حكومة تكنوقراط إرضاءاً لرايس والمقاومة تتوعد بهجمات أعنف
بغداد : يبدو أن التحركات الأمريكية بالعراق لن يحالفها التوفيق, فبعد الإعلان عن عزم رئيس الوزراء الحالى نورى المالكي تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة برئاسته إستجابة لمطالب وزيرة الخارجية كونداليزا رايس, هددت جماعة شيعية اليوم الجمعة بالقتال من جديد بعد مقتل زعيمها في اشتباك مع القوات العراقية المدعومة من الجيش الأمريكي, فيما أكدت مصادر أن المقاومة العراقية تعتزم زيادة هجماتها قبل الانتخابات الامريكية لتضع الناخبين في حالة تردد قبل أن يدلوا بأصواتهم للمرشح الجمهوري الجديد.
وقالت المصادر:" لحين موعد الانتخابات الامريكية ستتصاعد قوة ضربات المقاومة العراقية, وتتنوع أشكالها وتتعمق تأثيراتها الميدانية والسياسية, وستواجه الادارة الامريكية ابتداءا من الرئيس جورج بوش رايس وووزير الدفاع وهيئة الاركان والمرشح الجمهوري الجديد وانتهاءا بالمتحدثين الرسميين باسم البيت الابيض والخارجية والامن القومي والبنتاجون صعوبة في تفسير التخبط والتناقض في المواقف والتصريحات بخصوص مواضيع وتعابير لطالما كانوا يرددونها من قبل كـ (المهمة اكتملت في العراق)".
حراك سياسي
ومن جانبه قال عبد الله صالح من التحالف الكردستانى فى البرلمان العراقى:" إن الحراك السياسى الحالى سيثمر تعيين حكومة تكنوقراط وفق رؤية وطنية جديدة", كما أكد النائب عز الدين الدولة من جبهة التوافق أن هناك إجماعا من مكونات الجبهة على عودة وزرائها إلى الحكومة, معرباً عن سعادته بما اعتبره صحوة سياسية تمثلت فى بدء بعض الكتل البرلمانية فى تقديم تنازلات عن جزء من برامجها السياسية.
وفي نفس السياق طالب رئيس الوزراء العراقى السابق وزعيم حركة الوفاق إياد علاوى بتشكيل حكومة إنقاذ وطنى فى العراق، وقال علاوى منتقداً حكومة نورى المالكى:" بعد مرور عامين على تشكيل المالكى لحكومته والدعم الأمريكى الكبير الذى تحظى به هذه الحكومة، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق إنجازات على صعيد تحقيق المصالحة فى العراق وتوطيد الوضع الأمني".
ويقول محللون مختصون فى الشأن العراقى إن هذا التطور ناجم عن ضغوط داخلية وخارجية لمنع انزلاق البلد مجددا إلى الحرب الطائفية خاصة فى ظل تمسك الأطراف المقربة من ايران باستمرار هيمنتها على مختلف دواليب السلطة الجديدة واصرار القوى السنية على الحصول على وضع محترم سياسيا واقتصاديا للمحافظات التى تنتمى لها.
ضغوط متتالية
وأشار المحللون الى أن الضغوط التى مورست على الفرقاء فى السلطة العراقية جاءت من الادارة الأمريكية من خلال الزيارة المفاجئة التى أدتها وزيرة الخارجية كونداليزا رايس فى ذات الوقت مع الزيارة التى أداها الرئيس بوش إلى الخليج، وكان الهدف من زيارة رايس دعم جهود المصالحة بين الفصائل العراقية المتناحرة.
وجاءت زيارة رايس للعراق بعد أن مرر البرلمان العراقى قانون "المساءلة والعدالة" الإصلاحى بدلاً من قانون إجتثاث البعث ليسمح بعودة الالاف من أعضاء حزب البعث من الصف الثانى والثالث للوظائف الحكومية والذى يعتبر من الخطوات الضرورية التى حددتها واشنطن لتخطى الانقسامات الطائفية فى البلاد.
توافق كبير
ويقول المحللون إن أحد أبرز أهداف هذه المصالحة هو الوصول إلى توافق عراقى موال لأمريكا بدلا من أن يكون مواليا لايران مثلما هو الحال مع حكومة المالكى وسابقتها حكومة الجعفري, والمصالحة المرتجاة سيكون دورها قيادة جهود تقليم أظافر ايران والتصدى للمقاومة العراقية فى ذات الوقت وقطع الطريق أمام المكاسب السياسية التى بدأت تحوزها.
وفي نفس السياق وقعت بعض أحزاب المعارضة العراقية الرئيسية بياناً مشترك يؤكد على تحقيق المصالحة الوطنية وحماية وحدة العراق, والأحزاب التى شاركت فى التوقيع على البيان تضم التيار الصدرى والقائمة العراقية بزعامة رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوى وجبهة الحوار الوطنى السنية بزعامة صالح المطلق والحزب الإسلامى العراقي, وتحتل هذه الأحزاب أكثر من مائة معقد فى مجلس النواب العراقى المكون من 275 مقعدا.
