آراء ومقالات

Recent Posts

Tags

Community

Email Notifications

Archives

January 2007 - Posts

الفنان حمد الريح إهداءة جزيرة توتي لكل أهل السودان1-2
  إبتدأ الغناء برائعة صلاح أحمد إبراهيم00 (مريا)0
وبعدها 000لم يتراجع عن اداء الروائع

عندما إختار الفنان المبدع حمد الريح تلك الرائعة(مريا) كبداية 000أحبه الجمهور0 وكان ذلك لسبب مقنع ، وهو أن حمد كان يعمل بمكتبة جامعة الخرطوم العريقة00ومن هنا لم يكن الإستغراب وارداً في هذا الإختيار الفني ، فالجمهور طالما عرف موقع العمل الذي ينطلق منه حمد الريح ، فإن ذلك يصبح مؤشراً واضحاً لحسن الإختيار في فن الغناء لأن الجامعة تعني أنها مركز الإشعاع الأدبي والفكري في بلادنا ، حيث كانت تلك السنوات في منتصف الستينيات من القرن الماضي تتسم بأنها كانت المرحلة الفكرية والإبداعية الخصيبة حيث كانت الظروف والإمكانيات المتسعة تجعل الشباب السوداني ينهل من كل مناهل دور النشر في العالم ،و كان السودان من أهم مراكز توزيع ثقافاتها المكتوبة0 وإنطبق علينا ذلك المثل الخالد (القاهرة تكتب وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ0 )
كانت تلك الأغنية الرائعة والخالدة تخاطب ثقافة شعب السودان آنذاك00وجاء اللحن هادئاً وواضح المعالم ، وسهل الحفظ 0فكان صلاح وكان حمد الريح وكانت مريا00تلك الإغريقية البيضاء التي أحبها شباب السودان ولم يرها إلا بعيون صلاح أحمد إبراهيم حين قال فيها:
ليت لي يا مريا00
إزميل فدياس 00وروحاً عبقرياً
لكنت أبدعتك 00ياربة حسني بيديا
وأمامي تل مرمر
لنحت الفتنة الهوجاء في نفسي
مقاييسك000 تمثالاً مكبر
وجعلت الشعر كالشلال
بعض يلزم الكتف00
وبعض يتبعثر
******
ومن فرط إعجاب السودانيين بمريا الأوربية فإنه (سودنها) فأصبحت مريا فتاة سودانية (سمراء قاطعة) 0فمن وسط كل تلك المساحات الممتلئة بكتب ومراجع الثقافات المتعددة (مكتبة الجامعة)، جاء حمد الريح الذي كان يُطلق عليه (فنان الجامعه)،وكان السودانيون يحنون قاماتهم حينما يذكر إسم الجامعه في أي شأن0 فمابالك وأنت تري وقتذاك إسم فنان ما مقروناً بالجامعه ، فعندها يكون (الكلام كِمل) كما يقول المثل العامي ، ولايحتاج إلي تزكية أو إضافة للتقييم0 فظل حمد يتغني بمثل تلك المفردات ، ولم يكن يستعجل الشهرة ، وهو موظف بالدوله عندما كان موظف الدوله مرتاح البال ، فكان يجب عليه أن يأتي بأغنيات لاتقل قامة ومعني ورهافة عن (مريا) ، فأردفها برائعة الراحل الرقيق نزار قباني ( حبيبتي) وخاتمتها:-
حبيبتي 000إن عاتبوك يوماً
كيف قصصت شعرك00الطويلا
وكيف حطمت إناء طيبٍ00
من بعدما ربيتهُ شهوراً
وكان مثل الصيفِ 00في بلادي
يوزع الظلالَ000والعبيرا
قولي لهم بكل كبرياءٍ00
ياحبيَ الأولَ00والأخيرا
بأنني000قصصت شعري000
لأن من أحبه000 يحبه قصيرا
