آراء ومقالات

Recent Posts

Tags

Community

Email Notifications

Archives

September 2007 - Posts

مؤتمر الخريف ولعبة تبادل الأدوار
يواجه المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس الأميركي جورج بوش حول السلام في الشرق الأوسط خطر أن يصبح مجرد مناسبة تستثمرها الأطراف المشاركة في خلق الانطباعات والإدلاء بالتصريحات والبيانات الجوفاء ، والتوصل في النهاية إلى اتفاق بشأن عموميات لا تكاد تلامس المسائل الخلافية الرئيسية التي هي لب الصراع العربي(الفلسطيني)/الإسرائيلي .
يتمحور النشاط الدبلوماسي المحموم الذي تشهده العواصم الأوربية والعربية مؤخرا حول استراتيجيتين متناقضتين بشأن مؤتمر واشنطن ومراميه.
استراتيجية للدول العربية تسعى - على ما يبدو - إلى ضمان دعوة كل الدول العربية المعنية مباشرة في الصراع ، ومعالجةالمسائل الجوهرية في الصراع وهي: (انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية (والعربية) المحتلة، تفكيك المستوطنات اليهودية، إقامة دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمة لها وبعد ذلك كله -لا قبله - يأتي اعتراف الدول العربية بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها.
تواجه هذه الاستراتيجية بحرب خفية ومعلنة في آن واحد، حرب يراهن أصحابها - لحسابات خاصة بهم - على فشل المؤتمر ،من غير أن يدركوا - إذا افترضنا حسن النية - بان الفشل هذه المرة يعني الدفع بالقضية الفلسطينية إلى دائرة النسيان من ناحية وإدخال المنطقة في موجة عاتية من التطرف تأتي مع عودة بنيامين نتنياهو إلي الحكم من ناحية أخرى .. انه رهان على “الأكثر تطرفا في إسرائيل” مع كل ما يتضمنه من ويلات وتهجير وابتلاع الأرض بالنسبة للفلسطينيين.
ولكن ، حقا، من قال أن بعض - حتى لا نقول أغلب - من يراهنون على فشل المؤتمر لا يعرفون ما سيترتب على ذلك الفشل.. انهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، ويسعون إليه، ويدفعون باتجاهه بكل ما هو متوفر لديهم من أدوات للدفع. فالمطلوب هو إحداث مزيد من التمزق، ومزيد من التجهيل، ومزيد من التطرف، ليس في فلسطين وحدها وانما على امتداد المنطقة، من خليجها إلى محيطها.
هؤلاء ليسوا محصورين في طرف عربي وإقليمي بعينه ، كما يحلو للبعض أن يقول . لدي إحساس يصل حد اليقين أحيانا ،بأن الكثير من المتنفذين في واشنطن وتل أبيب لا يريدون لهذا المؤتمر أن ينجح في التوصل إلى نتائج محددة تقود إلى معالجة ما يسمى بمسائل (النظام النهائي) ضمن إطار اتفاقية واضحة لا تقبل التضارب في التفسيرات.
أقول هذا لأن الاستراتيجية الإسرائيلية المطروحة بشأن المؤتمر تسعى - حسب كافة المؤشرات - إلي خفض الأهداف المتوخاة من المؤتمر ،وتتحدث عن (استعراض لبعض الأهداف الواقعية) غير المحددة بشكل دقيق وعن (بدء إجراءات أكثر تحديدا) بين إسرائيل والفلسطينيين.
هذا الكلام الغامض، يعزز الرأي القائل بأن إسرائيل غير مهتمة أصلا بحل المسألة الفلسطينية، ولا تسعى إلى أكثر من تطبيع علاقاتها مع الدول العربية وبدون أن تقدم أي مقابل جوهري ، فيما لا تريد واشنطن من هذا المؤتمر أكثر من أن يخرج علينا ببيان حول عموميات ونوايا تم تكرارها لأكثر من مرة، في لعبة للعلاقات العامة تخدم الرئيس بوش والقيادة الإسرائيلية.
وهذا بالضبط يخدم في المحصلة النهائية أهداف من يراهنون على فشل المؤتمر. ويعزز في نفس الوقت قناعتنا بوجود لعبة لتبادل الأدوار  بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وقوى التجهيل والتطرف في المنطقة من الناحية الأخرى في عملية خلق الفوضى الخلاقة وتفتيت المنطقة إلى “دويلات للطوائف” على طريق بناء الشرق الأوسط الجديد.
  منصور شاشاتي
كيمياء قبائل السودان الشمالية
جدول مند ليف العالم الكيميائي الروسي، للعناصر يعرفه جيدا كل من درس أساسيات علم الكيمياء وهو عبارة عن جدول يرصد خاصية كيمائية أو فيزيائية معينة من أعلى إلى أسفل ومن اليمين إلى اليسار ولنأخذ على سبيل المثال أي خاصية كيمائية ونتتبعها من خلال الجدول ولنقل مثلا عدد الالكترونات في نواة أي عنصر لنجد أنها تزيد كلما نزلنا أسفل الجدول والعكس طبعا حين نرتفع من الأعلى إلى الأسفل ونحن هنا سوف نهتم بالأعلى والأسفل وسوف نهمل الافقى علما بأنه في جدول مند ليف الحقيقي يشكل بعدا بذات الأهمية التي تمثلها الخطوط الراسية غير أن هذا الامتداد سوف يؤدى إلى المزيد من التوسع في موضوع بحثنا في وجوه الشبه بين قبائل الشمال إذ انه سوف يضم المناطق الشمالية من الشرق والغرب والتي ربما لا ينطبق عليها هذا التشابه الذي لاحظته بين قبائل الشمال وجدول مند ليف الدوري للعناصر ومن الآن فصاعدا نعنى بالأسفل أسفل النهر وبالأعلى اعلي النهر أي اتجاه المنبع وسوف نبتدئ من الأسفل بقبيلة الحلفاويين مرورا بالمحس ثم الدناقلة والشايقية والمناصير والميرفاب ثم الرباطاب لننتهي بقبيلة الجعليين عند الشمال الأعلى وسوف نضع بعض الصفات ثم نرصد تدرجها.
الصفة الأولى ولنسميها الخاصية النوبية وهى غير العرق فالسودان الحالي لا يوجد به عرق خالص لم يختلط بغيره وإنما ننظر إليها هنا كحضارة وأسلوب حياة بكل زخمها حيث تظهر لنا في قمة توهجها عند قبيلة الحلفاويين ثم تبدأ في العد التنازلي ونحن نمر عبر أراضى القبائل الشمالية جنوبا حيث نجدها شبه متلاشية عند الجعليين وهنا يمكننا الحديث عن بعض التفاصيل التي تندرج تحت هذه الخاصية ولنبدأ بالطعام فقبائل أسفل النهر يعتبر القمح في شكل القراصة المعروفة هو الغذاء الرئيس لها ويستمر ذلك في شكل تنازلي ونحن نسير نحو أعلى النهر لننتهي عند الجعليين وهم أول من استبدلها بالذرة اى الكسرة في الشمال.كذلك تعتبر الزراعة هي الحرفة الأزلية في الشمال إلى أن نصل إلى الصعيد عند الجعليين لتبدأ الحيرة تضرب بإطنابها بين الزراعة والرعي حرفة البداوة الأولى!! ويكمن الحل في الجمع بينهما. أما في مجال الأنشطة الإبداعية الأخرى كفن الرقص والغناء فنجد الطابع النوبي يتدرج من حيث القوة بذات الطريقة إلى أن نصل إلى قبيلة محورية هي قبيلة الشايقية والتي استطاعت بعبقرية سودانية فريدة أن تقيم توازنا فريدا بين الطابع النوبي وأصولها العربية أما عند الجعليين فتتغير الآلات الموسيقية وتصبح النغمة ابعد ما تكون عن الحب والحنين واقرب إلى طبول الحرب والحماسة وفى أحسن أحوالها مرثية موغلة في الحزن والفخر ولا تخلو رغم ذلك من دعوة مبطنة لمعركة ما.
أما ا لصفة الثانية وهى مظاهر الحياة العربية فهي تتخذ مسارا عكس الصفة الأولى تماما إذ أنها تبدو في قمة وضوحها اعلي النهر ثم تبدأ في الضعف باتجاهنا نحو أسفل النهر.
هذا التدرج المدهش في الصفات ومظاهر الحياة قد نمر عليه بوصفه أمرا بديهيا غير انه يعكس حقيقة تاريخية يجب التوقف عندها طويلا وذلك باعتقادي أن في تأملها الكثير الذي يفضى إلى اجتثاث جذور نزاعات حالية بدأت تطل برأسها القبيح في هذه الرقعة الجغرافية من الوطن لتزيد من تعقيد الوضع الراهن هذه الحقيقة في بساطة تامة تقول بان دخول العنصر العربي والدين الاسلامى إلى السودان كان في مجمله صراعا حضاريا على مستوى رفيع من الرقى كانت الغلبة فيه للحضارة الأقوى ولم يكن هذا بأية حال من الأحوال يعنى بالنسبة لها إلغاء هويات الآخرين أو طمسها والتقليل من شأنها ونحن في هذه المنطقة من الوطن من يجب أن يقدم لسائر أرجاء الوطن النموذج القوى لكيفية إثراء الوطن بهذا التعدد والإرث الحضاري العظيم ولعل الخليل القادم من الشمال الأدنى قد استوعب المعادلة الصعبة في زمن غابر وصاغها في عزة الرائعة والتي أضحت رمزا للوطن ولم يكن اختيار علم الكيمياء هنا عشوائيا فالكيمياء تعنى النشاط والتفاعل الايجابي للعناصر النشطة وإنتاج الجديد الذي يفوق الأصل قوة ومتانة في الصفات أما العناصر الخاملة فهي التي تحتاج لعوامل محفزة لتصبح جزء من التفاعل الكبير، والعامل المحفز هنا هو هذا النموذج الذي تمثله هذه المنطقة من الوطن بكل ما تحفل به من تنوع وثراء في كافة الوجوه وهى أيضا تمثل رسالة شديدة الوضوح لكل من يجهل أبعاد الصراع في سودان اليوم.
  د.عوض النقر بابكر
سياسيون سودانيون خلف بوابات الانفصال

