الرجل بذلك بل أكد أن قرار محكمة لاهاي حول ابيي غير قابل للتنفيذ، قبل ان يصف القرار نفسه بأنه عبارة عن اتفاق بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لا يلزم المسيرية في شيء..حول هذه القضايا كان الحوار مع الناظر مختار بابو نمر.
.....
 * كيف الوضع الآن في منطقة ابيي؟.
- الآن ليس هناك مشاكل يمكن ان اذكرها لك، ناسنا ناس البادية طلعوا واتجهوا شمال المنطقة، أما المسيرية الآخرون المستقرون فهؤلاء موجودون في مناطقهم.
* أين يسكن هؤلاء المستقرون؟. هل هم داخل المدينة ام خارجها؟.
- داخل مدينة ابيي وخارجها.
* هل أكثرية المسيرية مستقرون أم الاكثرية هم الرحل في ابيي؟.
- الرحل اكثر عددا، طبعا مدينة ابيي والقرى التي حولها يسكنها المسيرية والدينكا جنبا الى جنب، اما الرحل فهم المسيرية فقط.
* كم عدد الرحل؟.
- حوالي خمسة عشرة  الفاً تقريباً، وهم يتحركون جنوباً عند الصيف وشمالاً في فصل الخريف.
* الحركة الشعبية تشتكي من أن المسيرية يقومون بعملية قتل ضد دينكا نقوك؟.
- اصلا كلام زي دا ما حصل، لكن هناك متفلتين اعتدوا على احدى المناطق شمال ابيي، وبعدها منطقة اخرى في شرق ابيي، وهذه أحداث فردية يمكن ان تقع في العادة.
* هل هؤلاء المتفلتون من قبيلتكم؟.
- نعم، ولكن أنا عاوزك تعرف إنو كما أن هناك متفلتين وسط المسيرية هناك آخرون متفلتون وسط الدينكا.. نحنا برضو كنا ضحايا لبعض الاعتداءات التي حدثت من جانب الدينكا، وكان آخرها قبل فترة ليست قليلة، اعتدى خلالها بعض الدينكا على مجموعة من المسيرية وقتلوا واحدا منا.
* ألا تستطيعون القبض على هؤلاء المتفلتين؟.
- طبعا لا نستطيع، لأنهم يتحركون في الخلا، ولا نعرف لهم مكاناً معيناً( ديل زي الاذاعة المتحركة)..ضحك ثم واصل: الحكومة ذاتها عارفة كدا.
* لكن انت رجل ادارة أهلية ولك كلمة نافذة عليهم؟.
- يا ولدي ديل ناس مسلحين، ما بنقدر نقبض عليهم، وأنا ما ممكن أرسل عمدة يدخل معاهم في مشكلة او ضرب نار.
* طيب الى متى ستستمر هذه الاعمال التي يقوم بها المتفلتون؟.
- انا من رأيي انو دينكا نقوك يجوا ويقعدوا معانا ونعمل ورشة او اجتماع، عشان نصل لي  حل للمشكلة دي، وبعدين انا مستعد  ادفع دية القتلى من الدينكا، حتى ولو لم أعرف القاتل.
* هناك شكوى متكررة من حمل المسيرية للسلاح في ابيي..لماذا تفعلون ذلك؟ ، هل تشعرون بالخطر؟.
- نحن لا نحمل السلاح في مدينة أبيي وما حولها، اي أحاديث تروج بخلاف ذلك هي أحاديث غير صحيحة، ليس هناك مسيري واحد في أبيي وحولها يحمل السلاح، نحن لا نمارس سياسة حشد القوات.
* الآن اصبحت أبيي على مشارف الاستفتاء، وأصبح قرار محكمة لاهاي واجب النفاذ بشأن حدود أبيي، البعض يرمي باللوم عليكم في تعقيد الوضع، لأنكم          تعهدتم بالالتزام بقرار المحكمة ثم تراجعتم بعد صدور الحكم؟.
-  نحن لم نقل اننا ملتزمون بقرار المحكمة.
* هل تعني ان حكم المحكمة لن يجد طريقه للنفاذ؟.
أجاب باقتضاب:
- القرار دا نحن ما قبلانين ننفذو، ولو الحكومة عاوزة تنفذو خليها التجي تنفذو.
* حديثك فيه صيغة تهديد للحكومة؟.
ضحك:
- الحكومة ما بهددوها.. أبوك أكان عاوز يعمل حاجة وانت ما قبلانها بتقول ليهو خلاص يا ابوي الحاجة الانت دايرها أعملها، لكن ما في زول بهدد الحكومة.
* يعني لن تعترضوا الحكومة اذا ارادت تنفيذ القرار؟.
- القرار دا غير قابل للتنفيذ من اصلو..قبل فترة حضر الينا أمبيكي، وسألني عن رأيي في الموضوع!. قلت ليهو نحن ما عاجبنا الحاجة الحصلت دي، واقترحت عليهو يكون هو الوسيط بيننا وبين دينكا نقوك، كل قبيلة فينا تجيب حجتها وتجيب أجاويدها، والحاجة البتفقوا عليها الاجاويد، نحنا نمشي بيها.
* أمبيكي كان ردو شنو على المقترح؟.
- قال ما عندو مانع، وفعلا مشى لى ناس دينكا نقوك وطرح عليهم الفكرة القلناها ليهو، لكنهم رفضوا..وحسب ما عرفت إنو أمبيكي قال ليهم انتو عاوزين الارض لكن ما عاوزين حل.
* لكنكم ذهبتم الى لاهاي وشاركتم في جلسات المحكمة جنباً الى جنب مع الوفد الحكومي، فكيف ترفضون حكم المحكمة؟.
- (يا اخوي الحكومة زحتنا بعيد، نحن أصحاب أرض، نعم، لكن مشينا وجينا زي الديك المدلدل.. الديك المدلدل ما بعرف ماشي وين وجايي من وين، نحنا كنا زيو بالضبط).
* الحكومة لم تبعدكم عن الملف، على العكس كانت تدافع عنكم، ورفضت تقرير الخبراء، وتبنت قضيتكم وذهبت بها حتى لاهاي؟.
- انا  كقبيلة عاوز الحكومة تشاورني في الحل، مش تتفق مع الحركة الشعبية، ويبقى علينا التنفيذ بس.
* اتفقت مع الحركة على ماذا؟.
