مذكرات مدرس

دخلت الي الصف وكنت حينها أخطو أولي خطواتي في مهنة الأنبياء، وهنا ظهرت لي إشارات إختلاف الزمان والمكان.
تحدثت الي التلاميذ بصوت مرتفع وأريتهم من نفسي قوة، ذلك لأنني كنت دقيق الجسم نحيفا، وتبدو علي إمارات الشباب، وصل الي مسمعي عبارات أحد التلاميذ مستغربا مستفهما مستعجبا: هي... ده أستاذ، والله صغير!
دنوت من أول تلميذ ورمقته بعيني قائلا: إسمك منو؟
فأجابني بثبات أنا، أنا اسمي عبدالقادر عمر.!
كانت المدرسة تعج بالتلاميذ وهم يتقاذفون في كل مكان، كانت الفوضي العارمة عند فسحة الفطور، وكذا الصراخ الهستيري عندما قرع جرس البيوت.
كان الكل يهتف: بيووووووووووووت، البيووووووووت!
وي ويه البيووووووووووت.
كنت حينها قد وصلت الي نيالا البحير_ كما  يحلو لأهلها تسميتها_ لأول مرة، وكانت في رأسي العديد من الأسئلة التي تتطاير هنا وهناك، وكنت أجد لبعض منها تفسيرا بينما لا أجد للمئات منها التفسير.
وقد بدأ الأمر بالنسبة ممتعا، دخلت بعد إنتها الدوام الدراسي الي السويق( تصغير كلمة السوق علي شاكلة جدلاي، وكولاي، وشجراي)ووجدت أول ما وجدت أمامي اللالوب، الذي يباع في الخرطوم بالحبة لقلته، سألت الحبوبة التي كانت تفترشه، حبوبة بلسان دارفوري مبين: حبوبة، قيلتي عافية؟ وهي ترد بطيبة إنسان درافور، عافية وليدي طيبين.
واللالوب دي بيكم الملوة حبوبة؟
وهي ترد: بجنيه أبا.
أخرجت من جيبي بقية ما معي من نقود، ثم أعطيتها خمسة جنيهات طالبا المزيد منه.
كان اللالوب نديا طريا هينا لينا، قد شبع من ماء المطر الذي ينهمر كتدفق أهل الخرطوم في الصباح الباكر كل الي مكان عمله!
أنطتني مل الملوة لالوبا، ثم أغدقت علي بيديها اللتان قد إخشوشنتا من فرط الزرع، والمتوربة والقطع.
أخذت ما في الكيس منه وذهبت الي البيت وشرعت في مص اللالوب مستمتعا به، ونسيت أنه أن كثر أكله أساء اليك، ما هي لحظات من ذلك الأكل النهم الا وجدت بطني قد بدأت في الصب كما المطر الذي سقي منه اللالوب، وكان ذلك أول عهدي بنيالا البحير ولنا عودة.


أبو أمنية آدم محمد

Leave a Comment

(required) 
(required) 
(optional)
(required)