كثرت في الآونة الأخيرة تصريحات لرموز وقياديين في الحركة الشعبية لتحرير السودان حول إمكانية تصويت الجنوبيين للانفصال في استفتاء تقرير المصير المزمع إجراؤه عام 2011 بحجة تعثر عملية التنمية بالأقاليم الجنوبية وهيمنة العرب على الشمال بعد اتفاقية نيفاشا.
لقد ولدّت هذه التصريحات حالة من الاستياء في أوساط الوحدويين من أبناء الشعب السوداني بشقيه الشمالي والجنوبي، وازدادت حالة الاحباط مع استهداف أهل الشمال المقيمين بالجنوب (الذين لا حول ولا قوة لهم باتفاق نيفاشا)..واستبيحت بعدهم أرض الجنوب من قبل مواطني دول الجوار الأفريقي على حساب أبناء الشمال من التجار والرعاة والمزارعين الذين هم أبناء عمومة للجنوبيين منذ مئات السنين.
إن مثل هذه الأفعال غير المسؤولة توسع الخلافات وتدق إسفيناً بين الوحدويين والانفصاليين، لا سيما لدى الذين يعيشون أفكاراً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بثقافة الحرب.
وفي خضم هذه المشاحنات ليس مستغرباً أن يتداعى المشككون في الوحدة لتضخيم الجدل بما يتماشى وأهداف استراتيجية دولية ترمي لانشطار السودان الى دويلات هزيلة.
وقد عبر عن هذه اللونية، وفي مناسبات شتى القيادي البارز باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية، وسار على نهجه مؤخراً النائب الأول لرئيس الجمهورية في حكومة الوحدة الوطنية ورئيس حكومة الجنوب سيلفا كير ميارديت عبر برنامج تلفزيوني سوداني، ولحق ركبهم في تصريح آخر البرلماني الجنوبي بيتر أدوك نيابا في حوار صحفي مع صحيفة (الصحافة) السودانية بتاريخ 28 أغسطس 2007 أكد خلاله فرضية تصويت الجنوبيين للانفصال.
جل هذه المواقف تقدم خدمة مجانية لاعداء السودان، خاصة اذا أثمرت في خاتمة المطاف الى عزوف فعلي عن الالتفاف حول برنامج الوحدة الطوعية التي من دونها يمكن أن تنزلق البلاد مرة أخرى في مستنقع الحرب المدمرة.
ما نريد لفت الانتباه اليه هو أن مثل هذه التصريحات غير المسؤولة لها ما بعدها، لاسيما وأنها صدرت من شخصيات لها تأثيرها القوي على الشارع السياسي الجنوبي، وأن أوجب أولويات هولاء تكمن في الوفاء لنصوص اتفاق نيفاشا (بعلاته!) مع الشمال للعمل على جعل برنامج الوحدة الطوعية جاذبة فعلاً.. وقولاً (كأضعف الايمان)، إلا أن قياديي الحركة وبكل أسف لم يوفوا الشرط حقه، كما هو واضح من خلال الفترة التي قضوها في الحكم وتسيدوا عبرها الجنوب بنسبة مائة في المائة وبعضاً من الشمال، ولم يحققوا قيد أنملة من الوفاء للبرنامج المشترك في طريق الوحدة، ناهيك عن حالة الفساد التي تعانيها مؤسساتهم الخدمية والمالية والتي لم يسلم منها بعض من كبار المسؤولين والوزراء حسبما أوردت صحف سودانية.
ان مثل هكذا أفعال، هي وحدها المسؤولة عن تعثر وبطء سير عملية التنمية. أما اذا كانت هذه التصريحات التي تخرج بين الفينة والأخرى من باب دفن الرؤوس في الرمال فإن ذلك بمعطيات الواقع يصنف من باب سد الذريعة وهم وحدهم من يسأل عن بطء العملية التنموية وليس أبناء الشمال، وأهل الجنوب أدرى ببواطن الأمور والدواعي التي دفعت قيادييهم للتستر خلف بوابات الانفصال!.
وحري بنا القول ان اختزال القرار المصيري بوحدة السودان في أيدي قلة من الساسة السودانيين يدفع للقول إن ثنائية نيفاشا كانت ولاتزال فاقدة لجملة شروط أورثت البلاد دوامة تجاذبات بين الحزبين الحاكمين (المؤتمر الوطني في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب)، منها على سبيل المثال، ترسيم الحدود وانسحاب الجيش من الجنوب وتوزيع عائدات النفط وكانت أكبر هذه السوءات فقدان الإتفاق للاجماع الحقيقي للشعب السوداني بكل ألوان طيفه، فالسودانيون لم يستفتوا حوله قبل أن يستفتوا في نتائجه ومآلات الوحدة أو عدمها، الأمر الذي دفع المراقبين للشأن السوداني الى القول إن الحكومة في الشمال متواطئة مع أجندة خارجية هدفها من الاتفاق تحقيق الانفصال عبر سبل سلمية بدلاً عن فوهات البنادق، والغريب أن الحكومة المركزية تتعاطى مع فرضية الانفصال وكأنها أمر واقع ولكنها تراهن أن تكون الوحدة الطوعية خياراً جاذباً، الا أن هذا الخيار يتطلب العمل الجاد.
وما رشح عن تجربة الثلاث سنوات الماضية غير مبشرٍ، لأن معدلات الانفاق في مشروعات التنمية بالجنوب ضئيلة جداً قياساً بالوضع في الشمال، مع العلم أن حكومة الجنوب تعتمد في ايراداتها على النفط فقط بعد عزوف المانحين عن التمويل، والايرادات مع قلتها فإنها تهدر بفعل الفساد، لذلك فالخيار الطوعي لن يتأتى عبر الأهازيج والشعارات التي تبثها وسائل الاعلام من حين لآخر.
واذا كانت الرغبة في الوحدة حقيقية فليست هناك ضرورة لأن تفتح الحركة الشعبية مكاتب لبعثات دبلوماسية مع الدول والحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية، ناهيك عن إعداد سياسة دفاعية رسمية لتحويل الجيش الجنوبي الى قوة تنفيذية بإيعاز وإشراف مستشارين أمنيين بريطانيين وأمريكيين.
ويجدر هنا اصطحاب التجربة العراقية فيما يخص أقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي (ووضعه المشابه لوضع جنوب السودان)، هذا الموقف عبر عنه رئيس الإقليم مسعود البارزاني، حيث رفض وبشدة فكرة فتح مكاتب للتمثيل الدبلوماسي للإقليم بالخارج في ظل وجود سفارات تمثل الدولة العراقية، هذا بالاضافة الى ضم جيش البيشمركة الكردي الى الأجهزة الأمنية العراقية بعد سقوط صدام.
إن عمليات الابتزاز السياسي التي تمارس من حين لآخر في السودان بدعاوى الانفصال توجب تغليب مصلحة الوطن من العناصر النزيهة والمتنفذة داخل حكومة الوحدة الوطنية مدعومة من التيارات السياسية والشعبية كافة، بما فيها المعارضة للدعوة الى منتدى يناقش قضية الفساد من جذورها وتأثيرها على الوحدة ومحاسبة كل مارق يخرج عن آداب هذه المرحلة الحرجة من التاريخ أمام الشعب السوداني وتحديداً من ينهبون جهاراً نهاراً، والذين يجب أن يعاملوا باعتبارهم تهديداً رئيساً ومباشراً للأمن القومي السوداني الذي بانعدامه سيكون المآل هو التشرذم في أفضل الأحوال.