- الوضع الذي انتهت اليه ابيي الآن ليس حكم محكمة، ولكنه اتفاق بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، انا عندي تمانية وعشرين من اعيان وعمد المسيرية، هؤلاء شهود على حديث رياك مشار  الذي قال فيه ان الوضع الحالي لابيي هو نتاج لاتفاق وليس حكم محكمة.
* متى قال مشار ذلك؟.
- عندما ذهبنا الى جوبا لمقابلة قيادات الحركة الشعبية حول أبيي، قال لنا  مشار انهم سيرجعون هجليج الى داخل حدود أبيي، قلت له إذن أنت ترفض حكم محكمة لاهاي، فقال لنا: إن محكمة لاهاي لم تستطع ان تهتدي الى حكم  معين في القضية فرأت ان تعتمد خارطة  مؤقتة اتفق عليها المؤتمر الوطني والحركة الشعبية قبل الذهاب الى المحكمة..وقد ابلغنا بدورنا نائب الرئيس علي عثمان بفحوى كلام مشار وقلنا له نحن برفضنا لوضعية ابيي الآن لا نرفض حكم المحكمة وإنما نرفض اتفاقاً بين الوطني والشعبية.
* هل كان سلفاكير حاضراً عندما تحدث مشار؟.
- نعم، الاجتماع اصلاً كان برئاسة سلفاكير..وطلب مشار فرصة للحديث وقال الكلام القلتو ليك.
* ما هو رأي سلفاكير؟.
- سلفاكير قال حقو الدينكا والمسيرية يقعدوا مع بعض، والحاجة البتفقوا عليها أنا معاهم فيها.
* وهل جلستم أنتم والدينكا؟.
- نعم جلسنا، وفي الحقيقة نحن المشينا ليهم، ولم نتفق على شيء.
* يبدو أن الافق مسدود أمام الحل؟.
- أنا اقول إن الحل بيد دينكا نقوك، لو عاوزين البلد تستقر فهذا في يدهم، ولو عاوزنها تخرب ففي يدهم ايضا..ابيي تسعنا نحن والدينكا وتفيض، لكن نحن ما عاوزينهم  يتعاملوا معانا على طريقة المثل البقول: (جدادة الخلا الطردت جدادة البيت).
* أين ذهب تاريخ التعايش السلمي بينكم وبين الدينكا؟.
- أنا أريد ان اقول لك إنه طوال الحرب بين الشمال والجنوب التي امتدت لأكثر من عشرين سنة ودخلت في كل بيت، لم نسمح لطلقة واحدة ان تنطلق داخل ابيي، كنا محافظين على التعايش طوال هذه الفترة، ولكن الآن لو الزول بقى لينا في رقبتنا، رقبتنا ما بنديها.
* هل صحيح انكم منعتم اللجنة الحكومية من ترسيم حدود ابيي الشمالية؟.
- نعم، منعناها.
* لماذا؟.
- هذا ترابنا وأرضنا.
* يبدو انكم تتحفزون للحرب؟.
- عندما عقدنا مؤتمر (الستيب) الشهير عقب قرار محكمة لاهاي، حضر المؤتمر حوالي ثلاثة آلاف من العرب الرحل، وهتفوا ضد قرار المحكمة، نحن ايدناهم وقلنا لهم اننا نرفض القرار، وكذلك نرفض الحرب..ولكننا اذا اضطررنا اليها فهذا شيء ثاني، والمضطر يركب الصعب.
* ألا تخشى من حدوث مشكلة مع الحكومة عندما تمنعون اللجنة من الترسيم؟.
- لن تحدث مشكلة..ولو حصلت مشكلة أحسن تكون مع الحكومة مش مع دينكا نقوك.
* لماذا؟.
- أحسن تداوس الزول غادي، ما تداوس أخوك.
* في اي وقت يمكن ان تسمحوا بترسيم الحدود الشمالية لابيي؟.
- لن يتم ترسيم الحدود الشمالية لابيي.
* يقال ان المسيرية مختلفون حول قرار لاهاي؟.
- ابداً ما مختلفين، الزول القال ليك الكلام دا ما مسيري.
* ما شرط يكون مسيرياً؟.
- خلاص دا زول ما عارف حاجة..المسيرية متفقون على ألا يتم ترسيم الحدود الشمالية..مش كدا بس حتى المسيرية داخل الجيش الشعبي القاعدين في جوبا لو عرفوا انو الحدود الشمالية مشت للدينكا فسيأتون الينا ويقفون معنا.
* لماذا تتمسكون بقطعة أرض، إذا كان ثمنها احتمال قيام الحرب؟.
- يا ولدي قطعة الأرض دي وحدها البتمسك بهايمنا من الجوع، نحن عندنا خمسة ملايين بقرة دا غير الغنم وخلافه، هذه ستموت اذا فقدنا ارضنا واعطيناها للغير، واذا فقدنا بهائمنا فليس لنا حل إلاّ أن نأتي للخرطوم(ونشتغل غسيل عربات، ومسح اورنيش، لكن ما بنشتغل شحادين عشان ما بنعرف)..لذلك أقول لك انو الحدود الشمالية إذا ذهبت لابيي ستنقرض المسيرية عن بكرة أبيها.
* اذا انفصل الجنوب، هل ستفقدون فرصتكم في الرعي جنوبا؟.
- نحنا كنا بنمشي بي بهايمنا والجنوب مولع نار وفيه حرب..الآن لو انفصل الجنوب فسيكون دولة وبنمشي ليها بي بهايمنا عادي لأنو الحرب انتهت، وحايكون عندنا دولة تحمينا.
* هل يمكن ان تتفقوا مع الحركة الشعبية ضد الشمال؟.
- هذا لن يحدث إلاَّ في حالة واحدة.
* ما هي؟.
- إنو كل المسيرية بي حدودهم الجغرافية يتبعون للجنوب..طبعاً انت عارف انو حدودنا تنتهي في منطقة الإضية.
* هل هذه الحالة مستبعدة؟.
- المهم إنو الحكومة  لو ما عاوزة تقيف معانا وقنعانة مننا حقو تعرف إنو الحركة الشعبية عاوزانا.
* لكن الحكومة واقفة معاكم، حتى ولو لم يظهر ذلك بصورة واضحة؟.
- أنا عاوز الحكومة تقيف معانا في الظاهر والباطن، وترفض قرار لاهاي.
* صلاح قوش قال إن قرار المحكمة لم يعالج قضية ابيي؟.
- نعم، وعشان كدا أنا مبسوط منو، لأنو قال الكلام الما في زول بقدر يقولوا..
* هل أنتم في غنى عن التعايش مع دينكا نقوك وترغبون فقط في أن تعود اليكم الحدود الشمالية؟.