*************
ألم نقل أن (فتي توتي) ذاك قد بدأ كبيراً 000ولم يتراجع حتي الآن ؟؟؟ ولماذ1 يتراجع عن أداء الروائع وهو يري كل شباب السودان المثقف حينذاك قد أفرد له أجنحته ليحلق بها كيفما شاء في سماء السودان الواسع الذي يذخر بالإبداع ويحسن إستقبال المبدعين بكل ما هو جميل0 وحمد الريح قد بحث في تراث أهل توتي في ملحمة فيضان (1946م) عندما غضب النيل برافديه الأزرق والأبيض تلك الغضبة الشهيرة ، ففاض ودمّر وحاول إبتلاع توتي بأهلها وتراثها ، ولكنه وجد أهل توتي علي قدر المسؤولية ، فغرقت أحلام النيل ولم تغرق توتي حتي اللحظة ، فأخرج حمد الريح تلك التراثية التي تمجد ذلك المشهد:
عجبوني الليله 00جو
ترسوا البحر00صددوه
عجبوني 00ولاد الأهالي
عجبوني 000وسروا بالي
ترسوا البحر بالطواري
ما شالونا باللواري
عجبوني الليله جو
*****
عجبوني ولا الفرسان
ملصوا البدل00والقمصان
ترسوا البحر00خيرسان
من واوسي 000لي أم درمان
عجبوني الليله جو00
ترسو البحر صددوه
************
أنحنا 000فوق عزنا
قبايل000مابتهزنا
********
فقد كانت أغنية صغيرة في حجمها وفي مفرداتها ، ولكنها ذات مضامين ومعانٍ ضخمة جداً تتسع00 وتتسع00 وتتسع00 لتشمل كل صمود أهل السودان وتكاتفهم في الملمات0 كما أنها كانت ذات لحن حماسي جميل تهتز له أحاسيس كل الناس لأنها تحكي دقائق الحدث0 وهي تصلح لكل الأزمان التي يكشـِّر فيها النيل عن أنيابه في كل مرة0
بعد تلك الروائع التي رسخت أقدام مطربنا حمد الريح في ساحة الفن والغناء ، بدأت مسألة الإختيارات الموفقة والمتأنية ، فكان هنالك الشاعرالراحل المقيم والذي مات مبكرأ-طيب الله ثراه- كان هناك (عثمان خالد) واقفاً في إنتظار هذا الفتي –حمد الريح- ليفجر قنبلة الموسم في تلك الفترة من حقبة الستينيات ، فكانت (إلي مسافره) هي القنبلة ، ويالها من كلمات ومعان ومضامين شغلت كل أوساط الشباب المحب للأدب والفنون ، وأصبح الناس يتفننون في تأويل أسباب تأليف تلك القصيدة العجيبة والغريبه ، والتي كانت طويلة المدي وقد تبارت الصحف في نشرها ، تارة كامله ، ومرات أُخر مبتورة 0 فدخل بها حمد أستديوهات التلفزيون وتغني بها ، وطارت أنغامها عبر الفضاء من إذاعة أم درمان، فأحتفظ بها الجمهور داخل أشرطة تسجيلاته وداخل ذاكرته أيضاً00وبعضهم كان يبكي00نعم أذكر أنني حينما كنت صبياً في بداية المرحلة الثانوية كنت أترنم بها مع أوركسترا مدرسة مدني الثانوية العريقة وكان رفيق عمري (محمود حسن بابكر) المقيم بمسقط الآن قد كتب لي كل تلك القصيدة، فكنت ألاحظ البعض من شدة شفافيتهم ينتحبون وهم في تلك السن المبكرة من مرحلة الصبا، فهي كانت تمنحنا شحنة ضخمة من الوجد وتقترب من طابع الرثاء0000كانت الأغنية تقول:
ياقلبي000 يامقتول كمد
أعصر دموع
هات غنوه 000لسيد البلد
ياحليلو000ياحليلو
حليلو00 قال سايب البلد
حليلو00كيفن يبتعد
كيفن نسيبو00يروح بعيد
في رحلة مجهولة الأمد
ياحليلو00ياحليلو