خالد الاعيسر

النزاعات القبلية تقتل وتشرد الآلاف
أعين العالم كله معلقة بالسودان حاليا الذي تتوارد منه الأخبار الحزينة حيث المآسي والمجاعات والنزاعات والحروب والدماء، ولعل اول ما يرد على الخاطر من تساؤلات للمتابع للشأن السوداني عن الحرب اللعينة في دارفور التي بدأت بمناوشات صغيرة وتصاعدت بقوة وسرعة حتي وصلت لما هي عليه الآن.
سميرة سليمان

اعتنق أهل السودان المسيحية في القرن السادس الميلادي ثم تحول أهله إلى الاسلام في القرن السادس عشر.

وقد ارتبط تاريخ السودان القديم بالنوبة فقد ظهر تواجد لقبائل من الرحل في هذه المنطقة قبل الميلاد بسبعة آلاف عام. وفي 3700 قبل الميلاد كان أهل هذه المنطقة قد أقاموا حضارة مزدهرة وتاجروا مع مصر في الذهب والعاج. وتشير الأدبيات المصرية في 2300 قبل الميلاد إلى تلك المنطقة باسم مملكة كوش.

وبعد انهيار مملكة كوش في القرن الرابع الميلادي بسبب تقلص نشاطها

التجاري وغارات بدو الصحراء انقسم السودان إلى ثلاث دويلات هي موكيريا في الوسط ونوباتيا في الشمال (التي توحدت مع ماكيريا في منتصف القرن السابع) وأوا في الجنوب وقد أدت البعثات التبشيرية البيزنطية إلى تحول سكان هذه الممالك إلى المسيحية لتختفي الديانات القديمة بسرعة.

وقد أبرمت مملكة نوباتيا المسيحية معاهدة سلام مع العرب الذين توسعوا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا لمدة ستة قرون ولكنها سقطت في النهاية أمام المد العربي الاسلامي عام 1365 ميلادية وسقطت ألوا عام 1504 ميلادية.

وفي منتصف القرن السادس الميلادي قامت مملكة اسلامية قوية في السوان هي سلطنة فونج وكانت عاصمتها سانار التي تقع شمال الخرطوم وقد توسعت هذه المملكة، كما قامت في غرب السودان في دارفور دولة إسلامية أيضا.

وقد تراجع نفوذ سلطنة فونج في القرن الثامن حتى سقط السودان تحت السيطرة التركية المصرية عام 1821.

ويحوي السودان العديد من المقابر المسيحية من الرخام وكذلك مقابر إسلامية وهناك آثار تشير إلى التعايش السلمي بين الديانتين في ذلك البلد.

وفي عام 1882 تم فرض الحكم البريطاني المصري على السودان لكن محمد أحمد الملقب بالمهدي أطاح بهذا الحكم عام 1885 غير أن حملة مصرية بريطانية بقيادة الجنرال كيتشنر قضت على المهديين عام 1896.

وفي عام 1956 حصل السودان على استقلاله وكانت النزاعات قد بدأت بين الجنوب ذي الأغلبية المسيحية والشمال المسلم منذ عام 1955 وفي عام 1972 تم التوصل لمعاهدة أديس أبابا للحكم الذاتي في الجنوب.

غير أنه تم التخلي عنها عندما عمل الرئيس السوداني جعفر نميري على فرض الشريعة الاسلامية وفي عام 1989 وصل الرئيس عمر البشير إلى الحكم فيما يشهد السودان نزاعا آخر اندلع في اقليم دارفور غربي البلاد.

جغرافيا السودان

السودان دولة تقع في شمال شرق أفريقيا. تعتبر اكبر دولة افريقية و دولة عربية من حيث المساحة ، عاصمتها الخرطوم ، يحدها من الشمال مصر ، ومن الشرق اريتيريا واثيوبيا والبحر الاحمر ومن الجنوب كينيا واوغندا والكونغو ، ومن الغرب تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى ، ومن الشمال الغربي ليبيا.