- نحن نريد السلام والتعايش مع الدينكا، لكن ما عاوزين يكون التعايش على حساب حقنا.

اسرائيل في الجنوب..لحظة الصفر

أم زين آدم

(لن نكون ملكيين أكثر من الملك)
بهذه العبارة خط ازكيل لول جاتكوث - القيادي بالحركة الشعبية  ورئيس بعثة حكومة جنوب السودان بواشنطون - رسماً لصورة العلاقة المرتقبة بين الجنوب واسرائيل حال ترجيح كفة الاستفتاء المستحق للجنوبيين لخيار الانفصال في يناير المقبل وقيام دولة الجنوب المستقلة.             
جاتكوث  في حديثه غير الموارب  ذاك والذي  أطلقه من واشنطون  قال فيه:  ان الحركة( الحزب الحاكم في الجنوب) ستقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، ودافع عن تلك الخطوة التي ستحذوها الدولة الناشئة بأنها أسوة ببعض الدول العربية التي تقيم علاقات مع اسرائيل.لذا لا تتحرج الحركة من هكذا علاقة ما دام المعنيون بالامر (العرب) سبقوها في التطبيع مع اسرائيل.  
.....
والحديث عن اسرائيل ليس ممنوعا لدى قادة الحركة وان لم يكن بهذا الوضوح الذي تحدث به جاتكوث،  ولكن المكتب السياسي بالحركة وهو الذي يضم قيادات الحركة ومفكريها وأصحاب الكلمة فيها  لم يصدر اية اشارات بالرفض او القبول لهكذا حديث او يحدد موقفاً معيناً يمثل الرأي الرسمي للحركة الشعبية.
 واسرائيل المعنية بتلك العلاقة مهتمة بأمر جنوب السودان منذ أمد طويل ضمن استراتيجيتها الشاملة في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا،  وكشف نافذون اسرائيليون عن تلك الاستراتيجية في أكثر من منبر،  وصدر أكثر من مؤلف ومحاضرة تتحدث عنها،  وذكر ضابط الموساد السابق موشي فوجي في كتابه (اسرائيل والحركة الشعبية لتحرير السودان) ان اسرائيل انتشرت في قلب افريقيا منذ منتصف الخمسينيات في القرن الماضي والى منتصف السبعينيات وتمكنت من اقامة علاقات مع (32) دولة افريقية لكي تحيط بالسودان وتخترق جنوبه، وذلك تنفيذاً لسياسة بن غوريون التي اسماها (شد الأطراف والبتر ) وهي في نجاحها ارتكزت إلى دعم الاقليات في الدول المستهدفة ضد المركز  وجذبها خارج الدولة الام ،وتقر اسرائيل بأن علاقاتها  مع  الحركة الشعبية بدأت باتصالات القنصلية الاسرائيلية بالعاصمة الاثيوبية اديس ابابا بقادة الحركة في شكل مساعدات انسانية لم تتعد توفير الأدوية  والمواد الغذائية والاطباء.
ومنذ ذلك التاريخ والى توقيع اتفاقية السلام الشامل تشير مصادر الى ان الحركة  تحصلت على مساعدات من اسرائيل بلغت (500) مليون دولار،  كما ينسب لوزير  الامن الداخلي السابق آفي ديختر في محاضرة القاها قبل عامين حول أسباب اهتمام اسرائيل بجنوب السودان  انها ترمي من وراء ذلك الى اضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه وانها تشجع الانفصال حتى لا يكون السودان دولة قوية وموحدة رغم انها تعج بالطائفية والتعددية العرقية. وذلك لتعزيز دور اسرائيل في المنطقة وحفظها لأمنها القومي.  وأشارت مصادر الى ان دور اسرائيل لن ينتهي باعلان انفصال الجنوب ولكن اسرائيل مهتمة بتدريب الجيش الشعبي وتحويله  الى جيش قوي له تأثير مباشر على الاحداث في قلب الخرطوم متى ما ارتأت ذلك.
واشار د.آدم محمد أحمد - استاذ العلوم السياسية بجامعة الازهري في دراسة اعدها حول علاقة اسرائيل بقضية جنوب السودان: الى  ان اسرائيل تتبع ذات الاستراتيجية الامريكية، والتي يرى مراقبون انها تسير في خط دعم انفصال الجنوب  من الشمال الاسلامي الداعم للارهاب والذي تبقيه واشنطون الي اليوم في قائمة الدول الداعمة للارهاب .
بجانب ان اسرائيل تحركها اهداف خاصة في المنطقة أهمها مياه النيل وهو واحد من الأهداف الاستراتيجية التي تسعى بشتى السبل و الوسائل لادراكها..  بالاضافة الى البترول والمنتجات الزراعية   وعبر تمتين علاقتها مع الجنوب تهدف اسرائيل الى انهاك السودان واضعافه لدعمه للقضية الفلسطينية  اي العين بالعين.
إلاّ أن الكاتب والمحلل السياسي جون ليمي في حديثه لـ (الرأي العام)اشار الى ان تصريحات جاتكوث ليست إلاّ كرت ضغط يشهره في وجه الخرطوم لاحراز نقاط تحسب للحركة فيما تبقى من قضايا .وفي اطار العلاقات الكلية لاسرائيل بالجنوب  نفى ليمي  ان تكون قوية،  وقال انها منذ أيام الانيانيا وجوزيف لاقو  كانت في حدود ضيقة وكل ما قدمته أنها قامت بتدريب عدد من العساكر  واشترطت على جوزيف لاقو - حسب حديث ليمي- بأنها ستبذل مزيداً من المساعدة مقابل ان تطلق يدها في منطقة أبيي لمدة عشر سنوات لاستغلال الموارد المتوافرة بها ومن ثم تركها للجنوبيين، إلاّ ان لاقو رفض بحسبانه شرطاً غير مقبول فقطعت اسرائيل علاقتها به. . واضاف ليمي: وعلى أيام قرنق عادت اسرائيل  وعرضت مساعدتها له مقابل ان تقوم احدى شركات المياه الاسرائيلية في الاستثمار في منطقة شامي (السدود)إلاّ ان المشروع لم ير النور لاسباب لم يتم الكشف عنها.              
 اما بالنسبة للفريق سلفاكير فقد قال ليمي انه على المستوى الشخصي او كقائد للجنوب ليست لديه علاقات مع اسرائيل.  وأشار ليمي الى ان شعب الجنوب لا تربطه اية عاطفة مع اسرائيل بدليل ان قلة منهم وبعد ان تقطعت بهم السبل لجأوا اليها بينما تدفق عليها طالبو اللجوء السياسي من  الدارفوريين.