السيطرة على النفط
وساند البيان جهود الحكومة المركزية فى محاولة السيطرة على موارد النفط ومعارضة حكومة إقليم كردستان فى شمال العراقى فى التوقيع على اتفاقيات نفطية مع شركات البترول الأجنبية ومعارضة ضم مدينة كركوك البترولية إلى الأكراد, وقالت هذه الأحزاب بعد التوقيع على البيان إن الهدف من التوقيع على البيان هو حماية المصالح الوطنية العليا ووحدة العراق ودفع عجلة المصالحة الوطنية.
كما طالب بضرورة الإسراع ببناء قوات الأمن العراقية وإنهاء تواجد القوات الأجنبية المحتلة فى العراق بأسرع وقت ممكن, وبعد يوم من هذا البيان الموقّع بالداخل العراقي، استكمل سياسيون عراقيون مؤيدون ومعارضون مؤتمرا حواريا لهم فى بيروت لتقريب وجهات النظر بين المشاركين فى العملية السياسية والرافضين لها والذى جاء استكمالا لمؤتمر سابق عقد فى البحر الميت فى الاردن قبل نحو شهرين.
وشارك فى مؤتمر بيروت ممثلون عن الكتل البرلمانية العراقية: جبهة التوافق والحزب الاسلامى والفضيلة والتيار الصدرى وحزب الدعوة وممثلون لفصائل سياسية معارضة للحكومة بينهم بعثيون ومقربون من فصائل مسلحة, وبحث المشاركون فى المؤتمر وقد بلغ عددهم 22 شخصية، خمسة محاور، هي: الفيدرالية والتعديلات الدستورية، فضلا عن البحث فى قضية القوات الاجنبية وتوسيع المشاركة فى العملية السياسية، والاسراع باقرار مشاريع المصالحة الوطنية .
دور الجامعة
وكشفت مصادر مشاركة فى مؤتمر بيروت الثانى للمصالحة الوطنية ان المجتمعين اعدوا ورقة عمل سيرفعونها الى الجامعة العربية، لكى يتضمنها البيان الختامى لمؤتمر الوفاق الوطنى الذى سيعقد فى القاهرة قريبا، ويقول سياسيون عراقيون إن جهود المصالحة الوطنية لا يمكن أن تنجح فى ظل وجود الاحتلال، كما أن مصالحة لا تحتكم إلى البعد الوطنى الجامع لا يمكن أن تتقدم بالعراقيين.
ودعا هؤلاء السياسيون القوى السياسية والمسلحة الرافضة للاحتلال إلى بلورة برنامج سياسى واضح يجعل مهمته الأولى فرض جدولة واضحة ودقيقة للقوات الأجنبية ويضع رؤى سياسية وطنية استراتيجية تعيد للوطن وحدته المعنوية والترابية على انقاض الرؤى الطائفية والعرقية التى جعلت العراق كعكة تتقاتل عليها المليشيات.
الوضع الميداني
وعلى الصعيد الميداني قتل عشرات الاشخاص في جنوب العراق الجمعة خلال مواجهات بين قوات عراقية وجماعة عقائدية تؤمن بظهور الامام المهدي، وذلك عشية احياء ذكرى عاشوراء ومقتل الامام الحسين, واعلن قائد شرطة البصرة اللواء الركن عبد الجليل خلف مقتل القائد العسكري لجماعة عقائدية شيعية من المهداويين مع "العشرات من اتباعه" خلال اشتباكات بدأت ظهرا.
وقال خلف ان "قوات الشرطة تمكنت من قتل القائد العسكري لجماعة احمد ابن الحسن البصري الملقب باليماني، والمدعو ابو مصطفى الانصاري خلال الاشتباكات.. فضلاً عن مقتل العشرات من الجماعة واعتقال العشرات ايضا", مشيرا الى ان المواجهات شملت احياء الجمهورية والاندلس وجنينة، وسط البصرة.
وانتشرت قوات الجيش والشرطة بشكل مكثف في جميع شوارع البصرة وتوقفت الدبابات في مداخل المدينة فيما تحلق مروحيات الجيش العراقي باسناد من طائرات قوات التحالف, ويؤكد مسؤول في البصرة رفض الكشف عن اسمه ان اليماني يدعي قيام الحجة (المهدي المنتظر) في العاشر من محرم (عاشوراء) حيث يجب قتل العلماء والمرجعيات الدينية تمهيدا لظهوره.
و"اليماني" لقب لزعماء الجماعات التي تؤمن بظهور وشيك للامام المنتظر ويطلق عليها "المهداوية", وتقول معتقداتهم أن رجلا "يمانيا" سيمهد الطريق لظهور المهدي, وقد ظهر هذا الشخص مع جماعته للمرة الاولى في منطقة السهلة في الكوفة (150 كلم جنوب بغداد) العام 2004 وتمكنت القوات الاسبانية انذاك من قتل أتباعه لكنه تمكن من الهروب الى البصرة.
