عفوا .. أوباما ليس قديسا

العالم يترقب سياسات أوباما


 
ما أن أعلن عن فوز باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة ، إلا وتساءل الجميع حول تداعيات هذا التطور وهل يشكل بداية القطيعة مع التاريخ العنصري الذي طالما انحاز للجنس الأبيض ولحكم البروتستانت المتشددين وهل سينجح أوباما في إصلاح ما أفسده بوش، أم أن الأمر كله مجرد تغيير شكلي ولأسباب طارئة دون اختلاف في المضمون .

 

 

 

أوباما عرف عنه أيضا العقلانية والهدوء وليس العصبية والتسرع مثل سلفه جورج بوش ، وبالتالي فإن العالم على موعد حاليا لالتقاط الأنفاس من الحروب الدموية وتحقيق المصالحة بين أمريكا وبقية المجتمع الدولي ولو لبرهة قصيرة من الزمن.

ورغم أن أوباما حاول بكل الطرق نفي أصوله المسلمة ، ورفض التقاط صور مع فتاتين محجبتين ، إلا أن هذا لا يرجح أن أوباما سيسلك مواقف متشددة تجاه العرب والمسلمين كسلفه بوش ، فما فعله كان بحسب البعض ضرورة انتخابية لعدم إعطاء خصومه الذريعة لهزيمته ، ويدل على ذلك تصريحاته المتكررة التي أوضح خلالها تفضيله للحوار مع إيران وسوريا ، بالإضافة إلى تعهده بسحب القوات الأمريكية من العراق فور انتخابه ، حيث كان من أكبر معارضي غزو العراق.

ومن الأمور الأخرى التي تبعث على التفاؤل بالنسبة للعرب والمسلمين الأمريكيين أن أوباما وإن كان لم يتقرب منهم بقوة خلال الماراثون الرئاسي ، إلا أنه أكد في السابق سجله القوي في دعم المسلمين الأمريكيين ، قائلا : "أنا الشخص الذي تكلم عن التفرقة العنصرية ضد العرب الأميركيين في خطابي أمام المؤتمر الديمقراطي عام 2004 وهو أمر لم أسمع بأن كثيرين من السياسيين تحدثوا عنه خلال فترة الخوف عقب 11 سبتمبر، انظروا إلى سجلي الكامل، لقد كنت دائماً في المقدمة عند مواجهة العنصرية ضد العرب الأمريكيين والمسلمين الأمريكيين، وسأستمر في ذلك عندما أصبح رئيساً للولايات المتحدة".

وفي حال كان الصوت المسلم حاسما في تأكيد فوزه في الولايات المتأرجحة وهى فرجينيا وفلوريدا وبنسلفانيا ومتشيجان وأوهايو ، فإن هذا سيحرج أوباما ويجعله يولى أهمية للصوت المسلم لضمان الفوز بولاية ثانية، ويبدو أنه سيتذكر جيدا في هذا الشأن تجربة المرشح الديمقراطي سابقا آل جور عندما دفع ثمن إهماله للصوت المسلم الأمريكي ، حيث رفض مقابلة المسلمين الأمريكيين في انتخابات عام 2000 فصوت المسلمون لجورج بوش وخسر آل جور الرئاسة ببضع مئات من الأصوات.

فأوباما وإن حاول خلال الماراثون الانتخابي التنصل من علاقته بكل ما هو مسلم، إلا أن مبرره في هذا تكتيكي وليس أيديولوجي ، فالاتهامات المتكررة بأنه مسلم "مستتر" وأن له علاقات مشبوهة مع شخصيات مسلمة ، كل ذلك جعله أكثر حذراً ورغبة في استبعاد المسلمين من حملته وإبعاد حملته عنهم ، لئلا يسجل ماكين تقدما على حسابه.

وهناك أمر آخر يصب في صالح التغيير الذي دعا إليه أوباما ألا وهو أنه يتمتع حاليا بأغلبية مريحة في الكونجرس ، بعد أن أظهرت نتائج انتخابات تجديد ثلث أعضاء مجلس الشيوخ وكل أعضاء مجلس النواب التي أجريت مع انتخابات الرئاسة في 4 نوفمبر أن الديمقراطيين حصلوا على مقاعد جديدة في المجلسين كانت في السابق حكرا على الجمهوريين ، وبالتالي فإن المرجح أن تشهد الفترة القادمة هدوءا وتعاونا بين الكونجرس والرئيس وأن ينجح في تمرير بعض سياساته.      