سواء صدق جاتكوث في حديثه أو كان بقصد ابتزاز الشمال، فإن جنوب السودان اذا صار دولة مستقلة فإن بامكانه وحده ان يحدد العلاقة مع اسرائيل او اللا علاقة.

الإفطار على ماء ساخن : رمضان في المعتقلات السياسية

فتح الرحمن شبارقة

ظهيرة الخميس الماضي، وفيما كُنت أنتظر الإجابة على سؤال طرحته «الرأي العام» عن كيفية صيامهم على أيام المعتقلات السياسية؟، باغتني الأستاذ محمد ابراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعى بأن وضع عقب سؤالي ذاك، سؤالاً آخر إنطوى على قدرٍ عالٍ من الإستغراب لما ظنه الرجل المتردد على السجون السياسية، بديهياً. فقال ضاحكاً: «معقولة  بتسألني كدا إنت أصلاً ما دخلت سجن»؟!.. ولما كانت إجابتي بـ (لا) مضافاً إليها الحمد لله. زاد نقد وهو لا يزال يحافظ على ضحكته تلك، وعلى ذكريات صومه في المعتقلات: «ما عيب عليك ياخي، دي أهم حاجة في السودان»!!
إستغراب نقد من عدم دخولي السجن، ربما كان مرده، إلى جانب وعيه بميدان السياسة الزلق الذي تعمل فيه الصحافة، تعميمه لتجربتهم كسياسيين كثيراً ما دفعتهم تقلبات السياسة في البلاد، لمعتقلات سيئة السمعة كاد يدخلها كل الفاعلين في المسرح السياسي، أو دخلوها بالفعل في حقب سياسية مختلفة. ومع كل حقبة جديدة، يحدث ما يشبه تبادل الأدوار حيث يتحول المعتقلون من الحبس، إلى القصر ليمارسوا تلك الهواية غير المحببة في وضع مخالفيهم وراء القضبان، ووراء الشمس أحياناً.
                                           معتقلات عبود
وعوداً لإجابة نقد عن السؤال أعلاه، فقد آثر أن يعود بذاكرته خمسين عاماً للوراء تحديداً الى عامي1960  و1961م، وقتها، كان وعبد الخالق محجوب والتيجاني الطيب وقيادات شيوعية أخرى يرزحون داخل سجن كوبر إبان نظام الفريق إبراهيم عبود الذي لم يدر بخلد أكثر السياسيين تشاؤماً حينها، بأن سجونه ستكون أرحم من تلك التي عرفها الناس فيما بعد.
يتحدث نقد عن صورة طبيعية للسجن في رمضان بسجن كوبر في ذلك الوقت، فقد كان هناك قسم خاص بالمعتقلين السياسيين لا علاقة له بالمدانين في جرائم أخرى، وكان عدد المعتقلين السياسيين محدوداً ويوجدون في مكان محدود كذلك. «لا توجد حركة كثيرة».. يقول نُقد. ويقول أيضاً: إن كل السياسيين تقريباً صاموا رمضان في السجون. ويتذكر فطور رمضان بسجن كوبر مطلع الستينيات فقد كان جيدًا.
ورغم أن السجن في الغالب لا يسر مهما كانت درجة فندقية الخدمات التي تُقدم فيه، إلاَّ أن حديث نقد عن سجن كوبر في رمضان ستينيات القرن الماضي يشير  إلى أنه كان الأقل سوءاً فيما بعد.. فقد كانوا بإمكانهم أن يقضوا نهار رمضان في القراءة والنوم ولعب الطاولة، أما في المساء فإن هناك - إلى جانب الصلاة وسماع الإذاعات - الكثير من الأنشطة الثقافية الأخرى التي تقصر ليل السجن الطويل.
كان هذا في عهد عبود، أما عن السجون في عهد نميرى التي يراها معارضو الإنقاذ أنها أخف وطأة من سجونها، فقد إلتقيت بأحد المعتقلين السياسيين في الفترة من سبتمبر 1975 وحتى يوليو1977م، قضي وزير الدولة الحالي برئاسة الجمهورية المعتقل السياسي وقتها د.أمين حسن عمر تلك الفترة بين سجني كوبر ودبك وكان معه الكثيرون من الإسلاميين الذين تسنموا مواقع قيادية في الدولة من قبيل الزبير أحمد الحسن ويحيى حسين بابكر وبابكر حنين وآخرون.
                                         مسرحيات في السجن
يصف د. أمين أيام صيامهم في سجن كوبر بالبائسة، فقد كان غير مسموح بأن يأتي الأكل من الخارج نهائياً، وكانوا مقسمين على زنازين وعنابر مع أشخاص محكوم عليهم بالإعدام فحدثت معهم الكثير من القصص والطرائف وربما الصداقات. لكن الوضع في سجن دبك كان مختلفاً.
فـ «دبك» في الأساس، هو أقرب إلى المعسكر من السجن، فهو مفتوح على بعضه البعض وفيه مساحة من حرية الحركة داخله فقد كان الناس يلتقون فيه ويأتيهم الأكل من الخارج. أما برنامج رمضان داخل السجن حسب رواية أمين، فمثل أي برنامج خارجه ملئ بالدراسات وحفظ القرآن ودراسة اللغات وملئ كذلك  بالسهرات والمسرحيات.
 ومن الغريب حقاً أن أمين ودفعته من المعتقلين كانوا يمثلون مسرحية فيها نقد لاذع لنظام مايو ورئيسه شخصياً داخل السجن كان اسمها «السلطان جهلول.. سلطان بني شنقول»، ومبعث الغرابة ليس في تمثيل مثل تلك المسرحية داخل سجن حكومي فحسب، وإنما في تمثيلها على مرأى من ضباط السجن الذين كانوا يتابعون بعض فصولها من بعيد وهم يتقاسمون ضحكات صاخبة مع مسجونيهم.
وفي تلك الفترة غير المضيئة من حقبة مايو، وعلى وجه الدقة في شهر رمضان الذي وافق سبتمبر من العام 1976م، كانت هناك مجموعة مع المعتقلين السياسيين يقبعون في أحد الأماكن بسلاح المهندسين. وحتى (13) رمضان، ظل كل من سعد بحر وعلي محمود حسنين وعبد الرسول النور وحسن حضرة والشهيد د. عبد الله ميرغني وآخرين يصومون رمضان ويفطرون فطوراً محترماً  حسب وصف أحدهم له. فقد كان يُعد بصورة جيدة في بيوت المعتقلين السياسيين ويؤتى به إلى سلاح المهندسين وهو بعد ساخن. 