وعلى حين تتهم حركات التمرد الثلاثة في دارفور ووكالات الإغاثة الدولية الجنجاويد بأنهم أعوان الحكومة وتابعوها، وأنهم عرب يشنون هجمات عنيفة على الأفارقة السود من قبائل الفور والمساليت والزغاوة.. تنفي الحكومة السودانية ذلك بشدة، وتقول: إنها لا ولاية لها عليهم، وإنهم يهاجمون قواتها أيضا.

اللغات الرسمية هي العربية والإنجليزية واللغات المحلية ، تبلغ مساحتها

2,503,890 كم مربع ، أما عدد السكان فهو 38,114,160  نسمة.

وكان السودان مأهولا منذ أكثر من 300 ألف سنة وخلال تاريخه الطويل كان تحت الحكم المصري كما أنه حكم مصر أيضا.

وقد خضع السودان لحكم مصري تركي عام 1821 قبل أن يطيح المهديون بهذا الحكم عام 1885 وخلال النصف الأول من القرن العشرين خضع لحكم بريطاني مصري قبل أن يحصل على الاستقلال عام 1956.

أزمة دارفور

دار فور هي منطقة في غرب السودان، وسميت بهذا الاسم تيمناً بشعب "الفور" الذين كان لهم سلطنة فيها قبل الاستعمار الإنجليزي، ومن أكبر مدنها الفاشر وجنينة، ويتمثل سكانها من العرب، الفور، ماساليت، زغاوة وغيرهم، ونشبت فيها حرب في 2003، ولا تزال الحرب مستمرة.

تقدر مساحة دارفور بخمس مساحة السودان، وتحد الإقليم ثلاث دول: من الشمال ليبيا ومن الغرب تشاد ومن الجنوب الغربي أفريقيا الوسطى، فضلا عن متاخمته لبعض الأقاليم السودانية مثل بحر الغزال وكردفان من الشرق.

والغالب على إقليم دارفور كثرة المرتفعات الجبلية وأهمها جبل مرة حيث يوجد أكثر الأراضي الدارفورية خصوبة. كما ينقسم الإقليم إداريا إلى ثلاث مناطق: شمال دارفور وعاصمته مدينة الفاشر، وجنوب دارفور وعاصمته مدينة نيالا، وغرب دارفور وعاصمته مدينة الجنينة.

تقول الأمم المتحدة إن أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم تظهر جلية في منطقة دارفور غرب السودان.

كثيرا ما عرف إقليم دارفور صراعات بين الرعاة والمزارعين تغذيها الانتماءات القبلية لكل طرف.

ففي عام 1989 شب نزاع عنيف بين الفور والعرب، وتمت المصالحة في مؤتمر عقد في الفاشر عاصمة الإقليم، ونشب نزاع ثان بين العرب والمساليت غرب دارفور عامي 1998 و2001، وتم احتواؤه باتفاقية سلام بين الطرفين وإن كان بعض المساليت آثر البقاء في تشاد.

شهد الإقليم في تاريخه الحديث ظاهرة الصراعات القبلية على موارد الأرض والماء المحدودة في ظل الانفجار السكاني وتزايد أعداد المواشي وانعدام أي شكل من أشكال تنمية الموارد وتحقيق الخدمات ورفع الوعي العام.

وقد اكتسب صراع الموارد هذا شكل النزاع بين القبائل الرعوية المترحلة ذات الأصول العربية في مجملها، والقبائل الزراعية المستقرة ذات الأصول الأفريقية متخذا بذلك شكلا عرقيا مما سيسميه البعض لاحقا صراع الهوية.

كل هذه العوامل أدت إلى تأزيم الأوضاع الاجتماعية والسياسية في دارفور

وإشاعة ثقافة العنف والحرب والتي وإن كانت جزءا من الثقافة السائدة في المجتمعات التقليدية القبلية فإن انفجارها بهذا الشكل اليوم يعلن سقوط مختلف المشاريع التنويرية والرجوع القهقرى إلى جيوش وحروب القبائل بعد حوالي 60 عاما من استقلال البلاد.

وقد مرت على إقليم دارفور الكثير من التطورات والتدخلات التي أثرت على اختلاف ثقافات المنطقة وتنوع أعراقه، خصوصا مع توطن قبائل من الرحل من غير سكان الإقليم، ومع ظهور الدول الأفريقية نتيجة التقسيم الجغرافي وتعاظم الصراعات المسلحة في المنطقة بدأت تظهر أنواع من الانعزال المكاني والانعزال الاجتماعي والانعزال الفكري.

وأصبح أكثر من 85% من الصراعات القبلية في السودان يدور في دارفور.. تلك المنطقة التي تمتد على مساحة 510 ألف كيلومتر، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب 6 ملايين نسمة!

كلمة "جنجاويد" مكونة من ثلاثة مقاطع هي: "جن" بمعنى رجل، و"جاو" أو "جي" ويقصد بها أن هذا الرجل يحمل مدفعا رشاشا من نوع "جيم 3" المنتشر في دارفور بكثرة، و"ويد" ومعناها الجواد.. ومعنى الكلمة بالتالي هو: الرجل الذي يركب جوادا ويحمل مدفعا رشاشا.

وهؤلاء غالبا ما يلبسون ثيابا بيضاء مثل أهل السودان، ويركبون الخيل، ويهاجمون السكان والمتمردين معا في دارفور، وهناك روايات عن نهبهم أهالي دارفور، واستهدافهم قبيلة الزغاوة الأفريقية التي خرج منها أحد زعماء حركات التمرد في دارفور، وعن مطاردتهم في الوقت نفسه للمتمردين على حكومة الخرطوم.

ينسب إلى هذه الميليشيات أنها تقوم بعمليات قتل واغتصاب وتشويه ونهب وإحراق عشرات الآلاف من البيوت، وتشريد مئات الآلاف من الأشخاص، ويقال: إن عددهم صغير جدا، ربما بضعة آلاف، لكنهم مسلحون تسليحا جيدا بالرشاشات ويركبون الخيل والجمال.

وأن هدفهم من مهاجمة القبائل الأفريقية هو طردهم من بيوتهم، وإجبارهم على التخلي عن موارد المياه والمراعي المهمة للقبائل الرحل ذات الأصول العربية.

ويقول اللاجئون من دارفور إن مليشيات الجانجاويد قاموا من على ظهور الخيل والجمال بذبح الرجال واغتصاب النساء وسرقة ما يجدونه أمامهم وذلك في أعقاب الغارات الجوية التي شنتها الحكومة.

وذكرت كثير من النساء أنهن تعرضن للخطف من قبل الجانجاويد وأخذن كعبيد لأكثر من أسبوع قبل أن يطلق سراحهم.

وتقول جماعات حقوق الانسان والكونجرس الأمريكي إن الجانجاويد يقومون بعمليات إبادة جماعية.

ويقال: إن الجنجاويد يعيشون على الرعي، وإنهم تعرضوا لضرر كبير بسبب التصحر الذي قلل من موارد المياه والمراعي في دارفور بشكل ضخم، وإنهم يهاجمون رجال القبائل الأفريقية؛ لأن منهم يخرج العدد الأكبر من مقاتلي حركات التمرد: جيش تحرير السودان وحركة العدالة والمساواة اللتين تمثلان المجموعتين المتمردتين الرئيسيتين في دارفور، وإن هدفهم بالتالي هو القضاء على التمرد من خلال ضرب هذه القبائل.