كنا بلاشك في عمر الصبا آنذاك00وكانت حركة الفنون والآداب والإهتمام بالثقافة والإطلاع تأخذ منا حيزاً كبيراً ، مثلها مثل الإهتمام بكرة القدم000 لذلك كنا نعجب ونطرب لتلك الألوان من قصائد الشعر ، وكانت المتابعة واضحة لأعمال نزار قباني الشعرية وأدب طه حسن والعقاد وكل أعمال مبدعينا في السودان علي وجه الخصوص 0 وقبل أيام قلت لإبني (عمرو ) حيث كنت اناقشه في بعض أحلامنا عندما كنا في سنهم الشبابية وعن إهتماماتنا وكثرة إطلاعنا وتبادلنا للكتب والمجلات والصحف في المدارس وفي الأحياء وأقارن له بأبناء جيلهم الحالي الذين تنعدم عندهم مثل تلك الإهتمامات ، تصوروا ماذا كان رد إبني لي ، وربما يكون ذلك هو رد الكثيرين من أبناء جيله، قال لي إبني وبكل هدوء وقد كان خارجاً للحاق برفقائه: ( ياأبوي يظهر أنو زمان كان عندكم فراغ قاتل) 0فقلت له new1 لا والله00كان وقتنا ممتلئاً جداً ، ولكن كان زماننا طيباً وكنا أسعد حظاً منكم حيث كانت الحياة سهلة وكانت الأحوال الإقتصادية متوازنة ، وكنا نأخذ المصروف المدرسي (قرشين) فقط في اليوم الواحد ، و كانت تكفي لوجبة الإفطار بالمدرسة مع الشاي ، وربما ندخر منها إسبوعياً (حق السينما)00فتركت إبني وهو فاغر الفم وقد كست الدهشه وجهه لأنه أول مرة يسمع بكلمة (قرش وقرشين) ، حيث كان يعتقد بأنها كانت تستعمل فقط كناية عن المال ولم تكن عُمله يتم تداولها في حركة البيع والشراء إلا في عهد التركية السابقة، فزادت دهشته عندما قلت له أن الجنيه الواحد كان يساوي مائة قرش وهي كانت تكفي لشراء قماش بنطلون من محلات حسن الإمام في ودمدني أو من دكان عبدالله شلقامي أو الأمين الصافي أو حسن الصافي بسوق أم درمان او من يهود السوق الأفرنجي بالخرطوم (ناس بنيامين) 000فضحك وخرج ، وكان يعتقد أنني أكذب عليه وأرمي له ببعض (المكنات الكبيرة) حيث كان يرد علي كلامي في حكاية القرش والقرشين بعبارة(إز000إز)00 وهي تعني بلغة شباب اليوم (مع كسر الألف وتسكين ومط حرف الزين) في كلمة (إز) تعني (الجاك) بلغة جيلنا سابقاً أو الكذبة الكبيرة، كما أن البعض في زماننا كان يطلق علي الكذبة الكبيرة كلمة (قنبلة) 0
وعموماً نأسف لهذه المداخله العارضة، ونواصل مع الراحل عثمان خالد وحمد الريح في تلك الخالده التي كانت تثير أشجاننا وهي أغنية إلي مسافرة:-
كل العمر00 كان لحظه واحده
نسيبو000والشوق يتقد
نسكر نغيب00من لطفو
ومن دلو الحبيب
من لونو 00ومن كرز المغيب
الرامي000 محلو الثمر
في شفايفو00زي ياقوت ندر
في شكلو00زي نص القمر
مبتل مثير00
مخلوق عشان00أحلي الظهور
ليهو القلوب00كم تأتمر
لومره00سيد الناس أمر
بي نظره بتفجِّر حجر
بي بسمه 00بتطوِّل عُمُر
ياحليلو00ياحليلو
والشيء الغريب أن لحن تلك الأغنية وبالرغم من أنه كان لحناً ذا وتيرة إيقاعية واحدة من أول بيت فيها إلي آخر بيت ، إلاّ أن إستقبال الجمهور لها كان إستقبالاً خرافياً ، فكنت لاتجد شخصاً وقتذاك إلا وهو يتحدث عنها ، بل وقد حفظها الشباب عن ظهر قلب ، لأنه كما قلت كانت كلماتها تعبر عن أشياء في نفوس ذلك الشباب00وكان ختام تلك الأغنية المتفردة:
أهديك حنان000؟؟
ماقلبي عندك من زمان
أهديك حروف00ماقالا زول
وما أظن يقولا000 وراي بشر
أهديك عيوني 000عشان أستريح
الدنيا بعدك000 مابتسر
ياحليلو000ياحليلو
رحمك الله ياعثمان خالد رحمة واسعة ، فلقد كنت والله رقيقاً في أشعارك00ومبدعاً في توظيفك لتلك المعاني الراقية الشفيفة المعبرة في مفردات قصائدك000ونواصل مع روائع حمد الريح... في الحلقة القادمة ،،،،،

توقيع صلاح الباشا :