                                   جراية كوبر
استمر ذلك الوضع حتى عصر الثالث عشر من رمضان ذلك العام، حيث أُبلِغوا بالأحكام ورُحِلوا إلى سجن كوبر على وجه السرعة، فأصبح إفطارهم من (14) رمضان على هذا النحو: ماء ساخن من الماسورة زائداً «الجراية»، و«الجراية» لمن لم يدخلوا السجن، هي عبارة عن قراصة سيئة الصنع يقوم بصناعتها - حسب المعتقل وقتها عبد الرسول النور- إما المساجين أو المجانين من دقيق «الفيتريتة». والفيتريتة كما هو معلوم نوع من الذرة تُحبه البهائم جداً.
في غضون ذلك كان في كوبر معتقلون سياسيون آخرون منهم الراحل الحاج مضوي محمد أحمد والبروفيسور أبراهيم أحمد عمر وشاعر الإتحاديين الزين الجريفاوي الذي كتب في حب الوطن وإتحادييه قصائد ناصعات، ولكنه تواضع في السجن كثيراً للكتابة عن الجراية التي كان يكرهها كما السجن جداً. فصب فيها جام غضبه وشاعريته.
                                ثمن باهظ
عبد الرسول النور، من قيادات حزب الأمة الذين دفعوا ثمن مواقفهم السياسية باهظاً فقد حُكم عليه بالإعدام مرتين في مايو والإنقاذ، وبالطبع لم يُنفذ أي منهما فقد قال لـ «الرأي العام» أمس الأول إنه صام في عهد مايو والإنقاذ عدة «رمضانات» في المعتقلات والسجون السياسية في كوبر وكسلا والأبيض، ونوه إلى أن معاملة المعتقلين متقلبة من نظام لآخر، بل حتى داخل النظام الواحد، ففي عهد الإنقاذ مثلاً كانت هناك المعاملة الخاصة للمعتقلين السياسيين في سجن كوبر حيث يتم فصلهم عن بقية المساجين ويعطونهم سرائر وأكلاً جيداً، ولكن سرعان ما تغيرت تلك المعاملة إلى أخرى بعد خروج المعتقلين الكبار من كوبر.
يرى النور أن حال المعتقلات في مايو بإستثناء فترة (76)  أفضل مما هي عليه في يونيو، وهو الأمر الذي نفاه لـ «الرأي العام» مسؤولون فضلوا حجب أسمائهم بحجة أنهم غير مفوضين بالحديث. فقد أشاروا إلى كفالة حرية المعتقلين داخل المعتقل، ووصفوا أوضاعهم بأنها ممتازة مع وضعهم في أماكن خاصة بعيداً عن المسجونين لأسباب غير سياسية.
ويتذكر النور جيداً نوعية الأكل الذي كانوا يحضرونه لهم في رمضان بالمعتقل، القاسم المشترك بين صيامهم في المعتقل كان ذلك الماء الذي يؤتى به من الماسورة في «جك» قديم ومعه أحياناً جراية عليها ملاح أقسم عبدالرسول أنه لم يعرف اسمه حتى الآن، فقط يتذكر أنه لا لون ولا طعم ولا رائحة له. وأحياناً يعطونهم شاياً ولكن يصبونه في صحن الملاح دون أن يُغسل بالطبع.. هذا على أيام مايو، أما في أيام الإنقاذ فإنهم يحضرون لهم من (3- 4) تمرات مع « جك» يُملأ بماء حار وفول في الفطور، أما عشاء رمضان فهو دائماً يكون بملاح فاصوليا على ذمة النور.
                        الكبار في الإعتقال
السياسيون في السودان، وعلى إختلاف خلفياتهم السياسية تذوقوا ويلات السجن وطعامه في رمضان، بإستثناء مولانا محمد عثمان الميرغني فيما يبدو، فلم يصادف إعتقاله في أشهر الإنقاذ الستة الأولى إلى جانب الترابي والصادق المهدي ونقد، رمضاناً. أما فيما عداه فقد كانت أوضاع هؤلاء الكبار داخل سجن كوبر جيدة لأسباب قد لا تكون قناعة بأن تلك المعاملة التي يستحقون بقدرما كانت لها علاقة بوجود عراب إنقلاب الإنقاذ د. حسن الترابي معهم، ولما كان من غير الممكن تمييز الترابي - وهو الذي دخل إلى السجن لأغراض التمويه-  بوضع خاص، فقد عُمِمِت المعاملة الحسنة على الجميع ممن إنطبقت عليهم المقولة الشعبية الرائجة «بي جاه الملوك نلوك».
تبدلت أحوال المعتقلين السياسيين فيما بعد حسب إفادات الكثيرين منهم ممن تمنوا سجن كوبر - على علاته - بعد أن وجدوا بما كان يُعرف ببيوت الأشباح، ما كان فوق طاقتهم على الإحتمال. فقد ذكر عبد الرسول النور أن الضنك بلغ به واللواء فضل الله برمة ناصر والراحل د. عبد النبي علي أحمد منتهاه في رمضان العام 1993م فقد كان ثلاثتهم في أحد المعتقلات على مقربة من «سيتي بانك» مكون من (17) زنزانة مليئة عن آخرها بالمعتقلين ممن كانوا يشكون من سوء الأكل والمعاملة في رمضان إلى جانب الحر الشديد.
                            مهما يكن من أمر
مما سبق يُمكن القول إن المعتقلات السياسية في البلاد، ورغم ما بها من تجاوزات عصية على الإنكار أحياناً، فإنها لا ترقى  إلى مقارنتها بسوء المعتقلات في المنطقة العربية التي تعرف في إهانة معتقليها خطوطاً حمراء. وفي المقابل، من الصعب إيجاد مقاربة بينها والمعتقلات في الغرب حيث تُكفل الحقوق كافة، فالأوضاع هنا تحكمها إلى جانب القوانين، درجة الإحتقان السياسي التي تجعل المعتقلين من أصحاب الوزن السياسي الثقيل، يفطرون في رمضان بجراية عليها ملاح بمكونات مجهولة حتى الآن، ثم يشربون ماءً ساخناً.. انها معاناة قاسية ولكنها تذكر بمعاناة الفقراء في بلادنا ممن يتناولون في رمضان إفطاراً شبيهاً بالذي يتناوله المُعتقلون على أيام حبسهم، رغم أنهم خارج السجن.