إن تقارير حقوق الانسان  سجلت نمطاً من انتهاكات حقوق الإنسان في غربيّ دارفور يمكن اعتباره سياسة "تطهير عرقي" من جانب الحكومة، أي محاولة للتخلص من طائفتين عرقيتين معينتين هما طائفتا فور ومساليت، بإقصائهما عن مناطق إقامتهما.

ويعني"التطهير العرقي" وفقا للجنة من خبراء الأمم المتحدة تعريفاً للمصطلح يقول إنه "سياسة متعمدة تهدف بها طائفة عرقية أو دينية إلى استخدام وسائل العنف وقذف الرعب في القلوب لإخراج السكان المدنيين المنتمين إلى طائفة عرقية أو دينية أخرى من مناطق جغرافية معينة ... والغرض من هذا، فيما يظهر، هو احتلال تلك المنطقة بعد استبعاد الطائفة أو الطوائف التي شملها التطهير"

وقد بدأت الأزمة في المنطقة القاحلة والفقيرة في وقت مبكر من عام 2003 بعد شروع مجموعة من المتمردين في شن هجمات على أهداف حكومية بذريعة أن الخرطوم تهمل المنطقة، ويقول المتمردون إن الحكومة تمارس سياسة القمع مع الأفارقة السود لصالح العرب.

ويوجد جماعتان من المتمردين هما الجيش الشعبي لتحرير السودان وحركة العدل والمساواة التي ترتبط بحسن الترابي الذي يعد أكبر سياسي سوادني معارض.

وكان نحو مليون شخص قد فروا من منازلهم وقتل نحو 50 ألف آخرين

وتحولوا من قراهم المدمرة إلى معسكرات في مدن دارفور الرئيسية لكنهم في حاجة إلى الطعام والمياه والدواء
.

 وتتهم المليشيات العربية الموالية للحكومة بارتكاب عمليات تطهير عرقي تصل إلى درجة الابادة الجماعية ضد سكان المنطقة من الأفارقة السود.

والأزمة بايجاز تتلخص في أنه تعيش هناك قبائل متحدرة من اصول عربية واخرى من اصول افريقية وتحدث بينها من حين الى آخر احتكاكات في المرعى والمأوى وما الى ذلك، لكنها دائما تعالج في لقاءات بين زعماء القبائل والعشائر ومجالس الاجاويد، وما سعت القوى السياسية في الماضي على اختلاف مشاربها ان تستثمر تلك الاحتكاكات، فضلا عن ان الطائفية الدينية كانت عنصر وئام وسلام.

ولكن الاقليم كله يعاني من تخلف وتهميش، والسودان كله كذلك بسبب الحرب وسوء التخطيط وهدر الموارد.

 احد عمال الإغاثة في الأمم المتحدة": لقد رأيت قرية مشتعلة شرق الجنينينا يوم الأربعاءفر الأهالي عندما رأوا سيارتناشعرنا انه يجب التوقف لاعتبارات الأمانلا أستطيع القول إنني رأيت الجاجاويد يشعلون الثقاب، ولكن هذا هو أسلوبهم في العمل".

 حوالي 110 الف لاجئ منهكين مذعورين جوعى وليس لديهم ملجأ آخر، عبروا الحدود الى تشاد.

 بعض الأجزاء لا زالت بها الألغام منتثرة هنا وهناك، وذخيرة اخرى لم تنفجر منذ الحرب الاهلية في تشاد ايام السبعينيات.

وفي بعض المعسكرات، 80% من اللاجئين هم أطفال، من المعتقد أن آباءهم قد لقوا حتفهم، أو تخلفوا ليخلصوا ممتلكاتهم، أو انهم التحقوا بقوات المتمردين.

 وتكافح وكالات المعونة الغربية لتزويد اللاجئين بالماء، والطعام والدواء في أحوال غاية الصعوبةيحوم خطر المرض في بلدة تاين، سجل الأطباء 25 حالة التهاب شوكي، وهو رقم فوق حد الوباءيخشى عمال الإغاثة من تدهور وشيك للأحوال خلال الشهرين التاليين إذا ما بدأ موسم الأمطار.

جنجويد

بقلم: بثينة خضر مكي...

تأملت حليمة ابنتها، في حنان. اكتست عظامها لحماً طرياً داهناً، من أكل الفضلات، من بواقي الأطعمة التي تزقزقها لها في غفلة من أصحاب الموائد الفاخرة الذين تخدم في بيوتهم.

ابنتها الصغيرة التي حملتها معها من قريتها البعيدة أسمالاً تضم عظاماً كالحة، كانت هي الشيء الوحيد، الذي يعيد إليها بسمة الرجاء، ولهفة الأمل. رغم أنها لم تنل شيئاً من حياة المدينة.

في ذلك اليوم، أخبرت سيدة المنزل الذي تخدم فيه بأنها مسافرة إلي البلد، لأن المكان، الذي تقضي فيه ليلها كل يوم، ثم تأتي لعملها في الصباح.. بعيد.. بعيد جداً، في أطراف مناطق السكن العشوائي بمدينة أم درمان.

كانت تظن أن السيدة سوف تعطف عليها وتسمح لها بالمبيت في المنزل الكبير، لا تفرق معها كثيراً، إن نامت علي حصير أو علي الأرض، تحت شجرة التمر هندي الظليلة. المهم هو أن ترتاح من المشوار وزحمة ثلاثة مواصلات تتناوب الزحام فيها حتي تصل إلي مكان عملها في المنشية.

لكن السيدة نظرت إليها شذراً وهي تقول:

- طيب.. خلاص.. استني لما يجي سيد البيت عشان تديك حسابك، أنا أصلاً ما يشغل واحدة عندها طفل، لكن قلت معليش.. بس كويس إنها جات منك.. بتك بقت مزعجة جداً، هباشة، وطول النهار تبكي.

نظرت إليها في غيظ، حملت ابنتها وجلست خارج المطبخ.. ورفضت رفضاً قاطعاً، أن تغسل المواعين في الحوض، أو تتناول الطعام، الذي حمله إليها خارجاً، الخادم الذي يقوم بالنظافة.

منذ ستة أشهر وهي تعمل مع هذه السيدة الظالمة المتكبرة.

كانت تقول في نفسها:

- كل الخير ده وست البيت.. عضام.. بس!! الأكل ده كله.. وهي قاعدة ملوص زي عود الشجرة لا كفل ولا صدر.. والله العز ده.. خسارة فيها.

قالت لصديقتها التي تشاركها في السكن العشوائي.

- يا سلام.. لو شفتي الراجل، سمح كيف.. وظريف كيف.. عندهم تلات أولاد من الصباح يطلعوا مع أبوهم للمدارس، وتفضل هي النهار كله.. تأكل وتتكلم بالتليفون.. لكن لو شفتيها، زي الهيكل العظمي.. وقال شنو؟ ما دايرة تسمن.. وهي الشحم لاقياه وين؟

تضحك صديقتها وهي تضربها علي كفلها، المكور، حاملاً جزءاً كبيراً من ثوبها.

- الشحم يايمة.. حال البنات.

ظلت حليمة جالسة خارج المطبخ والسيدة غاضبة لأنها رفضت غسل المواعين ومسح المطبخ كما طلبت منها.