أوباما ليس قديسا   

ورغم التفاؤل الذي يغلف كل ما سبق ، إلا أن هناك من يعارض الرؤية السابقة ويحذر من تمادي العرب والمسلمين في التوقعات بشأن تغيير كبير في السياسة الأمريكية في عهد الرئيس الأسود، فقد يتعرض أوباما للاغتيال على غرار ما حصل للرئيس الأسبق جون كينيدى والذي كان أول كاثوليكي يصل للرئاسة ، وفي حال عدم اغتياله ، فإن هناك توقعات بأن لا ينجح في تنفيذ وعوده بالتغيير والقطيعة تماما مع إرث سلفه بوش ، سواء كان ذلك داخليا بمنح الأقليات وعلى رأسها السود بعضا من حقوقهم المسلوبة لصالح البيض أو خارجيا باتخاذ مواقف مغايرة لرؤساء أمريكا السابقين تجاه قضايا العرب والمسلمين ، وذلك لعدة أسباب من أبرزها أن الولايات المتحدة لها استراتيجية كونية لا يستطيع من يعمل في المكتب البيضاوي أن يحيد عنها ، جمهورياً كان أم ديمقراطياً، رجلاً أم امرأة، أسوداً أم أبيض، ومهما كانت ميوله الشخصية أو أهواؤه السياسية، أو انتماءاته العقائدية.

شكوك في تصدي أوباما بقوة للعنصرية

الاستراتيجية الكونية السابقة تقوم على أساس التوسع وتفوق الرجل الأبيض والولاء لإسرائيل ومعاداة الإسلام والمسلمين ، وبالنظر إلى أن أوباما من أصول إفريقية وينتمي لجد كيني مسلم ، فإن هناك مخاوف من أن يتطرف في سياساته وتصرفاته لنفي انتمائه للإسلام وذلك للحفاظ على حياته من ناحية وللفوز بولاية ثانية من ناحية أخرى.

وهذا ما ظهرت بوادره خلال الحملة الانتخابية ، ففي خطاب ألقاه أمام المؤتمر السنوي للجنة العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك"، تودد أوباما لإسرائيل بشكل مبالغ فيه عندما قال :" إن أي دولة فلسطينية يجب أن تضمن أمن إسرائيل وأن تبقي عليها دولة يهودية كما يجب أن تظل القدس مدينة موحدة وعاصمة أبدية لإسرائيل "، وواصل استفزازه للفلسطينيين والعرب ، قائلا إنه سيخصص لإسرائيل 30 مليار دولار إضافية بجانب المعونة السنوية المعتادة والمزيد من الدعم العسكري، بينما تجنب الحديث عن الترسانة النووية الإسرائيلية ، كما دعا إلى عزل حماس وحزب الله وزيادة القوات الأمريكية في أفغانستان للقضاء على طالبان والقاعدة.

أيضا استطلاعات الرأي تؤكد أن الاقتصاد يتصدر حاليا أولويات الأمريكيين ، الأمر الذي يعني أن أوباما قد يقضي السنوات الأربع القادمة في معالجة الأزمة المالية المتفاقمة ، وبالتالي لن يشهد العرب والمسلمين نهاية سريعة لمعاناة العراق وأفغانستان والعنصرية المتصاعدة ضد المسلمين في الغرب .

وحتى لو لم تظهر الأزمة المالية ، فإن أوباما بعث مبكرا برسالة سيئة جدا للمسلمين، مفادها أنه يعتزم سحب قواته من العراق ليس لتصحيح الخطأ الذي ارتكبه بوش وإنما لإرسالها إلى باكستان ، أى مواصلة الحرب على ما يسمى بالإرهاب والتي تستهدف بالأساس العرب والمسلمين.

فخلال تصريحات أدلى بها على هامش حملته الانتخابية في مطلع أغسطس 2008 ، هدد صراحة بإرسال قوات أمريكية إلى باكستان لملاحقة تنظيم القاعدة ، وقال :" دعوني أكون واضحاً، هناك إرهابيون يختبئون في جبال باكستان، بعد أن قتلوا 3000 أمريكياً، ويخططون لضربنا مرة أخرى ، باكستان لم تفعل ما فيه الكفاية للقضاء على الإرهابيين، سأرسل الجنود الأمريكيين للقيام بالمهمة " ، منتقدا بوش لأنه لم يرسل قواته منذ البداية لباكستان بدلا من العراق.