في الشهر الفضيل: البحث عن صينية الشارع

الخرطوم:

من جماليات الشعب السوداني  في رمضان خروج صينية «المويات» الى الشارع العام وسط لمة الأهل والجيران يتقاسمون لقمة الإفطار مع بعضهم البعض رغم اختلاف مستوياتهم المعيشية  مع دوة المارين أو «عابري السبيل» وتبرز هذه العادة الأخلاق السودانية السمحة خاصة في القرى والارياف.
«الرأي العام» تجولت لتتعرف هل بقيت أم كادت تندثر خاصة في العاصمة المثلثة.. وكانت هذه الحصيلة:
يقول نزار أحمد الدومة: غياب الصينية عن الشارع العام بسبب مشاغل الناس وعدم مواصلة الجيران مع بعضهم البعض، فالجار أصبح الآن  غير مستقر ففي كل يوم جار جديد.
ويضيف محمد لطفي: أنا أحب الإفطار في الشارع لأني اتعرف على الناس أكثر رغم أنني في رمضان أفطر فقط أول أيامه في المنزل أما باقي الأيام فأزور أهلي وأصدقائي بذلك لا أجد فرصة للإفطار في الشارع العام.
أما فخري إدريس فيقول: أنا واخواني نخرج بصينية الفطور ومعنا بعض الجيران أيضاً فتصبح صينية الإفطار متنوعة، أدعو جميع السودانيين لإحياء هذه العادة مرة اخرى.
 رغم أنها ما زالت موجودة في الريف وإن قلّت بعض الشىء او اختفت في العاصمة بسبب ظروف الناس ومشاغل الحياة.
ويقول الحاج سعد يوسف: نحن في زمنا  نخرج يومياً الإفطار في الشارع ومعنا الجيران، ونواصل الجلوس في الشارع حتى آخر الليل ونتعرف على أخبار بعضنا البعض، أما في الزمن الحالي، فأصبح هناك جفاء بين الناس، فلا ترى «الصواني» تخرج من البيوت إلا قليلا.
أما محمد احمد فيقول: لا أحب الخروج الى الشارع لأنه مرهق بالنسبة لي من حيث إخراج أواني الإفطار وإدخالها الى المنزل مرة اخرى.
ولذلك أصبحت صينية رمضان التي يخرج بها الى الشارع العام اندثرت بسبب الماديات  والضغوط التي تحيط بالناس، وقد تكاد تكون معدومة في الأحياء الراقية أما في الأحياء الشعبية فهي موجودة.

التغيرات التي لحقت بالكتابة الروائية

عيسى الحلو

الرواية في العالم  اليوم تمر بتحولات جمالية هائلة، حيث أخذت هذه التحولات في تغيير طرائق كتابة الرواية بناء على الإنحراف الكبير الذي اعترى المفهوم الفلسفي النظري والذي مثل الأطار الشكلاني للرواية طوال العصور الروائية الأوروبية السابقة، وذلك حتى بداية القرن التاسع عشر الميلادي. «بلزاك وديكنز والأخوات برونتي».
لقد بدأت حداثة الرواية مع كافكا وبروخ وموزيل. وهو العصر الذي شهد كوارث الحرب الثانية. ووقتذاك وقفت أوروبا أمام نفسها وجهاً لوجه، وبسبب اندحارها الحضاري آنذاك أخذت تراجع أرثها الفكري والفلسفي مما أدى فيما بعد لبلوغ هدفها في امتلاك تكنولوجيا الالكترون.. فجاء عصرها الجديد «ما بعد الحداثة» كنتيجة لهذا الانقلاب التكنولوجي أسست ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وهو عبارة عن منظومة كاملة لسياسات اقتصادية وسياسية تتحكم في إدارة العالم من أقصاه لأدناه. وبذا تغيرت بنية العالم الثقافية والحضارية بكاملها. مما أدى  لتغيير إنسان العصر لموقفه إزاء العالم، حيث انقلبت كل موازين الحياة القديمة، ومن ثم شمل هذا التغيير الكتابة الروائية، فأصبحت رواية ما بعد الحداثة تنطلق من نقطة تأريخية أخرى، إذ تجاوزت الرواية الحديثة التي تأسست عند كافكا وموزيل وبروخ.
وإذا كانت «رواية الحداثة» قد تأثرت وتشكلت مضامينها بناء على الفلسفة الوجودية عند هوسرل وهيدجر وسارتر، فإن هذا التأثير بدوره قد أنسحب على رواية ما بعد الحداثة.
مما أدى «مرة ثانية» أن تقوم هذه المضامين المعبرة عن الأفكار الوجودية الأساسية لأن تقوم باختراع اشكال روائية جمالية جديدة بسبب تأثيرات هذه الفلسفة.
*رواية «الكائن الذي لا يحتمل خفته»:
* هذه الرواية تعتبر من أهم أعمال الروائي التشيكي «ميلان كونديرا» والذي يعتبر تلميذاً لتيار الحداثة الروائي الأوروبي «كافكا وموزيل وبروخ». إلاَّ أن الاضافة الروائية الحقيقية التي قدمها كونديرا للرواية الأوروبية «ما بعد الحداثة» هي أنه  اجترح عدداً من الاختراعات التقنية التي تعتبر أهم الأضافات السردية التي شكلت رواية «ما بعد الحداثة».
أخذ كونديرا عن أساتذته، بروخ وموزيل وكافكا وغو مبرو فتش تقنية بناء الشخصية. إذ أن الشخصية هي كائن خيالي. يرصد الروائي هذا الكائن من خلال صفاته الداخلية حيث لا يأتي على ذكر أية صفة خارجية.. تماماً كما كانت تفعل الرواية في بداياتها عند سيرفانتس في رواية «دون كيخوته» وبذا تتجاوز رواية ما بعد الحداثة هنا.. ما يسمى بالايهام حينما يخلط الروائي بين الخيالي والواقعي لكي يقنع السرد الروائي القارئ بهذا العالم المسرود. وهذا ما يفعله كونديرا في روايته «كائن لا  يحتمل (خفته). فبطلة الرواية «تريزا» لا نرى لها صفات.. خارجية.. ولكننا نراها من الداخل.. نرى ما فيها.. طفولتها وقسوة الأم على الطفلة «تريزا» وكيف ان تريزا هي امتداد لسيرة أمها. أما زوجها «توماس» فإن الرواية لا تأتي بأي معلومات عن ماضيه. ولهذا يقول كونديرا في حديثه عن رواياته: «ان جوهر  اشكالية الشخصية الروائية هي اشكالية وجودية. ان جهل شخصية ما «حية» يعني المضي حتى النهاية في اشكاليتها الوجودية. وهذا يعني المضي حتى النهاية في بعض المواقف وبعض الدوافع، بل وبعض الكلمات التي يؤخذ بها ولا شئ أكثر من ذلك «كتاب فن الرواية- كونديرا».