عندما جاء زوجها، طلبت منه أن يعطي البنت الشغالة، حسابها لأنها ما عايزة تشتغل.. نظر إليها في وجهها ولم يعلق علي حديثها.. كان يعلم جيداً.. مدي غيرتها الشديدة عليه.

نظر إلي حليمة من طرف خفي.. كانت تحاول أن تنهض من جلوسها في سرعة.. احتراماً له، فتكشفت محاسنها، واهتزت مكامن الشكولاته المدهونة بالعسل في الجسد الريان.

غض بصره وهو يقول لنفسه في همس.. والله.. خسارة.. وأسرع نحو غرفته وهو يخفي ابتسامته وقد تذكر النكتة التي حكاها له صديقه جمال، مديره في القسم، في البنك الذي يعملان فيه سوياً.. وكان جمال من أبناء غرب السودان النابهين، وقد اشتهر بخلقه الكريم ومحبته للدعابة والنكات السياسية.

حكي له جمال أن أربعاً من بنات غرب السودان استطعن بواسطة واحدة من منظمات الإغاثة الأجنبية، التي صار تعداد موظفيها مماثلاً لتعداد السكان في بعض المناطق، السفر إلي لندن، وفي أول يوم ذهبن فيه إلي مطعم. قال لهن أحد أبناء البلد المهاجرين وقد التقي بهن صدفة هناك.

- لازم تعرفوا أسماء الأكل.. تشكن يعني دجاج تشبس يعني بطاطس محمر في الزيت فش يعني سمك وده أرخص حاجة عند الخواجات.

وحفظن الكلمات جيداً وعندما جلسن في أحد المطاعم في طرف المدينة في اليوم التالي جاءهن النادل.. قالت إحداهن وهي تسبل عينيها في دلال.

- فش.. آيزين فش.

ونظر إليهن النادل وهو يقول:

- فور؟*

كان يقصد الرقم أربعة حسب عددهن ليحضر الطلبات، لكن الدهشة تمتلكتهن وظننه مدسوساً عليهن من حكومة السودان، فقلن في صوت واحد بسرعة وخوف.

- لا.. لا.. كلنا جنجويد**

غالب ضحكاته، وناول زوجته المبلغ الذي طلبته.

لكنه أشار للسائق من طرف خفي.. وأعطاه مبلغاً كبيراً من المال وأشار إليه أن يعطي حليمة، ثلاث ورقات من فئة العشرة دينارات سودانية سراً ويذهب معها دون أن يشعر به أحد من المنزل ويشتري لها من البقالة المجاورة سكراً وعلبة كبيرة من الحليب المجفف لغذاء الطفلة الصغيرة.. وباكو شاي.

في سره كان يطلب من الله المغفرة، عن الظلم الذي وقع علي الطفلة وأمها دون وجه حق.

هوامش:

* الفور هي قبيلة كبيرة تسكن في مناطق الحرب الأهلية في غرب السودان.

** جنجويد التسمية التي أطلقتها أجهزة الإعلام علي محاربين من القبائل العربية في غرب السودان، وهناك شائعات أن الجنجويد يتمتعون بحماية الحكومة المركزية في الخرطوم.