وعمل اليماني على ترتيب صفوف جماعته مرة اخرى خلال هذه الفترة في البصرة والناصرية, ويعمل على نشر أفكاره من خلال موقع على شبكة الانترنت, وفي الناصرية (385 كلم جنوب بغداد)، قتل ما لا يقل عن تسعة اشخاص بينهم ثلاثة ضباط في الشرطة واصيب نحو 25 اخرين في اشتباكات اندلعت ظهرا ايضا في وقت واحد تقريبا مع مواجهات البصرة بين قوات الامن والجماعة ذاتها.
وقال الطبيب هادي الرماحي مدير عام دائرة الصحة في الناصرية أن "جماعة من المهداويين هاجمت مقر استخبارات الشرطة في الناصرية بالاسلحة الخفيفة والمتوسطة واندلعت اشتباكات ادت الى مقتل العقيد زامل رميض معاون مدير الاستخبارات", وأعلنت السلطات المحلية حظر التجول في المدينة "حتى اشعار اخر".
وكانت جماعة دينية مسلحة تطلق على نفسها "جند السماء" ظهرت تقريبا في التاريخ ذاته من العام الماضي في منطقة الزرقة قرب النجف حيث اشتبكت مع القوات العراقية والاميركية, واسفرت الاشتباكات انذاك عن مقتل حوالي 300 شخص من الجماعة بينهم قائدها الذي ادعى بانه سفير الامام المهدي فضلا عن اعتقال اكثر من 500 اخرين.
وطبقا لمعلومات مصادرها الشرطة ومكتب المحافظ وسكان الزرقة (20 كلم شمال النجف)، فان زعيم جند السماء سامر ابو قمر "يدعي انه الامام المنتظر وسيطبق الرواية القائلة ان الامام يظهر في العاشر من محرم وستكون معركة يقتل فيها العلماء وهي من الدلائل المؤكدة لظهور المهدي,وتحمل الجماعة التي ظهرت في البصرة والناصرية الافكار ذاتها.
تصريحات أولبرايت
ومن جهة أخرى ذكرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت تحت عنوان "مذكرة إلى الرئيس المنتخب"، أن هناك ثلاثة كوابيس بانتظار الرئيس الأمريكي الجديد في العراق, وأوضحت أولبرايت أن أول هذه الكوابيس هو سيطرة السنة على مناطق تفتقر لمؤسسات حكومية ناجعة، مشيرة إلى إمكانية تحولها إلى مناطق مقاومة للوجود الأمريكي وملاذ آمن للقاعدة, والكابوس الثاني المتمثل في تكريس النفوذ الشيعي الإيراني في البلاد، والثالث هو ارتفاع وتيرة الصراع الداخلي، وتدخل دول الجوار بما قد يشعل حروبًا على مستوى واسع في المنطقة.
وإعترفت أولبرايت بفقدان الأمريكيين للتصميم الكافي للسيطرة على مجريات الأمور في العراق، وأن أقصى ما يستطيعه الرئيس الجديد هو تحجيم الأضرار التي نجمت عن احتلاله, ورأت أولبرايت أن الرئيس القادم قد يتمكن من تجنب أحد هذه الكوابيس، وفي حال فشله فسيواجهها مجتمعة في آن، مشيرة إلى أنه لا أحد في المنطقة العربية يرحب بشن حرب جديدة أو يوافق على رؤية إيران تسيطر على العراق.
وأكدت أولبرايت على أن كلاً من إيران وتركيا وسوريا ومصر والسعودية والأردن ستتدخل عندما تعتقد أن أحد أفراد طائفتها يتعرض لخطر الإبادة, ودعت أولبرايت الرئيس الجديد إلى تقسيم العراق بشكل فيدرالي إلى ثلاث مناطق؛ سنية وشيعية وكردية، مع إبقاء بغداد مدينة مفتوحة أمام الجميع، زاعمة أن هذه هي أفضل طريقة للإبقاء على العراق متماسكًا .
وأضافت: إن إقامة علاقة شراكة بين هذه المناطق الفيدرالية، سيضمن تمرير هذه الصيغة بطريقة سلمية لا تحطم مفهوم بقاء العراق كبلد موحد, وألمحت إلى "ضرورة" قبول حكام العراق بمبدأ تقاسم السلطة وموارد النفط، مع إبقاء الأكراد على حكمهم الذاتي، والتخلي عن الأفكار الانفصالية التي لن يجدوا من يساندهم لتنفيذها، في إلماحة منها إلى أهمية ممارسة الضغوط اللازمة لتمرير الأمر.
وقالت أولبرايت في كتابها إن اجتياح العراق قد أشعل حربًا أهلية، وأدى لتوتر شديد بين السنة والشيعة، وزاد من النفوذ الإيراني في البلاد، وسهل لتركيا التعامل مع أكراد العراق، واستعدى الرأي العام ضد الولايات المتحدة, ووصفت أولبرايت اجتياح العراق وما أعقبه من تداعيات بأنه واحدة من أكبر الكوارث في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية، مؤكدة أن واشنطن لن تستعيد مكانتها بالمنطقة العربية إلا إذا وضعت أجندة تحظى بتأييد حلفائها هناك .