* ليس بناء الشخصية من خلال اشكاليتها الوجودية هو الأضافة الوحيدة التي أضافتها رواية ما بعد الحداثة عند كونديرا، بل أنه لا يتورع بأن يدخل آراءه الشخصية داخل النص الروائي بل هو يأتي ببعض الكلمات ويعمل على تحليل المعاني الممكنة لهذه الكلمات ويدخل هذه المعاني كأفكار قائمة بذاتها داخل النص الروائي ويجتهد في تفعيلها سردياً وبنائياً داخل النص. وبذا تصبح الرواية «رواية ما بعد الحداثة» هي رواية الممكن والمحتمل وليست رواية الأحداث والوقائع التي وقعت  بالفعل.. ويقول وكونديرا في هذا الصدد «أن جريمة راسكو لينكوف في رواية «الجريمة والعقاب» لدوستفسكي هي حادثة لم تقع أبداً. وهي مجرد اختلاق.  فالرواية إذاً لا تفحص الواقع بل هي تكشف الوجود.. والوجود هو ليس ما جرى «كما يقول كونديرا».
*في رواية «كائن لا يحتمل خفته» يصنع كونديرا مخططاً روائياً ما بعد الحداثوي.
حيث يسرد النص حكاية شخصية ما، من حيث ارتباط حياة هذه الشخصية بحيوات شخصية أخرى. ومن ثم يتعرض النص هنا لحياة هذه الشخصية الأخرى فتتماسك الحياتان مكونتين درامية النص. ثم تأتي شخصيتان أخريتين لا تمتان للشخصيتين السابقتين بصلة ما. ومن ثم تصبح هذه الحكاية الجديدة هي حكاية لا صلة لها بتلك التي بدأت مع بداية الرواية. وكل ما هناك فإن هذه الحكاية التي تبدو مفصولة ظاهرياً عن بداية النص.. هي استطراد للثيمة التي تسعى الحكاية الأولى لسردها.. وبذا يكون النص بحكايتيه هو وحدة كلية تعالج الفكرة الرئيسية «الثيمة» من زاويتين مختلفتين ومن خلال نصين يكملان بعضهما. وهكذا نجد في رواية «ما بعد الحداثة» شخصيات متعددة لا يربط بينها رابط ما.. سوى أنها هي تمثيل درامي للأفكار أو الثيمات التي يطرحها النص من خلال رؤية فلسفية شاملة للوجود من جهة ولهذه الشخصيات من جهة أخرى.
* ولعلنا إذ دققنا النظر في رواية «كائن لا يحتمل خفته» لوجدنا أن كونديرا يبني مضمون روايته على إحدى الأفكار المشهورة في الفكر الفلسفي الوجودي السارتري.. والتي تقول «الحرية مسئولية، الإنسان محكوم عليه بالحرية.. فهو يحمل العالم بين كتفيه.
والاشارة هنا «لأسطورة سيزيف الأغريقية».. إذ أن الرجل يحمل الصخرة فوق ظهره.. يطلع بها الجبل.. وتتدحرج الصخرة إلى أسفل حينما تقع من على ظهره.. فيعاود حملها مرة ثانية.. وهكذا يتكرر هذا الفعل اللا مجدي..
* وهنا نجد ان الوضع الإنساني ينقسم إلى مشهدين دراميين.. انسان مسئول يحمل المسئولية.. مسئولية اختيارات أفعاله التي تمليها عليه حريته الإنسانية.. ويشعر وقتذاك بثقل هذه الحرية التي تكاد تسحقه سحقاً.. وهناك من يتخلى عن مسئولياته ويصبح حراً طليقاً يكاد يطير في الفضاء بسبب هذه الخفة.. ولكن هذا الانسان يصاب بالسأم من جراء هذه الخفة ومن شعوره بالخواء لأنه تخفف من عبء تحمل مسئولية حريته.. فأصبحت هذه الخفة لا تحتمل.. ولهذا فهو كائن لا يحتمل خفته. وهو نفس القول الذي كتبه الشاعر المصري صلاح عبد الصبور في ديوانه الشعري «أقول لكم» حينما قال «ان الحر من يمشي على ظهر الأرض وهو ثقيل».
*رواية ما بعد الحداثة وارتباطها بحركة العصر:
من المؤكد ان العصور القديمة قد أخذت في الانسحاب إلى الوراء تماماً مثلما فعلت رواية دون كيخوته لسرفانتيس ومثل ما اختفت تلك المدن وراء أفق شمس تلك الحضارة الغاربة. وتلاشت ملامح المدن الكبرى.. باريس ولندن.. كما في روايات دكنز وبلزاك وأستاندل والأخوات برونتي، وأخذت ملامح رواية جديدة في الظهور حيث انسحب الكائن الأنساني من المشهد.. إذ لم يعد هو سيد الكون.. ترك كل الفضاءات للاختراعات.. للماكينة ولرأس المال.. وللحروب والاستهلاك الاقتصادي.. وتحول الفضاء كله لسيطرة الأشياء.. وأصبح الكائن الإنساني رقماً بين الأرقام.. وهكذا يتقدم العالم في شيخوخته.. ويمتطي الإنسان المعاصر.. انسان ما بعد الحداثة هذه الارجوحة التي تتقدم وتتراجع في الفراغ واللا شئ.. حيث يلامس هذا اللا شئ خفة الكائن الهشة.
*هذا ما حاولت ان ترصده روايات التشيكي ميلان كونديرا المنشق عن الحزب الشيوعي والذي هجا عواصم أوروبا الشرقية وخاصة براغ التي احتلتها موسكو فيما يسمى «بربيع براغ».
* وإذا كانت رواية كرواية «دون كيخوتة» تبدو في نظر النقد الروائي الكلاسيكي انها رواية ساذجة وتفتقر للحبكة المنطقية.. وان سردها يعتمد علي حقائق نسبية و غير مؤكدة تتجسد من خلال شخصيات خيالية، والانسان في هذه الروايات لا يستطيع ان يقطع بشئ فكل الآراء ناقصة وغامضة والعالم يستعصى على الفهم.