الفاشر أبوزكريا .. قصة السـُووكـر؟
ميكرفون ضخم محمول علي عربةٍ عجيبة! ، ينبعث منه أصوت الأناشيد الوطنية ، التي تلهب المشاعر ، كنا اطفالاً نركض خلف تلك السيارة كلما جابتَ حي الكفـّوت في الفاشر ، ونجري في الإتجاه المخالف لوجهة العربة كلما توقفت فجأة ، وهـَّمَ السائقَ بالنزول لطرد الأطفال العالقين عند مؤخرة العربة العجيبة ، وأقول عجيبة لأنها الوحيدة في الفاشر ولم أرَ مثلها في أية مكان . هذه العربة العجيبة قادمةٌ من عصر ( المِستر مـَور ) الإنجليزي ، حاكم مديريتي كردفان ودارفور ، قبل عيد الجلاء الأول للعام 1956 للميلاد ، والذي نسميه بالإستقلال ، هذه العربة هي الوسيلة الوحيدة للأعــلام ـ ميديا ـ في حاضرة مديريةٍ بمساحة دولة فرنسا ، والغريب أن المستر مور لم يكـن يحكم أرض الحوزان من خلف مكتب وثير كما يفعل السيد الوالي اليوم ، ولم يفلح ، أي من علي القصر العتيق للسلطان الخالد علي دينار الكيراوي ، بل كان المستر خواجة ( مور ) يحكم مديريتي دارفور وكردفان من علي ظهرناقته التي يتنقل بها من الفاشر مروراً بكتم ثم دارزغاوة ماراً بالدور ومزبت وكارنوية والطينة علي حافة وادي هـور ، قبل أن يعرج لدار مساليت في دار أمدوكا ليسلمَ علي السلاطين ويؤكد سلطانهم الأهلي ، ويعرج لنظار البقارة في كردفان لبضع أيام يقضيها ثم يغادر إلي الخرطوم بأوتومبيل الكومر إسكاوت الإنجليزية ومن صناعة شركة فورد ، سالكاً درب الأربعين أو طريق ( الهوا ) بمحاذاة السكة حديد إلي بابنوسة ، قبل ان تنتهي رحلته إلي بُقعة أمدرمان وجهته الأخيرة . التعشيقة : كان الوقت صباحاً كنا نتجمع مع عدد من أطفال حي الكفوت ، ونتكدس بجانب حائـط الجالوص في إنتظار شمس الضحا ( سِـيروي ) أي أشعة الشمس الباكرة باللهجة الدارفورية ، وفيما كنا كذالك وفجأة ! صاحَ أحد الصغار : ( تعشيقة )؟! سكتَ الجميع ، إسترقـِنا السَمعَ ..وبعد حين.. هرولنا ولا نلوي علي شيئ ، يبدو بأن العربة العجيبة قادمة من رحم الأحياء ، البعيدة ، الجنوبية منها لمدينة الفاشر أبوزكريا القديمة ، حي العظمة ، الجوامعة ، هوارة ، تمباسي ، وحي القاضي ، عدونا نبحث عنها بين أزقة الأحياء الملتوية ، منصوبة بين جُـدرٌ من الآجار ومطلية بالزبالة . وعلي مشارف مدرسة التيجانية الأبتدائية التي تجاور مسجد الفاشر الكبير ، لمحنا ضالتنا ، وقفلنا نتصايح : داكو جّي ! ، كما الصيادين في مواسم الحصاد ، عندما يظفرون بوعَـلِ التيتل المنسل من بين الآجام ، هذا الصوت الأثيري نعرفه جيداً ونميزه عن صوت المؤذن حسن ( كوكس ) عليه رحمه الله ، وقد سُـمي كذلك لحلاوة صوته عند النداء للآذان في زمن لم تكد فيه إستخدام الميكرفون مألوفاً في مسجد الفاشر الكبير ، فقد كان المرحوم حسن ( كوكس ) يعتمد علي قوةِ حباله الصوته لإيصال صوته إلي كل أطراف المدينة وخاصة عند آذان الفجـّر ، بالمناسبة المرحوم حسن ( كوكس ) هو جد لأعب نادي المريخ المخضرم حلمي أبوالقاسم ومحمد وطلال من جهة أمهم ، ومنزلهم كائنٌ بحي المعهد ، أو دارفور الثانوية الآن . بدأت الإستعدادت تجري بعزم وجدية ، أبكورة كان ينتعل حذاءً من الأمجنق ، المصنوع من بلاستيك دولايب السيارات ، يخلعها ويلج راحتيه الصغيرتين بين سيور النعل ، ليخلص بهما عند زنده الضعيف ، ثم يُشمرَ ساعديه ويخلصهما من ( عـَرّاقي ) الدبلان المرقوع بقماش وزن عَشرة ، إنه في منتهي الجاهزية للتعليقة إذن ، بل كلنا مثل أبكورة مستعدون لفعل ذلك ولو كلفتنا ( سوط ) مؤلم مثل سوط الفكي محمود الفوراوي ، الذي علمنا الأبجدية الممزوج بالدواية والجير واللوح ، في فضاء جامع المرحوم عوض الله في حي ( شوبا ) ، الفكي ( الفقيه ) محمود رجلٌ يطغي علي قسماته القسوة والجدية ، كانت إجاباته علي كل أسئلتنا ( الغبية ) شيلة الفريّي ليصّطلعُ ظهورنا الشبه عارية لسعات السوط التي تهوي علينا كحبات شطة ( الدِنقابا ) .. والفريي هو أن يمسك أربعة من تلاميذ الخلوة الأكبر سناً من رصفائهم ، يمسكون بزميلهم المقصّر حسب الفكي ، يحملونه من كلتا يديه ورجليه ، ويعـّلون به من علي وجه الأرض ، ليتـّم الفكي مراسيم العقاب ، سوطاً من وراءِ سوط ، حتي يكملها عشراً في العادة ، في جوٍ من الإرهاب والخوف والذي يترجمها الأولاد برفع عقائرهـم بالقرأءة بالصوت العالي جداً ، حتي تهتز لها أرجاء المكان ، معبرين علي أن رسالة الجلدة قد وصلتهم مغلفةٌ بالوعيدِ للجميع فيما إذا حادت بهم الأدب .، في إرتكاب الخطأ ، الغير مسموح به وخاصة جريمة الغياب من الحضورِ إلي المسيد عند الظهيرة . رويداً رويداً وتقترب العربة العجيبة ، نقف نحن الأولاد مستندين علي جدران الحائط ، نتأكد من أن السائق لا يكترث بنا كثيراً وإنما يعالج بصعوبة عجلة قيادته التي تبدو كبيرة الحجم ، عصيةً عليه في التحكم وخاصة عندما يقود السائق بإتجاه الدبة العالي ، التل العالي ، ذلك المنحدر الوعِـر الذي يوصل بين حي الوكالة وحي كفوت بإتجاه طاحونة السنهوري الذي كنا نسميه طاحونه ( كا ـ كـُو ) لصوته الذي يشبه الأسم . بالطبع لا احد منّا كان يعرف ما هي مضمون الرسالة الأعلامية اليوم ، بمعني الرسالة التي تنبعث بواسطة المياكروفونات الثلاث المثبتة علي أعلي سطح العربة ، لأن الكل منّا كان مشغولاً بالتعشيقة ، هذه العادة السيئة كنا نحبها جداً وينتفخ أوداجنا من الضحك والقرقرة ، حينما يمسك السائق بأحدنا ويوسعه ضرباً بالكرباج ، ثم ما أن تتحرك العربة ثانيةً ، حتي نتقاطر كالسهام من جديد للتعشيقة ... ولا تنتهي هذه اللعبة ، إلا بإبتعاد العربة كلياً خارج حدود الحي . عندها نعـودَ إلي حيث كنا بجوار حائط الجالوص ، ليقوم غيرنا من أطفال الأحياء الشرقية حيث توجهت العربة العجيبة ، القيام بدورهم في التعشيقة أيضاً ، إنها عادة الأولاد في الفاشر أبوزكريا ، رغم خطورة ما سيصار إليه أحياناً من حوادث ممكنة جراء التعشيقة ، لكن هذه العادة كانت محببة ، ونعتبرها لعبة عادية مثلها وكرة الشراب ، البلي ، حَـكوو ، سفرجتَ ، تنتارة ، أم لتاجة ، سُـوكَة ، وشليلو ، والفات فات ، تيـلا فات ، سبع لفات بالنسبة للبنات والتيلم تيلم ، تيلم جربو . المَريسة : عندما ترتفع الشمس قليلاً بأتجاه كبد السماء كنا نتوقع أن ينادي بنا أهلنا لطعام الإفطار ، العصيدة الوجبة الدائمة في كل النهارات والموائد ، ولك أن تسأل فقط عن نوعية المُـلاح ، دودري ، تقلية ، مِرسَ ، عضام ، أو ملاح روب . وكانت المريسة وجبة إضافية لكل العائلات ـ كويك لانش ـ لربما تقوم مقام ( ببسي كولا ) في هذه الأيام ، وكنّا نعرف بأن ليس علي الأولاد الإقتراب من الكوشيب ، الدقَـة ، والعرقي ، لكن لا بأس بالبَـغو ، والقليل من العسلية ، وأذكر هنا عندما كنت أتساجل مع صديق الصبا ( إسماعين ) ، هكذا كنا ننطق الأسم ، لأن الفكي مُدرِس المسيد ( بتاعهم ) كان لا يفارق شفته