الحملة الدائمة 

هناك أيضا أمر يغفله البعض رغم أنه يحكم السياسة الأمريكية على مدار التاريخ ألا وهو " الحملة الدائمة" ، وهو تعبير أطلقه علماء السياسة على انشغال السياسيين الدائم والمستمر بتطويع الرأي العام لصالحهم واعتبار ذلك هو الوسيلة الأهم على الإطلاق لحكم الولايات المتحدة بغض النظر عما إذا كان يصاحب ذلك عمل سياسي جاد لمواجهة القضايا الداخلية والخارجية . وبعبارة أخرى، فإن "الحملة الدائمة" تعني أن السياسيين وهم في مقاعد الحكم يديرون العملية السياسية وكأنهم في حملة انتخابية أهم أهدافها هي الانتصار على الخصوم السياسيين لا تحقيق إنجاز حقيقي بشأن القضايا الكبرى التي تواجه أمريكا .

التكتيك السابق ، يجعل رؤساء أمريكا خاضعين دائما لجماعات المصالح وعلى رأسها اللوبي الصهيوني، وبالتالي ليس أمام أوباما فرصة حقيقية للتمرد على ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية التي تقدس أمن إسرائيل.

التضحية بالمقربين

والأخطر مما سبق ، هو استعداد أوباما التام واللا محدود لأن ينحني أمام أية عاصفة لئلا تؤثر على مستقبله السياسي وهذا ما تأكد بالفعل خلال حملته الانتخابية ، عندما تخلى عن بعض مستشاريه والمقربين إليه إثر تعرضهم للانتقاد من قبل الجمهوريين.

سياسات بوش كانت كارثية للمسلمين

فرغم أنه كان يعتبر القس الأسود جرمايا رايت، مرشده الروحي وهو القس الذي أبرم أيضا عقد زواجه وعمد طفلتيه إلا أن هذا لم يمنعه من إدانته بل وترك كنيسته أيضا بعد أن أثار رايت غضب البيض إثر اتهامه للحكومة الأمريكية باضطهاد السود.

أوباما كان يعلم جيدا أن رايت لم يخرج عن الخطاب العام للسود ويعبر عن حقيقة موجودة بالفعل في المجتمع الأمريكي ، ومع ذلك تخلى عن راعي كنيسته من أجل الفوز بالبيت الأبيض.
 
وما حدث مع رايت ، تكرر مع عدد مستشاري حملته للشئون الخارجية ، فهو تخلى أيضا عن زبيجيني بريجنيسكي، الذي كان مستشارا للأمن القومي للرئيس الأسبق جيمي كارتر ، بعد اتهامه بالتعاطف مع العرب لانتقاده تلكؤ إسرائيل في تنفيذ حل الدولتين ، وكان آخر ضحايا هذا التوجه هو الأمريكي المسلم مازن الصباحي الذي عمل لأسابيع قليلة مسئولا في حملة أوباما عن التواصل مع الأمريكيين ذوي الأصول العربية والمسلمة ، واضطر للاستقالة بعد أن اتهمته "صحيفة الوول ستريت جورنال" بأنه على علاقة  بشخص وصفته بالمتطرف في صندوق داو جونز للمؤشر الإسلامي ، وهو ما نفاه بشدة أحمد رحاب رئيس فرع شيكاغو لمجلس العلاقات الإسلامي الأمريكي ، مؤكدا أن الصباحي شخصية معروفة ومحترمة واشتهر بأنه ضد التطرف .

وتبقى تجربته حينما رشح نفسه للمجلس المحلي لولاية إلينوي دليلا آخر على أن أوباما شأنه شأن غيره من السياسيين، إذا لم يتم الضغط عليه فسوف يتخذ المواقف السياسية الأقل خطرا على مستقبله السياسي ، فهو في التسعينات كان في حاجة لأصوات الأمريكيين العرب للوصول للمجلس المحلي باعتبارهم قوة تصويتية مهمة هناك ، وقتها اقترب أوباما من رموزهم وكان يبدي تعاطفا مع وجهات نظرهم ، ولكن ما أن بدت عليه أعراض الرغبة في الترشيح لمجلس الشيوخ ثم الرئاسة حتى تبدلت مواقفه وصار يؤمن إيمانا مطلقا بأمن إسرائيل.

والخلاصة في الرؤية المتشائمة السابقة أن أوباما يبدو وكأنه على استعداد للانحناء تماما أمام أية ضغوط حتى لو كانت تأتي من أكثر الجماعات تطرفا ، الأمر الذي يثير الشكوك حول احتمال نجاحه في إدخال تغييرات جذرية على السياسة الأمريكية.

Leave a Comment

(required) 
(required) 
(optional)
(required)