* ان هذه الرواية الضبابية للعالم «القرن الخامس عشر الميلادي» تعود الآن في عصرنا هذا هذه الرؤية الضبابية للعالم من جديد وذلك بسبب التحولات التكنولوجية والاقتصادية هذه المسيرة الأوروبية الكبرى التي وصلت الآن إلى «العولمة» والى النظام العالمي الجديد وهكذا يواجه الكائن خفته التي لا تحتمل.. ومن النماذج التي تسير على ذات الخط ولكنها تنوع في ثيماتها الكبرى.. وتنوع في أفكارها وموضوعاتها الروائية.. روايات التركي أورهان ياموق وروايات الامريكي اللاتيني ماريو فارغاس يوسا. وهي كلها تنتمي إلى ما أسميناه رواية ما بعد الحداثة الأوروبية.. وعلينا أن نتذكر هنا ان رواية العالم الثاني والثالث تحاول ان تحذو حذو الرواية الأوروبية في كل تغلباتها وتحولاتها.. وذلك لأن مصطلح رواية يعني الرواية الأوروبية أساساً.. وفيما بعد أخذ هذا المصطلح في التوسع ليدخل فيه القوميات الأخرى التي تسير على ذات الخط التقني الروائي وأن اختلفت المضامين والموضوعات بسبب اختلاف الثقافات التي تعبر عنها هذه الروايات في شتى أنحاء العالم.
أبرز كتاب تركيا المعاصرة (أورهان باموق) ورواية (الحياة الجديدة)
ولد أورهان باموق في مدينة تقع بين آسيا وأوروبا، وقد كانت هذه المدينة سابقاً عاصمة بيزنطا (تركيےا القديمة) ثم أصبحت الآن عاصمة تركيا الحديثة.. وهكذا وجد ياموق نفسه.
لقد ولد باموق في تركيا العلمانية، ولكنه كان عندما ينظر للوراء يجد تركيا العثمانية. وفي الحالين كان يواجه معطيات ثقافية متصادمة ودموية. ولأنه صور في رواياته هذا الصدام الذي تعبر عنه كأحسن ما يكون رواية ما بعد الحداثة ولأنه يحذو حذو الرواية الأوروبية فقد كرمته أوروبا من أجل ذلك بجائزتها الادبية الكبرى (نوبل) عن روايته (الحياة الجديدة) والتي بدأ فيها كما لو كان يطالب أوروبا بقبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.. هذا النادي السياسي والاقتصادي المؤثر.. وأما روايته القلعة البيضاء فهي تدور حول آراء باموق الأساسية.
رواية القلعة البيضاء:
تدور أحداث رواية القلعة البيضاء خلال القرن الـ (السابع عشر) الميلادي. والراوي عالم ايطالي أسره باشا تركي، ثم اهداه لباشا آخر. والباشا والأسير الايطالي يتشابهان جسداً وروحاً. نشأت بينهما علاقة فأخذا يتعاونان في صناعة كثير من الآلات، كما يقومان باختراع حكايات خيالية على غاية من الغرابة والفنتازيا. والجو العام للرواية يسوده شيء من الايحاء الفني بتمازج الثقافتين التركية والأوروبية.
وقد اتفق النقاد الأوروبيون بعد نيله (لنوبل) على براعة باموق في استخدام تقنيات رواية ما بعد الحداثة، حيث يستعين المؤلف الروائي بطاقة الخيال في صناعة الشخوص والحبكات الروائية. وقالوا.. أيضاً.. إن عنوان روايته الأخيرة (الحياة الجديدة) مقتبس من رواية دانتي. حيث يمكن قراءة الماضي بعين الحاضر. وهي ذات الثيمة التي تمثل موضوع رواية (القلعة البيضاء)، حيث يستمر الماضي في الحاضر، وهكذا تتواصل الحضارة القومية، كما تتواصل الحضارات الانسانية بما يمكن ان يسمى بالكونية أو العالمية أو الانسانية، وبذا يمكن ان تتحاور الأفكار المحافظة مع الافكار الجديدة، كما في رواية (الحياة الجديدة)، التي تمثل آخر أعمال باموق، ولكن في نفس الوقت نجد ان عناصر من الثقافة القديمة تموت لتحيا محلها عناصر جديدة. كما يقول أحد نقاده مفسراً هذه الحالة الحضارية والروائية.. (لقد حلت الكوكا كولا) وهي رمز عصر الاستهلال الأوروبي محل عناصر ثقافية محلية قديمة.. وبذا يريد هذا الناقد الأوروبي القاريء لأعمال (باموق) ان يصور هذا التغريب وهذا التداخل بين الثقافتين كما لو كانتا هما الاثنتين في حالة تحاور وجدل مستمر. أما باموق نفسه فهو يرى ان تركيا قد ضاعت وهي تصادم وتصارع هذين الوضعين.. حالة وضعها الثقافي الاثني - ما بين الشرق الاسلامي والغرب الحداثي.. فهي تنتمي لأوروبا جغرافياً، كما انها تحلم بالحلم الأوروبي نفسه. ولكن انتماءها السياسي فهو مازال يشكل سؤالاً لا يجد أجابة عملية واضحة.
أما إذا أردنا أن نقف عند جمالية هذه النصوص الروائية وان نعاين أدبيتها.. فاننا نجد أن المؤلف (باموق) يتدخل بآرائه الشخصية في النص دونما ادنى مواربة فهو يرصع النص الروائي بافكاره الخاصة والتي يرى كما يرى روائيو ما بعد الحداثة.. ان الفاصل بين المؤلف والسارد قد انمحى تماماً.. والمؤلف ما بعد الحداثوي هنا يتخذ موقف سرفانتس في رواية (دون كيخوتة)، حيث يتطابق الاثنان حتى لتظن ان النص الروائي هنا ما هو إلاّ سيرة ذاتية. وبذا فالنص هنا هو ليس واقعية سردية بقدرما هو متخيل سردي. وحينما تجيء صور الواقع فهي تجيئ علي مستوى التخيل وبذا تتحول إلى أساطير وتفقد مرجعيتها ومن ثم تتحول في نفس الوقت الى أشياء وصور ووقائع واقعية داخل النص المتخيل، كما تتحول الى أساطير داخل حركة الواقع العيني.. إنها إذاً.. نوع من انقلاب طرائق التفكير والتخيل وطرائق الرؤية الواقعية.


 ( نواصل)

More Posts Next page »