المبللتين دوماً رشفاتٍ من الكوشيب ، بينما الفكي ( بتاعي ) الحاج مُـحكر رحمه الله كان يستحرم ما في قاع ( الدولانق ) ولا يقربها أبداً ، هذا صك الغفران خاصتي كانت مجرد دفوعات في وجه إسماعين ، كل منا يشجع ( المَسيد ) وهي خلوة لحفظ القرآن ( بتاعو ) ، في تلك السن المبكرة ، لكن تطورت المنافسة فيما بعد إلي هلال مريخ في سنٍ لاحق ، وإختاركلانا نادٍ ليشجعه أو ليلعبَ فيه وقد إخترت نادي الهلال ، لإسباب ترتبط بجغرافية الطفولة ، وقربُ النادي من البيت الذي ولدت فيه ، أو لربما الصدفة التي جعل الحاج التنقاري يقترح لرئيس نادي الهلال عبدالله السماني بعد أن حضر لنا تمرين في كرة القدم في ميدان ( دبة أم شجيرة ) التي تجاور ، مدرسة جغو جغـو الإبتدائية . علي دينار سيفو بيولع نار : كنا نسكن في حي الكفوت جوار نادي الهلال المؤقت ، في مقره الغير دائم في منزل المرحوم عمنا حسين رمضان ، وهو تأريخياً أمين مخازن السلطان الخالد علي دينار ، وكان يسكن القصر في حياة السلطان ، لكنه رحل إلي منزله الحالي عندما رأي وسمع بكلتا أذنيه الميرم أخت السلطان ، تنتزع القرباب من علي وسطها وتقول للكيرا علي دينار : ( إن غادرت الفاشر ولم تواجه الترك في سيليه ، فإن هذا القرباب لك عليك أن تتمنطقها ) ، كناية علي إنه ليس رجلاً ، لكن شاءت الأقدار وتواترت الأخبار بهزيمة الخواجا لجيش السلطان في دلجة سيليه شرق الفاشر ، بإستخدام طائرةٍ واحدةٍ فقط ، قصة هزيمة السلطان لا يخلو من الطرفة ، وخاصة حينما يقصها عمنا حسين رمضان .. يقول عمنا حسين رمضان رحمه الله ، لقد رص القائد عبدالرحمن بُوراة جيشه صفاً صف ، عام 1916 ، ومعه آدم علي أبو حواء الزغاوي ، وابو فاطنة الدادينقاوي ، وآدم رجال الفوراوي ، تراصوا لمواجهة الأنجليز والمصريين وكان يسميهم بـ( تـرُك ) ، وفي الطريق المؤدي من جبل هلوف إلي سيلييه ، وجدوا في طريقهم خواجة ، متمدداً تحت طائرة صغيرة كانت جاثية علي ( الدلجة ) وهي الأرض اليباب ، الممتدة ، بدأ كأنه يصلِحها من عـَطبَ ، فـّهَم أحد الجنود لقطع رأسه بالشلكاية ، فمنعه القائد عبد الرحمن بُوراة ، وقال له بصوتٍ آمر وسازج في آن : ( هذا مجرد نصراني وحيد ، خلينا نكمّـل الكتار ) .. وعندما أبتعدَ جيش السلطان لمسافة تقدر ببضع كيلومترات عن مكان الطائرة الحربية إياها ، أدار النصراني محرك طائرته بثقة إستمدها من غفلة القائد عبدالرحمن بورأة ، كان لمحرك الطائرة أزيزٌ مروعٌ ، فطار بها فوق رؤوس جيش السلطان والتي كانت كلها من الخيالة ، مما أصاب الخيول الهلعَ ، فتفرقت أيدٍ سبأ بين أشجار الغابة المجاورة وأصيب اكثر الجند من جراء إسطدامها بجزوع وفروع أشجار الهراز المتدلية ، أو بأشواك الطلح ، الهشاب والمُخيتَ ، وقام الجيش الأنجليزي المصري بالقضاء علي من تبقي في أرض المعركة ، وفر السلطان أبو زكريا بإتجاه جبل مرة الحصين ، لكن قبل أن يصل إلي مبتغاه لحق به الجيش الغازي وجندلته في منطقة برنجية . تلك كانت رواية العم حسين رمضان ، الذي غادر القصرَ قبل أن تدخله طلائع الغزاة ، رحل بعيداً بذكرياته وأحاديثه المشوقة ، وسكن مع عائلته في حي الكفوت وإحتضنت منزله العامر النوأة الأولي لنادي الهلال الحالي ، والجدير بالذكر أن أكثر لأعبي نادي الهلال في السبعينيات ، كانوا من حي الكفوت ، الوكالة والهوارة ، مثل خجو ، مختار ، محمد آدم بوش ، محمد علي الطيناوي ، برشم ، أبورورو ، حمودة ، محمدي ، حمزة حسين رمضان ، وآخرين لا يسعفني الذاكرة لتدوين أسمائهم ، لكنني سأفعل حتماً من هذه النافذه التي تسمي الأنترنت يوماً . سوق النـَفولا: بعد أن جابت عربة الأعلام التي تشبه الكرفان الأحياء الشمالية والغربية للفاشر ، إبتداءً بخور سيال ، أم بروم بروم ، جير جيرا ، ديم سلك ، حي التكارير ، القبة ، زيادية ، ثم الأشلاك مروراً بحي الشرفة ، وصولاً إلي الرديف ، أولاد الريف ، الحملة ، زنقو ، والخير خنقا ، لتتوقف العربة في ساحة سوق النفولا. إنها نهاية الرحلة إذن للعربة العجيبة ، توقفت هناك حيث يشمتَ المريخاب ، وليتها لم تتوقف ، يتشفي المريخاب بقولهم : ( الهلالاب أكـآلين النفولا ) ، هذه العبارة كانت تضايق الهلالاب جداً ، فهم بالصدفة بنو ناديهم حيث توقفت العربة العجيبة ، أي في ساحة سوق النفولا اليلي ، عبارة عن مطعم في الهواء الطلق ، تخص الفقراء حيث يبيعون ويشترون العصيدة والملاح واللحمة المشوية ، أم فتفت ، النيفة ، والكوارع كما يرتاده عمال العتالة ( الشيالات ) وهي من المهن القديمة في الفاشر ، ويتقاطرالمشردون والسكاري للإنتفاع من الأسعار الزهيدة . يدفعون مقابل الوجبة الليلية في النفولا ، الشيئ اليسير من دخل يومهم الذي لا يتجاوز بضع تعريفات والقروش . وكنوع من الفرز الإجتماعي الطبقي كان الهلالاب يتبرمون من العبارة أعلاه وخاصة عندما تصدر من أحد المريخاب ، فالمريخاب كانوا يعتزون بناديهم الذي أصبح بالصدفة أيضاً جوار مسجد الأنصار في حي أبواليمن شرق مدرسة التيجانية بنين ، هذه مفارقة حظ لكن حولها النـّدان العريقان إلي معركةٍ في غير معترك . عندما توقفت العربة العجيبة ، وأخذت أصوت أغاني الحماس والنفير تنبعث من جديد ، خرج سكان الأحياء القريبة عن بكرة أبيها صوب ساحة النفولا ، تجمع الشباب من كل صوب وخاصة لأعبي نادي الهلال ويتقدمهم اللاعب المراوغ ( خُجو ) وحارس المرمي ( أبورورو ) الذي كان يحمل حجراً ويلقي بها في حفرةٍ عميقة ، إنها وضع حجر الأساس ، للبنات الأولي لنادي الهلال بالفاشر ، انه المكان الدائم الذي سيصار إليه بعد أن إستضافته الأسر الكريمة لعدة سنوات في بيوتهم ، إنها قصة ميلاد نادي الهلال للتربية البدنية كما كانت تُخطُ بالأحرف الأولي في لآفتته ، الذي خطه الأستاذ محمد آدم بوش ، في يوم البناء لم يغب مشجعي الهلال ، العم التنقاري ، العم عبدالرحمن زكريا علي دينار ، العم صالح حبيب ، منصور أبوصفيطة ، شاشاتي ، وو.. هــلالابي : عندما كنا نتكـدسُ جوار حائط الجالوص ، ليستدفيء بعضنا بعضاً من برودة رياح شهر أمشير، كان صّوت الأعلامي الأول السيد ( صالح قرو ) ينبعث من عمق الميكروفون الكبير ، معلناً للجماهير في أحياء الفاشر القديمة ، بأن هلموا إلي العمل الخيري الكبير ، الذي سوف يضع حجر الأساس لنادي الهـلال !.. هذا ما لم نفهمه وقتها لأننا كنا مشغولين بما هو أهم من ذلك النداء ، بالنسبة لأشخاص هم في سن دون العاشرة كانت ( التعشيقة ) والتدلي كبندول الساعة خلف عربة وزارة الأعلام أكثر أهمية من أن تعصف عقولنا الصغيرة في ماهية العمل الإجتماعي أو الخيري الذي كانت جزءً من ثقافةِ أهل دارفور ، وأبوزكريا الفاشر خصوصاً ، ورثها المجتمع الصغير أباً عن جد ، كما ورثوا ( العربة العجيبة ) من السيد الخواجة ( المِستر مـَور ) ، حاكم كردفان ودارفور . حامد حجر ـ بيروت - الحمرا 17 /8/2007